حتى اقتل بسمة تمردك بقلم مريم غريب

الحلقة “1” :

كان الحمام معبأ بالبخار المائي عندما خطت “داليا” بقدمها في الوسط تجاه المرآة التي أخذت مكانا صغيرا لا بأس به بقاعة الحمام البسيط ..
وقفت “داليا” أمام المرآة تنظر إلي نفسها و تتأمل تفاصيلها ، فكرت لم تعط مظهرها الخارجي أي إهتمام من قبل قط !
و لكنها فاجأت نفسها اليوم و في تلك اللحظة بالأخص و راحت تدرس بدقة تقاطيع وجهها و جسدها البض المائل إلي الأحمرار و الذي تناثرت عليه قطرات الماء أثر إستحمامها ..
مدت يدها إلي وجه المرآة و نزحت ذلك التشويب البخاري الذي كان يحجب عنها رؤية نفسها بوضوح ، ثم حدقت بوجهها جيدا ، كان لون بشرتها عسليا و لون عينيها الواسعتين يتموج وفقا لمزاجها فمن الأخضر يوما إلي لون ضبابي كلون الدخان يوما أخر ، تملك عيناها قوة ساحرة تجهل”داليا” وجودها حتي الأن ، و كان شعرها كستنائيا طويلا حريريا و كثيفا عقصته”داليا”في تلك اللحظة إلي الوراء بعيدا عن جانبي وجهها كي تتمعن ملامحها أكثر ..
وجدت أن مظهرها برئ يدل علي الضعف فتسرب القلق إلي قلبها ، عليها أن تقوم بإنقاذ الموقف فإن لم تتصرف سريعا ستخسر كل شيء لأن تلك الوظيفة التي سوف تتقدم لها غدا تعني لها و لعائلتها الصغيرة كل شيء و لو خسرتها ستتحطم آمالهم ..
تناولت”داليا”منشفتها الكبيرة و لفت بها جسدها ثم هرعت سريعا إلي غرفتها .. وقفت “داليا”أمام خزانتها تتأمل محتوياتها و ملابسها في عدم رضا ، شعرت بإنها تحتاج لشراء ملابس اذا تم قبولها في تلك الوظيفة .. ذكرت نفسها أن مدخراتها القليلة التي وضعتها جانبا لمصروفات المنزل و علاج والدتها التي أصابها الشلل الرباعي و أيضا مصروفات شقيقتها التي إلتحقت منذ عامين إلي كلية الطب ..
وجدت أنه لا يجب أن تهدر تلك المدخرات البسيطة علي شراء الملابس .. لذا أقفلت خزانتها بيأس و إستسلام ثم جلست علي فراشها متخاذلة
سمعت في تلك اللحظة طرقات علي باب غرفتها فأذنت بالدخول قائلة:
-ادخلي يا ياسمين.
دلفت الشقيقة الشابة بمرح إلي غرفة”داليا”وقد علت وجهها إبتسامة خفيفة فيما تطلعت إليها”داليا”بتساؤل قائلة حينما شاهدت دفاتر الدراسة بكلتا يديها:
-إيه ده ! .. انتي لسا جاية دلوقتي ؟ اتأخرتي كده ليه أنا كنت بحسبك وصلتي من بدري.
-أه أه يا أختي لو تعرفي إللي حصلي انهاردة يا دودو.
قالت”ياسمين”ذلك و هي تنزع معطفها الأحمر الصغير المصنوع من الجلد و تلقيه تعبة علي فراش أختها بينما سألتها”داليا”بقلق:
-إيه حصلك إيه ؟ اتكلمي قوليلي في إيه حد عملك حاجة ؟؟
قهقهت”ياسمين”بمرح و هي تلهو بسلسلة مفاتيحها قائلة:
-ماتقلقيش كده يا دودو اطمني محدش عملي حاجة و محدش يقدر يعملي حاجة اساسا.
-اومال إيه اللي حصل طيب و اتأخرتي ليه ؟؟
قالت”داليا”بنفاذ صبر بينما فسرت”ياسمين”:
-ما أنا هقولك بس اهدي انتي الاول.
-طيب هديت .. اتكلمي بقي !
تنهدت”ياسمين”ثم عادت تقص عليها الأتي:
بعد إنتهاء محاضراتها الجامعية ذهبت برفقة صديقاتها إلي وسط ساحة الحرم الجامعي ، و ما أن خطت برقة أمام تلك السيارة الفارهة التي إستند إليها شاب ذو وجه شرقي جذاب و عينان بنيتان حجبتهما تلك النظارة الشمسية الأنيقة حتي جذبت إنتباهه ليس لجمالها ، فهي ليست صاخبة أجمل إطلالة بالجامعة و لكن كان تجاهلها سبب إهتمامه بها ، فنظرة”ياسمين”إليه كانت تختلف عن بقية الفتيات اللواتي ما أن يتجمعن حوله حتي يتملقونه و يمتدحونه من جميع الجهات و كأنه نجم مشهور ..
-حاسس ان القمر نزل من السما في عز الضهر و عدا من جانبي دلوقتي.
لم ترد”ياسمين”علي إطرأه و لا علي إبتسامته الجذابة الدافئة بالمثل بل وجهت إليه نظرة عادية لا بل باردة ..
لأنه يعرف من ملابسها و هيئتها أنها فتاة بسيطة من الطبقة الوسطي و ربما أعتقد إنه قادر علي إستمالتها بسهولة ، كان يتأملها بتفحص بالغ مع إنها كانت تمثل البساطة بعينيها فيما لو قيست بالفتيات الأخريات ..
