رواية سمرا في قبضة الش يطان بقلم إسراء عبداللطيف

الفصل الأول
توسط قرص الشمس سماء النهار ، لتعلن عن وقت الظهيرة .. فشاعت حرارتها و ضوئها في كل مكان ..
بأحد الأحياء الشعبية بالقاهرة ، حيث الازدحام و التكدس .. و الأرجل المتسارعة للعودة إلى المنزل للحصول على قسطاً من الراحة بعد فترات العمل الصباحية ، و غيرهم من يسرع إلى بداية يومه العملي الشاق .. و أصوات الرجال يتحدثوا بمجالسهم على المقاهي ، و أصوات النساء يتضاحكن من الشرفات ، و بعضهن من يشتبكن سوياً لسوء تفاهم بينهن .. و يلفظن بعضهن بأسوأ الالقاب .. و أصوات الأطفال يلهون و يركضون بالحارة .. نعم فكل هذه الأجواء متواجدة بالأحياء الشعبية فقط …
فُتح باب الشقة لتدخل تلك الفتاه البالغة عشرون عاماً ، ترتدي تنوره طويله باللون البني ، و بلوزة بأكمام ذات لون اخضر ، و تضع وشاحاً علي رأسها ..
و ما أن دخلت إلي الشقة ذات الطراز البسيط ، حتي أزاحت الحجاب عن رأسها ، لتظهر خصلات شعرها البنيه الطويلة التي تصل إلى نهاية ظهرها و المموجة ، و وجهها المبتسم الذي يعطيها جمالاً واضحاً و نُضرة ، رغم ملامحها الدالة علي كونها فتاه مصريه أصيله متأصله .
جلست علي الأريكة الباليه ، و وضعت بجانبها بعض الحقائب البلاستيكية التي كانت بحوزتها ، و ظلت تعبث بها ، صائحة : ” أنا جبت الطلبات اللي أنتِ عايزاها يا امه .. ”
و لكن لم يأتيها أي رد ، فوقفت و سارت بالصالة ، حتي وصلت إلي مدخل المطبخ ، و استندت بذراعها الأيمن علي الجدار المتآكل ، و وضعت يدها اليسرى في منتصف خصرها ، قائله بابتسامه : ” أنا بنده عليكِ و أنتِ هنا في المطبخ .. ”
نظرت إليها تلك المرأة الواقفة أمام حوض المياه المسماة ( فاطمه ) ، بدينة الجسد قليلاً سمراء البشرة .. ذات تجاعيد بسيطة بوجهها ، ترتدي عباءه منزليه باليه ، و تضع حجاب صغير علي رأسها ، يظهر منه بعد الخصلات البيضاء التي تركها لها الزمن ، و ابتسمت قائلة : ” جيتِ أمتي يا سمرا .. أنا ماحستش بيكِ ..! ”
أنزلت سمرا ذراعها ، و اقتربت من والدتها ، و أخذت تلك الأطباق المتسخة من يديها قائله .
” سيبي الأطباق دي من أيدك يا امه .. أنا هغسلها . ”
ابتسمت فاطمه قائله برضي : ” ربنا يخليكِ لي يا سمرا ، ده أنتِ يا حبة عيني شلتى الهم بدري بدري . ”
” قوليلي يا امه.. هي ألاء راحت مدرستها ..!؟ ”
سحبت فاطمه أحد المقاعد الخشبية الموضوعة بالقرب من طاوله بالمطبخ ، و جلست عليه ، و أمسكت بسكين حاد لتكمل تقطيع الخضراوات قائله بهدوء : ” أيوه راحت و جات من شويه ، قبل ما أنتِ تيجي من السوق على طول وراحت تذاكر مع صاحبتها ”
و من ثم أطلقت تنهيدة حزينة قبل أن تتابع : ” ياما كان نفسي أنتِ كمان يا سمرا تكملي علامك .. أنتِ كنتِ شاطره أوي يا حبيبتي ..! ”
تركت سمرا الأطباق من يديها ، و جففت كلتاهما بالمنشفة ، و اقتربت من والدتها لتحتضنها قائلة بحب : ” كفاية شهادة الدبلوم يا امه .. و أهو بشتغل عشان نكفي المصاريف بالعافية الدنيا بقيت صعبه أوي و الجاي على قد اللي رايح .. خصوصاً إننا ولايا لوحدنا الكل عاوز ينهش لحمنا . ”
وضعت فاطمه كفها علي يد ابنتها ، قائله بابتسامة منكسرة و عبره تكاد تسقط من عينها : ” بس أنا عارفه إنك بنت بمية راجل يا سمرا .. محدش يقدر يكلمك ربنا يرحمك يا عبد العزيز سبتنا ولايا ملناش ضهر في الدنيا . ”
مدت سمرا أصبعها ، لتمسح تلك العبرة التي سقطت من عين والدتها قائلة بابتسامة : ” ربنا يرحمه يا أمي .. ماتخفيش هنفضل سوا و نحارب و ألاء هتكمل تعليمها و تحقق اللي أنا ماقدرتش أحققه . ”
حركت فاطمه رأسها بالموافقة ، و ابتسمت من بين عبراتها ، ثم وقفت قائله قبل أن تخرج : ” سمرا .. جمال جه و سأل عليكِ و شكله زعلان ، حاولي تتصلي بيه و تشوفي ماله .”
تنفست سمرا بهدوء ، ثم قالت بتفهم : ” جمال عمال يكلمني على موضوع جوازنا ، بس أنا قولتله لسه مش مستعده ، لازم يسيبني فترة ألحق أخلص فيها جهازي . ”
” جمال شاريكِ يا بنتي .. حاولي أنك تفهميه . ”
ابتسمت سمرا قائله بهدوء : ” ماتشيليش هم أنا هكلمه ، و أحاول أقنعه إننا نأجل الجواز حتى سنه تانيه ، أكون خلصت لوازمي . ”
” اللي يريحك يا ضنايا .. بس حاولى تطلعي النهارده بالليل مع رباب تشتري شوية لوازم ليكِ .. حتى الهم يخف شويه . ”
حركت سمرا رأسها بالموافقة ، قائلة : ” حاضر ياامه .. كل حاجه هتبقي كويسة إن شاء الله ماتعوليش هم أنتِ . ”
” ربنا يسعدك يا سمرا . ”
قالتها فاطمه قبل أن تخرج من المطبخ ، و تترك سمرا لتنجز ما تبقي من تنظيف ..
…………………………………….
الولايات المتحدة الأمريكية ،
نيويورك ،،،
غرفة ضخمة ، تحتوي علي مكتب مُصمم علي أحدث طراز من الزجاج ، و بخلفه مقعد جلدي ضخم ، و أمامه مقعدين من الجلد بينهم طاوله مستديره من الزجاج ، و من الجانب الأخر من الغرفة ، توجد أريكه اسفنجية ضخمه ، وكم من اللوحات الفنية ذات الطراز العتيق ، مُعلقه بكافة جدران الغرفة ..
فُتح باب الغرفة ، ليدخل ذلك الشاب ، مفتول العضلات ، ذو البشرة الخمرية ، و الأعين الرمادية الحادة كأعين الثعلب التي تحوي مكر لأبعد حد ، لديه من العمر ثلاث و ثلاثون عاماً شعر اسود كثيف ، و لحيه خفيفة ، يرتدي حله سوداء مرتبه .
خلع جاكت بذلته ، و وضعه علي ظهر المقعد الجلدي الضخم ، و من ثم جلس علي المقعد ، و فك أزرار قميصه العليا ، و أزرار الأكمام ، ثم ضغط علي زر مثبت بالمكتب .
بعد عدة لحظات ، دخلت شابه في منتصف عقدها الثاني ، ترتدي تنوره قصيره بالكاد تصل إلي ركبتيها ، و جاكت ، لها شعر قصير باللون الأشقر تسمي ( أنجيلا ) ،
بحوزتها بعض الأوراق ، قائله بنبره رسميه أجنبيه : ” ماذا هناك مستر شاهر . “