عند أخر نظرة وجهتها إليه أبتسم لها رافعا حاجبه بطريقة توحي بإنه لم يلق طوال حياته مقاومة من أي فتاة و لذلك أسرع إلي القول بوقاحة هذة المرة و هو ينظر أسفل قدمها:
-ما هو انا معذور بردو يا قمر انتي .. مستحيل اشوف الجمال ده كله و اسكت.
تجاهلته للمرة الثانية فعاد يقول:
-يا عيني يا عيني .. علي الخلخال إللي بيرن بين رجلك ياريتني كنت مكانه.
عندها فقط إلتفتت إليه و قالت بحدة و قد إرتفع صوتها بقدر جذب إنتباه الحاضريين و البعديين:
-طب خد بالك بقي يا حلو و فتح .. في نفس الرجل دي تحت الخلخال في جذمة تقوم بالواجب معاك.
إتسعت حدقتاه بذهول فقال:
-انتي ! .. الكلام ده ليا ؟!
-و مين غيرك هنا سافل و مش متربي ؟؟
-عمر !
قالتها فتاة جاءت لتوها ما أن لاحظت ذلك النزاع ثم تابعت:
-تاني ؟ انت مش هتبطل تصرفاتك دي اللي بتجبلك الاهانات كل شوية ايه مش هتتغير ابدا ؟!
رمقتها”ياسمين”بإزدراء .. كانت أنيقة في كل شيء و لكن ملابسها … !
بينما هتف الشاب بإنفعال حازم:
-يارا ! .. اسكتي انتي خالص.
-لأ.
صرخت الفتاة ثم تابعت:
-لأ مش هسكت المشهد ده تقريبا بيتكرر كل يوم و انت مابتحسش و لا بيهمك مشاعري.
ثم توجهت بالحديث إلي”ياسمين”فقالت ببحدةو انتي يا حلوة ياللي فرحانة بصوتك العالي .. خلاص خلصنا كفاية دراما.
ثم أكملت بنظرة إعتلاء ساخرة:
-هو اكيد مش مركز في حاجة انهاردة عشان يبصلك و يغازلك انتي .. ده غير انه دايما بيلازمني انا و بيرمي الباقيين اللي زيك .. خليكي متاكدة انه ماكنش يقصد و خليكي متاكدة بردو اني مش ممكن اسمحله يقصد .. انا مابحبش حد ياخد مني حاجة.
و قبل أن ترد”ياسمين”لتلك الشعثاء الصاع صاعين قبض الشاب علي معصمها و قال بصوت أجش:
-حاجة ايه يا بت هو انا كيس شيبسي ؟ .. و بعدين قلتلك اخرسي انتي.
و قبل أن يتوجه بحرف أخر لـ “ياسمين” تجمع رجال الأمن و بعض الشباب من حوله ..
حدث شد و جذب بينه و ببنهم حتي تطور الأمر بهم فتحولت ساحة الحرم الجامعي إلي ميدان من العراك … !
-يا نهار اسود ! .. و الولد ده حصله ايه ؟!
هتفت”داليا”بذعر متسائلة بينما جلجلت ضحكة شقيقتها بمرح فقالت:
-بيقولوا كان مبتسم و هما بيغسلوه ههههههه و انا مالي يا ستي بيهم انا سيبتهم يعجنوا في بعض بس بما انه كان لوحده ممكن اقولك انهم سكعوه علقة محترمة يستاهل بني ادم حيوان ههههه.
-بتهزري حضرتك ؟! .. بتهزري و انتي اساسا اللي غلطانة .. لابسة خلخال يا ياسمين ؟!
-و ماله يا داليا عادي دي موضة.
-موضة ! .. اولا احنا ناس علي اد حالنا عمرنا ما مشينا علي الموضة اللي بتتكلمي عليها دي لان ظروفنا ماتسمحش ثانيا حتي لو كانت ظروفنا تسمح فأخلاقنا عمرها ما كانت هتسمح .. اوكيه تمام انتي جربتي و شفتي النتيجة حصلت خناقة انهاردة في الجامعة بسببك .. لو كنتي محترمة ماكنش حصل اللي حصل ده يا ياسمين.
هتفت”داليا”أخر كلماتها بإنفعال حانق فإمتصت”ياسمين”حنقها عندما قالت بلطف:
-طيب يا داليا .. انا اسفة يا ستي و الله انتي عندك حق و انا غلطانة بس احيانا الانسان بيتغلب عليه فضوله و يجرب حاجات مش معتادة.
-و جربتي ؟ .. ادي نتيجة تجربتك.
-يووه .. خلاص بقي يا دودو قلت اسفة.
أجبرتها شقيقتها علي الإبتسام عندما نظرت إليها بإستكانة و ضعف مصطنع فقالت:
-طيب .. خلاص .. يلا روحي غيري هدومك و شوفي ماما و اديها الدوا علي ما احضر الغدا.
-ماشي يا عسل انت .. بس اه قوليلي صحيح .. عملتي ايه في موضوع الوظيفة اياها ؟؟
-اهو .. عندي بكرة انترفيو ادعيلي بقي.
-ان شاء الله ربنا هيوفقك يا دودو.
ثم ربتت علي كتفها و غادرت الغرفة .. فتنهدت”داليا”بضيق و ألقت بنفسها علي الفراش ، شعرت برغبة قوية في البكاء ، منذ وفاة والدها و هي تكد و تتعب من أجل إعالة أسرتها الصغيرة .. و قد أثقل الحمل كاهلها و أتعبها ..
ثم فجأة لم تستطع أن تري شيئا ، إذ غمرت الدموع عينيها فأغمضتهما بشدة لتتخلص من دموعها لكن الدموع جرت علي خديها سريعة غزيرة و حارة … !

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *