القطة المدللة بقلم أكرام يوسف

الفصل الحادى عشر

مشى على ضوء القمر المكتمل فى السماء رفع رأسه لينظر إلى شباك غرفتها المضئ وعلى وجهه ملامح الحقد والكُره , عدل من وضع السكين بملابسه جيداً وهو يهم للدخول إلى داخل الفيلا
لم يتجه نحو بوابة الفيلا , بل توجه إلى نقطة معينة بالسور كأنما درس طريقه من قبل وتسلقه بهدوء , إتجه سريعاً ليختبئ أسفل شباكها , وبعينين كعينان الصقر مسح كل ما حوله ليتأكد من عدم وجود أى أحد
وعندما إطمئن بدأ يتسلق ليدخل الغرفة من شباكها المفتوح
كانت تهم بتبديل ملابسها , عندما وجدته يقفز من الشباك ليقف أمامها , كانت لا تصدق حالها , أهو التاريخ يعيد نفسه ليجعلها تقف أمامه مرة أخرى لحالهم بغرفة مغلقة
قطع أفكارها بصوته الأجش :
– عريس الغفلة فين ؟
ظلت محدقة به دون أن تنبث بشفة , أشار بيده لباب الحمام المغلق وهو يستطرد :
– اية بياخد حمام الهنا ؟
إزدادت نظرته حدة وكأن الشيطان قفز بوجهه , وقال بكل حقد العالم :
– بس انا مش هخليه يلمس شعرة واحدة منك , لانى جايبله معايا هدية
قال كلماته الأخيرة وهو يخرج ذلك السكين اللامع من ملابسه
أخيراً نطق الصنم المتحجر وخرج من جموده , صرخت بإسمه بهلع :
– احمد , لا حرام عليك

كان حسام قد بدل ملابسه وهم بالدخول إلى فراشه عندما سمع صرختها , لم يشعر بقدميه وهو يأكل تلك المسافة الفاصلة بينهم
لترى حلمها يتجسد أمامها ولكن تلك المرة المكان فقط هو المختلف
ولكنها تقف وهى ترى حسام بمدخل باب الغرفة يقف فى مواجة أحمد الذى شهر سلاحه موجهه إلى وجه حسام
لم تشعر بنفسها إلى وهى تجرى على حسام لتحتضنه حتى لا ترى حلمها يتجسد
زعر حسام عندما وجدها على تلك الحالة حاول إبعادها ولكنها كانت متشبثة به كأنه أخر نفس لها فى الحياة , لكنه نزعها من حضنه ونحاها جانباً وهو ينظر لأحمد الذى إستشاط غضباً لما فعلته بوسى
قال حسام بتحدى :
– انا قودامك , لو عايز تقتلنى
صرخت بوسى بهلع قائلة :
– لا يا احمد ارجوك , ارجوك تسيبه
نظر لها بأسى وهى يراها تترجاه لغيره , إقتنص حسام تلك الفرصة ليهجم عليه بدأا يتضاربا حاول حسام أن يوقع من يده تلك السكين ولكن دون جدوى
كانت تشعر أنها تختنق , مقيدة لا تستطيع فعل شئ , كاد قلبها يتوقف من فرط توتره وهى تراهم هكذا
فر أحمد هارباً بعد أن سقط منه ذلك السكين الذى كان يلمع هذه المرة باللون الأحمر
إتجهت إلى حسام بلهفة , كان يبدو متماسكاً وهو يضغط بإحدى يديه على جانبه الأيمن , إحتضنها بيده الأخرى وهو يقول بصوت مكتوم :
– متخافيش , انا كويس
نظرت له بخوف ووجها مغطى بالدموع وهى تقول :
– متسبنيش يا حسام
ضمها إليه مرة أخرى وهو يكتم ألمه

******************

صوت صراخها لازال بأذنه لا يرى أمامه سوى صورتها وهى فى حضن غريمه , كان لا يشعر بشئ مما حوله الظلام السكون صوت خطوات قدمه الراكضة , تلعنه , تلعن شيطانه , لا بل تلعنها هى , ساحرته التى أفقدته عقله , وإرتمت فى حضن أخر
لم يكن يتجه إلى وجهة معينه , فجأة وجد نفسه أمام النيل نظر فيه بعمق فرأى صورتها تهتز داخل مياهه , رآها تبتسم بدلال , بادلها الإبتسام ووقف على سور الكوبرى وهو ينظر لصورتها بحب
وترك نفسه ليغوص فى أحضانها , يهوى إليها , رآها عروسه التى طالما حلم بها , رأها أمامه الحب , العشق , الجنون , بوسى

***************

خلى المكان من أى صوت سوى صوت ذلك الجهاز الذى يضئ بومضات تحمل صوتاً منتظماً , تلك هى الأنفاس التى تنعش قلبه الذى لازال ينبض بعد كل ذلك المجهود الذى بذله الأطباء لإبقاءه على قيد الحياة
جسد جامد شبه ميت شبه حى , أنفاس تدخل وتخرج دون حراك
كانت تقف تراقبه من خلف ذلك البلور ودموعها تغرق وجهها
رتبت المربية على كتفها بحنان وإحتضنتها , لترمى بوسى رأسها على صدرها وهى تنتحب , فتهدئها قائلة :
– متخافيش يا حبيبتى ان شاء الله هيخف ويبقى زى الفل
فترد من بين دموعها :
– يارب يادادة يارب
– هو مش الدكتور طمنك عليه ؟
– ايوة بس شكله صعب اوى كدة
– متقلقيش هيفوق قريب يا حبيبتى

**************

– ازيك يا تامر
– الحمد لله ياعم , خير اية اللى حدفك علينا ؟
– ابدا جاى اشوفك , يعنى قلت اواسيك فى محنتك , مش احنا صحاب برده ؟
نظر له بلا مبالاه قائلاً :
– محنة اية ياسئيل ؟
– ياعم انت اية لحقت تنساها , اللى كان يشوفك معاها يقول واقع , دة انت طلعت مصيبة
ليرد وملامح الدهشة على وجهه :
– انت تقصد اية بالظبط ؟
– ياعم بوسى حبيبة القلب سمعت انها اتجوزت امبارح
لتظهر المفاجأة على وجهه وهو يقول :
– اتجوزت ؟ ازاى ؟
– انت متعرفش ؟
ليقوم من مكانه ويظهر عليه الغضب , فيصيح به صاحبه قائلاً :
– طيب قولى رايح فين ؟
كان سؤاله بلا مجيب , فقد إختفى كلمح البصر , ركب سيارته وهو فى غاية الضيق , طلب رقمها للمرة التى لا يعرف عددها منذ أن علم برجوعها إلى البيت بعد إختفائها المفاجئ يوم حفلة شيرى , جاءه الرد مرة أخرى بأن الهاتف مغلق
زفر بضيق وهو يضغط على أزرار هاتفه مرة أخرى , ليأتيه ذلك الصوت الأنثوى بعد رنين إستمر لفترة :
– ايوة يا تامر عايز اية ؟ مش خلاص قولت لبوسى ؟
ليرد وكأنه لم يسمعها :
– هى بوسى اتجوزت ؟
لتصفعها المفاجأة , فهى لا تعلم هل تحزن وتحقد عليها , أم تسعد لبعدها عن محيط ياسر بزواجها
ردت بذهول :
– اتجوزت ؟
– كلمتيها بعد مارجعت ؟
– لا
– انا سمعت انها اتجوزت امبارح , وموبيلها مقفول , وهتجنن مش قادر عايز اعرف اية اللى حصل ؟
لم يسمع الرد , ولم تسمع هى ما قاله لها , فقد كانت السماعة على أذن ياسر الذى إنتزعها من يد شيرى من برهة , أغلق الهاتف وإستدار لها وهو فى قمة غضبه قائلاً :
– هى مين دى اللى اتجوزت ؟
لم تكن قد فاقت من صدمتها الأولى حينما فاجأها بوجوده حتى تستطيع أن تجيبه
ضغط على ذراعها بيده بقوة وهو يقول بلهجة مخيفة :
– مين دى اللى اتجوزت ؟
قالت بصوت مرتعش وبحروف مهزوزة :
– بوسى
إزدادت يده فى قسوتها على ذراعها وهو يصيح :
– انت متأكدة ؟
أماءت برأسها نافية وهى تتألم من قبضته , أرسلها بقوة لترتطم بالحائط لينزل مهرول إلى سيارته ويقودها وهو لا يرى أمامه

*****************

– قومى يا بوسى يابنتى نروح عشان ترتاحى شوية انتى عنيكى ورمت من كتر العياط
لتومئ برأسها نافية ولازالت دموعها تنهمر وهى واقفة أمام ذلك البلور الذى يفصل بينها وبين زوجها
لتقول المربية بيأس :
– طيب تعالى اعدى يا حبيبتى عشان خاطرى
فتستجيب أخيراً لتوسلات مربيتها وتجلس بجانبها خارج غرفة حسام ولم تجف دموعها بعد

****************

كانت الصدمة شديدة وأكبر ما فيها المفاجأة , تلك الصفعة التى جعلت الجبل العتيد يهتز
كان وقعها عليهم واحد فهما أحباها رغم قسوة قلبهم , رغم عدم معرفتهم لما يعتمل فى قلبيهما
فكل منهما أرادها لغرض فى نفسه ولم يعلما بأمر قلبيهما إلا بعد أن فات الأوان
لقد أصبحت ملكاً لآخر , ومن هو ذلك الأخر لكى يفوز بها ؟
وكأن الله أراد أن يحميها من أحمد لكى يظهرا هذان الذئبان يحومان بعالمها من جديد
فكأن النار كانت تأكلهما منذ أن علما بأمر زواجها فأحدهما كان يمتلكها وأضاعها من يده , والأخر كاد أن يمتلكها لولا مشيئة الرحمن التى أنقذتها من يده

************

الطبيب :
– مينفعش غير واحد بس اللى يدخل دلوقتى
فتنظر والدة حسام إلى بوسى وهى تقول :
– ادخلى انتى يا حبيبتى , بس أمانة عليكى تبطلى عياط يابنتى
أماءت برأسها بإيجاب , ودخلت غرفته بعد أن إرتدت كمامة وغطاء للرأس , كان قلبها يخفق بشدة , كانت تتمنى لو يصحو قليلاً لتطمئن عليه
لم تكن تشعر بنزول دموعها بعد أن جاهدت بمنعها إعمالاً بوصية والدته لها , كانت تتأمله بحب , نعم هو الحب الذى إستغربته من نفسها , كانت تظن أنها تحب تامر لكن شعورها نحو حسام مختلف
هل هذا هو الحب إذن ؟
وضعت يدها على يده تتحسسها بأناملها , تبعث له رسالة شوق , تحثه على البقاء بجانبها
لا تتركنى يا من شعرت بالحب معه
شعرت بأنامله تنبض بحركة خفيفة تحت يدها , حدقت بعينها فيه وفى يده رأته يحرك يده مرة أخرى
قالت بشوق :
– حسام , حسام انت سامعنى ؟
حرك يده فأمسكت بها وهى تقول :
– حسام انت فقت ؟
حاول تحريك رأسه بضعف إلى أن أصبح ناحية صوتها , وبصعوبة شديدة جاهد لفتح عينيه ليقع بصره عليها وهى تبتسم من بين دموعها وهى تقول بسعادة :
– الحمد لله
حاول أن يتحدث ولكن يبدو أن الأمر كان مؤلم , فإكتفى ب :
– متعيطيش
أماءت برأسها فى إيجاب وهى على نفس حالتها
دلفت الممرضة وهى تقول :
– كفاية كدة يا مدام عشان راحة المريض
قالت لها :
– دة فاق
قالت الممرضة وهى تشير لها ناحية الباب :
– الحمد لله , طيب اتفضلى حضرتك وانا هنادى الدكتور يشوفه
خرجت ولازالت عيناها معلقة بعينيه التى كانت تنظر لها بحب

جاء الطبيب وفحصه وطمئنهم على حالته , وسعد الجميع بالخبر

***************

بعد عدة أيام قضاهم فى المشفى عاد سالماً إلى المنزل
كان يتوسد فراشه وحوله بوسى ووالدته والمربية
ضحك وهو يقول :
– انا كان لازم اعيا من زمان , عشان اجرب عيشة الملوك
لتقول والدته مسرعة :
– اخس عليك يا حسام , بعد الشر عنك يا حبيبى , ربنا يحميك
قال وهو يحتضن بكفه كف بوسى التى كانت تجلس بجانبه على الفراش :
– اصل بصراحة اللى بشوفه منكم اليومين دول , مكنتش احلم بيه
قال كلمته الأخيرة وهو يضغط بيده على يدها , فنظرت له رأته مبتسماً , فإبتسمت بخجل , وأشاحت بوجهها عنه موجهه حديثها إلى المربية قائلة :
– جهزى يا دادة لحسام الغدا
فترد وهى تهم بالرحيل :
– حالاً يكون الغدا جاهز
فتلحقها ووالدته وهى تقول :
– استنى هاجى اقولك بيحب شوربة الخضار ازاى
ويخرجا من الغرفة , فيهمس حسام بأذن بوسى قائلاً :
– وحشتينى
أجفلت لكلمته وحاولت أن تخلص يدها من يده فمنعها وهو يقول :
– انا مش مصدق انك كنتى عايزة تحمينى وقتها
لازت بالصمت وهى تشعر بمزيج من المشاعر المختلطة تجتاحها فجأة
إستطرد قائلاً :
– شفت فى عينك وقتها نظرة خلتنى اتمنى لو كنت واجهت الموقف دة من زمان عشان أشوفها فى عنيكى
نظرت له بأسى وهى تقول :
– بلاش تفكر فى اللى حصل , عاوزة انسى
مسح على شعرها وهو ينظر لها بحب قائلاً :
– متقلقيش طول ما انا جمبك
إبتلعت غصتها وهى تومئ له بإيجاب وهى تحاول أن تخفى عنه مخاوفها

************

كانت فى غرفتها فى المساء بعد أن ناموا جميعاً , كانت ترتجف من الخوف وعيناها مسلطة على الشباك , تنتظر دخوله منه كالمرة السابقة
قامت ونظرت منه كان كل شئ كما هو الحديقة خالية من أى شئ غريب , كما أن الحارس الذى كلف حسام منصور بإحضاره يجلس مستيقظاً لحراسة الفيلا من أى متطفل
أخذت نفساً عميقاً تهدأ نفسها , أغمضت عينيها فى هدوء لتستجمع قواها
قالت فى نفسها : لا داعى للقلق بوسى , أنت فى أمان الأن
إستدارت لتقع عينها على قطعة الأرض التى سقط حسام عليها إثر إصابته , شعرت بالهلع
تحركت بسرعة خارج غرفتها , فقد تحملت أكثر من طاقتها
مشت بين الغرف فى حيرة , كانوا جميعاً نائمون المربية , والدة حسام التى إنتقلت للعيش معهم إثر إصرار بوسى على ذلك فهى تشتاق لجو العائلة الدافئ كما تعلم مدى تعلقها بحسام , وهو أيضاً متعلق بها بشدة
وصلت لغرفة حسام مدت يدها لتفتح الباب , ثم تراجعت مرة أخرى , أغمضت عينها فى ألم لتتذكر شكله وهو مجروح عندما سقط عندها بالغرفة
قلقت من أن يكون حدث له شئ فقد أصبحت أعصابها لا تحتمل , فتحت الباب ودخلت وأغلقته خلفها , مشيت بخفة حتى لا توقظه حتى وصلت إلى فراشه , رأته ينام متدثراً داخل فراشه , تنهدت فى راحة لرؤيتها له سالماً
كانت تستغرب حالها , لما تشعر بذلك الشعور نحوه ؟
متى حدث ؟ وكيف حدث ؟ متى تسلل إلى قلبها خلسة فى غفلة منها ؟ أم بإرادتها ؟
كل ما كانت تدركه أنها سعيدة بوجوده فى عالمها
إبتسمت لرؤيته ينعم بنومة فى فراشه , كادت تستدير لترحل , لكن شيئاً تعلق بيدها ليوقفها , إنها يده التى تعلقت بكفها
نظرت إليه بإرتباك حوله هو إلى مشاعر مختلطة حينما قرب كفها من فمه وطبع عليه قبلة فى صمت
قالت بحروف متلعثمة وبقلب يخفق بشدة :
– انا كنت جاية اطمن عليك
ليجذبها حتى تجلس جواره وهو يقول :
– منمتيش ليه لحد دلوقتى ؟
كانت ترتعش من داخلها من فرط توترها , حاولت أن تفتح فمها لتخرج الحديث بصعوبة , شعر بها فقال برفق :
– انتى لسة خايفة ؟
أماءت برأسها فى إيجاب وهى تخفى دمعة تحاول أن تهرب منها ولكنها سقطت منها دون أن تشعر , مد يده ليمسحها وهو يقول :
– متخافيش طول ما انا معاكى
– أنا أسفة انى صحيتك بس كل ما ادخل الاوضة افتكر اللى حصل , بشوفه قودامى أكنه بيحصل دلوقتى
جذبها إليه ليأخذها بحضنه وهو يقول :
– متخافيش أحنا بخير ومفيش حاجة تانية هتحصل
إستطرد وهو يلتمس خصلات شعرها وهو يبتسم :
– وكمان السرير هنا كبير وانا معنديش مانع أبداً ان أوضتى تنور النهاردة
رفعت رأسها تنظر له على إستحياء
فقال برجاء :
– عشان خاطرى تنوريها بقى
إبتسمت بحياء , وإستسلمت لطلبه ولنداء عقلها طلباً للأمان ونداء قلبها طلباً لقربه
أما هو فنام وعلى وجهه إبتسامة رضا لأنها كانت أخر ما رأته عينه قبل أن يغمضها للنوم

رواية القطة المدللة.

بقلم / إكرام يوسف.

الفصل الثانى عشر

إستيقظ فى الصباح ليجدها تنام بجانبه فى سكون , بدأ يتأملها بإبتسامة تزين وجهه , عدل من وضع خصلة تنزل على وجهها , شعرت بيده , ففتحت عينها ليقع بصرها على وجهه المبتسم فتبتسم بحياء , فيقول :
– اسف انى صحيتك
لتقول بمرح :
– كدة نبقى خالصين
فتتعالى ضحكاته , فتهم بمغادرة الفراش فيفتعل الألم وهو يضع يده مكان الجرح , فتنظر له بلهفة قائلة :
– مالك يا حبيبى ؟
ليبتسم وهو يجذبها إلى حضنه وهو يقول :
– كنت متأكد انك هتقوليها , بس مكنتش اعرف انها هتكون حلوة اوى كدة
إبتعدت عنه وهى تقول بمرح :
– بس خليك فاكر اننا كدة مش خالصين

*************

فتحت خزانتها وهى تتأمل ملابسها التى تشتريها بأموال طائلة يبعثها لها أبيها , فهو لا يبخل عليها بشئ كل طلباتها مجابة , ما ينقصها هو شئ واحد وجوده ووالدتها فى حياتها , هو يرى أن هذا شئ ضئيل لا يهم
وها هى مقتنياتها الثمينة حولها فى كل مكان , لها وحدها , فهى وحيدة فى هذا المكان رغم كل ما يحمل من متع لكنها لا تشعر بأى منها
كل ما تشعر به هو الوحدة , الضعف , الخوف
ثارت على كل شئ بدأت تخرج كل شئ من خزانتها وترميها على الأرض وهى غارقة فى دموعها
كانت لا ترى أمامها وهى تصرخ وتطيح بكل ما يقابلة
فجأة إرتطمت بصدره وهو يقف يحدق بها فى ذهول لرؤيته لها على هذه الحالة
رفعت رأسها لتراه , فلم تلبث إلا أن أسندت رأسها على صدره وبدأت فى نوبة بكاء أخرى , فما كان منه إلا أن أحاطها بذراعه وهو لازال على ملامحه الجامدة
بعد فترة هدأت ورفعت رأسها بعيون تترجاه أن يظل معاها ولا يتركها , ولكن خاب أملها عندما فتح فمه قائلاً بوجه جامد لا يحمل أى مشاعر :
– مش عايزك تقطعى علاقتك بيها
نظرت له بدهشة قائلة :
– مش فاهمة
نظر بعينيها وهو يقول بحدة :
– عايز علاقتك تفضل كويسة مع بوسى , عايز أعرف اخبارها كلها هى وجوزها
بصوت محسور وقلب مكسور قالت بأسى :
– انت عايز منها اية تانى ؟ هى مش خلاص اتجوزت ؟
أمسكها من ذراعيها بقوة وقد جل الغضب يتراقص على وجه , وهو يقول بوعيد :
– اللى انا اقوله انتى تنفذيه من غير اى كلام , مفهوم ؟
أماءت برأسها بإيجاب وهى تشعر أنها قد سقطت فى بئره ولا مفر ولا منقذ منه إلا إليه
فهو النور والظلام , الرحمة والوعيد , السعادة والشقاء , الجنة والنار

**************

جلس تامر على الأريكة وهو ينظر إلى الصور بيده بحسرة , كم كانت أيامهم معاً سعيدة , لم يعرف قيمتها إلا بعد أن خسرها
أعترف أنى أحبك يا من سكنتى القلب والوجدان
نظر أمامه بوجوم وهو يقول :
– وزى ما كنتى فى حضنى هاعرف ازاى ارجعك لحضنى تانى يا بوسى

**************

كانوا يجلسون على مائدة الطعام جميعاً , فقد أصر حسام أن يجلس معهم ويخرج من غرفته فقد مل مكوثه الدائم بها , وتبرم من مذاق الطعام بها فهو يريد صحبتهم وقت الطعام
كانت السعادة تخيم على المكان , والإبتسامة تزين وجوههم جميعاً , طلبوا من المربية أن تشاركهم المائدة
بعد الإنتهاء من الطعام جلسوا بغرفة المعيشة يتبادلون المزاحات والضحك حينما رن جرس الهاتف , فذهبت المربية لترد وجائت به لحسام قائلة :
– حضرة الظابط عايزك على التليفون
أمسك حسام التليفون فى ظل إنتباه الجميع وتعلق أنظارهم به , ظهر على وجهه ملامح الدهشة المصحوبة بالضيق وهو يتمتم ببعض الكلمات الموجزة التى لا يُفهم منها ما يقوله الطرف الأخر , ثم أغلق الخط وهو ينظر فى أعينهم ويقول بأسى :
– أحمد انتحر
دهش الجميع لما سمعوه , وأجهشت بوسى بالبكاء وهى غير مصدقة لما حدث فى حين شعر حسام بالضيق لما رأها على هذه الحالة
فإستأذن وصعد غرفته , هو وشيطانه الذى يحاول أن يفرق بينه وبين زوجته

***************

كان يجلس على فراشه بوجه عابث , فقد تمكن منه شيطانه وجعله يستشيط غيظاً
سمع طرقات على الباب ويليه صوت والدته من الخارج تقول :
– انت لسة صاحى يا حسام ؟
ليرد قائلاً :
– ايوة يا ماما اتفضلى
فتدخل وتغلق الباب خلفها , ثم تقول :
– شفت النور منور عرفت إنك لسة صاحى منمتش
– اتفضلى يا امى
فتجلس بجانبه على الفراش وهى تقول :
– مالك يا حبيبى ؟ فى حاجة تعباك ؟
– الحمد لله يا امى , انا بخير
لتقول وهى تنظر بعينيه تحاول إختراق عقله :
– عليا انا برده الكلام دة , دة انا أمك اللى حافظاك
فيصمت , فتتابع وهى تمسك بيده :
– متخليش الشيطان يلعب بيك , الخبر كلنا اتفاجأنا بيه
ليرد مسرعاً بنبرة عصبية :
– اتفاجأنا , بس معيطناش وزعلانا اوى كدة , دة كان عايز يموتنى من يومين , ازاى تزعل عليه كدة ؟
لتضع يدها على صدرها وهى تشهق قائلة :
– بعد الشر عليك ياحبيبى
ثم تبتسم وهى تقول :
– اية ؟ بتغير ؟
ليهز رأسه يميناً ويساراً وهو يزفر بغيظ , فتقول :
– يابنى كل واحد وله رد فعل , انت كمان هتحاسبها على رد فعلها ؟
– رد الفعل بيبين اللى جوانا
– اه دة الشيطان شايف شغله معاك تمام
ليشيح بوجهه وهو يشعر بالضيق , فتمسح على رأسه وهى تقول :
– الانتحار دة مش حاجة سهلة , وبعدين دة واحد كان عايش معاهم بقاله خمس سنين
– يعنى اية بقى ؟ كان اخ عزيز عليها ؟
– يابنى متظلمهاش , انت عارف انها حساسة واكيد الخبر كان صعب عليها
قامت لتغادر وهى تقول :
– استهدى بالله , ومتخليش الشيطان يهيألك حاجات مش موجودة , وانا وانت متأكدين من كدة
أماء برأسه وهو مازال على ضيقه , خرجت وتركته , بدأ يفكر ملياً فى حديث والدته , وقرر أن ينسى ما حدث وكأن شيئاً لم يكن ولا يدع الشيطان يتلاعب به

*************

كانت تنتحب فى حضن مربيتها قائلة :
– انا مش عارفة اية اللى بيحصلى دة ؟ انا حاسة انى فى كابوس , مش عارفة ليه الدنيا اتقلبت فجأة بعد موت بابى ؟ حاسة انى بحلم , مش دى الحياة اللى كنت عايشاها فى حضن بابى , ليه خطفنى ؟ وليه كان عايز يموت حسام ؟ وليه انتحر ؟ ليه كل الحقد دة يبقى فى قلوب البشر ؟ انا تايه حاسة انى فى دوامة , مخنوقة مش قادرة اتنفس , عايزة اخرج من اللى انا فيه
رتبت على رأسها المربية وهى تقول بأسى :
– هى دى الدنيا يا بنتى فيها الحلو والوحش , انا بحمد ربنا ان الاستاذ حسام جمبك
نظرت لها بوسى بحب قائلة :
– ربنا يخليكى انتى كمان يا دادة ليا , انا بجد مش عارفة من غيرك كنت عملت اية ؟
لتضمها مرة أخرى وهى تقول :
– يا حبيبتى انتى بنتى اللى مخلفتهاش
لتباغتها بسؤال :
– كنتى بتحبيها هى كمان ؟
نظرت أمامها بحزن :
– مفيش حد مكنش بيحبها , ربنا يرحمها يابنتى
قالت وهى تمسح دموعها :
– ربنا يرحمك يا مامى

***************

الطبيب :
– لا دة انت بقيت زى الفل , ما شاء الله
– يعنى ينفع ارجع الشغل بقى ؟
ليضحك وهو يقول :
– مستعجل اوى على الشغل كدة ليه ؟
– اصل بصراحة مش متعود على قعدة البيت خالص , وكمان حاجات كتير وقفة فى الشغل بغيابى
– خلاص ياسيدى تقدر ترجع الشغل

غادر الطبيب , ودخلت بوسى إليه الغرفة وهى تقول بسعادة :
– مبروك
فقال بحب :
– عقبال اللى فى بالى يارب
كادت أن تهرب من أمامه لولا أنه باغتها بسؤاله :
– مقولتليش , عايزة تقضى شهر العسل فين ؟
صمتت وظلت ناظرة له بمزيج من الخجل والدهشة
إقترب منها , وإحتضن كفيها بين يديه , وقال :
– اصلى بصراحة ناوى اظبط الشغل فى الشركة ونسافر بعدها على طول , انا عارف اننا متجوزين من مدة بس انتى عارفة بقى اللى حصل
قالت بتوتر :
– بس , احنا اتفقنا يعنى قصدى انت قلتلى يعنى
رفع وجهها بأنامله وهو ينظر بعينيها قائلاً :
– اية , مش عايزة تسافرى معايا ؟ متخافيش مش هعضك
نزعت نفسها من بين يديه وهى تقول بتحدى :
– مش خايفة , بس كل الحكاية انك فاجأتنى وانا مكنتش فاكرة اننا هنسافر
– والله براحتك , لو حبة متسافريش اوكى
قالت وهى تهم بالمغادرة :
– لسه هرتب نفسى واقولك
إبتسم وهو يرى ذلك العناد الذى يطل من عينيها , وقال فى نفسه :
– تمام يا بوسى , خليكى فاكرة ان انتى اللى ابتديتى

**************

لم تعلم لما قالت هكذا ولكنها إستشعرت فى حديثه تسلطه وهى غير معتادة على هذا الأسلوب
لقد أيقنت أنها وقعت بحبه , لكنها لا ترغب بحب يكسرها , يجعلها طوع لأخر , يجعله يتحكم بها حتى لو بإسم الحب

**************

مرت الأيام وبدأ حسام يذهب لعمله , وهى لم تغادر المنزل من وقتها , كانت تشعر بالملل , طرقت باب غرفة المكتب وجدته غارق فى أوراقه , فقد قرر أن يتركها بحريتها وألا يضغط عليها بتطفله غلى حياتها , وإنخرط فى عمله حتى يحاول أن يشغل نفسه عنها
إبتسم حينما رأها , ونزع نظارته , وهو يقول :
– المكتب نور
جلست أمامه وهى تقول :
– انا كنت جاية اقولك انى كلمت شيرى صاحبتى وهروح النادى معاها
تغيرت ملامح وجهه ليظهر عليه الضيق وهو يقول :
– انا مش عايزك تقابلى الشلة بتاعت زمان دى تانى
لتقف وهى تقول بحدة :
– لية بقى ان شاء الله ؟
ليقول ببعض الجمود :
– عشان انا عايز كدة
– واية دخلك انت فى الموضوع دة ؟
فيقوم ليقف أمامها وهو يقول :
– دخلى حاجة بسيطة اوى , انا بس مجرد جوزك
– انت مش جوزى واحنا اتفقنا على كدة من الاول ان جوازنا هيبقى على الورق بس , وانا متأكدة اصلاً انك عايز تتحكم فيا مش أكتر
نظر لها ببعض الغضب قائلاً :
– اولا انا جوزك شرعاً وقانوناً , ثانياً انا متفقتش معاكى على حاجة من دى خالص , واللى انا قلته هيتنفذ , مفيش خروج برة البيت غير معايا , تسميه تحكم بقى مش تحكم , انتى حرة
– دة انا فى سجن بقى ؟
تركها وغادر المنزل بعد كلماته الأخيرة لها :
– افهمى زى ما تفهمى اللى قلته هيتنفذ

**************

تسلط , دكتاتورية , غضب , عصبية , أشياء لم تعهدها من قِبَل أى شخص تجاهها
فهى لم تعهد سوى الدلال و الطاعة لأوامرها مِن مَن حولها
فجأة وجدت نفسها مرغمة لأن تنفذ أوامر ذلك الشخص
حتى ولو كانت تحبه , فلن تسمح لهذا الحب أن يكسرها , يجعلها كقطعة من العجين يشكلها هو كيف يشاء
نظرت لنفسها بالمرآة وهى تقول بتحدى :
– مش بوسى اللى هتكونلك جارية يا حسام

رواية القطة المدللة.

بقلم / إكرام يوسف.

الفصل الثالث عشر
********************

مثل كل صباح يرتدى ملابسه ليذهب إلى عمله , لم يلتقى بها منذ ليلة أمس عندما تركها وغادر المنزل لينهى حديثه معها بكلماته الحادة وبأمرها بتنفيذ ما يمليه عليها دون نقاش
كان يعلم أنها لن تستسلم بسهولة , وأن المعركة بينهم لم تنتهى ولكن كان عليه أن يتوسم بالصبر والمثابرة وقوة التحمل
لكنه لم يتخيل أبداً ما فعلته تلك القطة المشاكسة

فقد كان فى إجتماعه مع مدراء الشركة , وكان جميع الموظفين على مكاتبهم منشغلون بالأوراق أمامهم
حينما إنتبهوا جميعاً لهذا الصوت المنتظم لقرعات كعب حذاءها وهى تمر أمامهم متوجهة إلى غرفة زوجها
كان أثر عطرها فقط قادر على إفتان العشرات , كانت تمشى غير مبالية بقلوبهم التى تركت صدورهم وراحت تركض خلفها , ولا بأعينهم التى تأكلها
سحرتهم جميعاً النساء قبل الرجال بثوبها الأحمر الخلاب الذى يكشف عن ساقيها لتشق الطريق بكبرياء أنثى تعلم مدى قوة تأثيرها عن من حولها

إستقامت تلك الفتاة النحيلة من على مقعدها وهى تنظر لها فى ذهول , لم تكد تتحدث حتى باغتتها بوسى قائلة باستعلاء :
– الاستاذ حسام موجود ؟
ردت الفتاة وهى لازالت على دهشتها قائلة :
– موجود , بس عنده إجتماع
قالت وهى تهم بالدخول إليه :
– اوكى
إعترضت الفتاة طريقها وهى تقول :
– يا فندم مينفعش , قلت لحضرتك عنده إجتماع
قالت دون أن تهتز لها شعرة :
– انا مدام بوسى صاحبة الشركة
وتركتها تائهة فى حروف كلماتها ودخلت الغرفة

نظر الجميع إلى من يدخل عليهم الإجتماع هكذا دون إستئذان
صدم حسام لرؤيته إياها أمامه داخل الشركة , وكاد أن يفقد عقله من شكل ملابسها
إستوعب الأمر سريعاً , وأصرف الحاضرين
أما هى فجلست فى ترفع على المقعد المقابل لمكتبه وهى تضع قدماً فوق أخرى غير مبالية بالشرر الذى يتطاير من عينيه
قال وهو فى قمة غضبه وهو يضغط على حروف كلماته :
– اية بدلة الرقص اللى انتى لبساها دى ؟
خفضت رأسها لتنظر إلى ثوبها وقالت بسخرية :
– دة فستان يا حسام مش بدلة رقص
قال وهو يجمع أشياءه من على المكتب ليهم بمغادرة المكان :
– اطلعى قودامى دلوقتى حالاً عشان هنروح
لم تتحرك وقالت ببرود :
– بس انا لسة جاية ومش عايزة امشى دلوقتى
إنحنى على مقعها وهو يقول بحدة ونبرة لم تختبرها منه مسبقاً :
– سمعتى انا قلت اية ؟
أفزعتها نبرته , وألهبت وجهها تلك النار التى تخرج من أنفاسه
حاولت أن لا تظهر خوفها أمامه , قامت وعدلت من خصلات شعرها بطريقة متكبرة ومشت أمامه بقلب يرجف وخطوات كادت أن تكون متعثرة لولا أنها حاولت أن تثبت أمام هجومه
كان يحاول أن يبعد بصره عن الموظفين حوله حتى لا يرى أنظارهم المصوبة نحو زوجته
أما هى فرغم خوفها منه لكنها حينما وصلت إلى الجراج إستدارت بتجبر مصطنع قائلة :
– ممكن تفهمنى انت بتعمل كدة ليه ؟ وازاى تتصرف معايا كدة اصلاً ؟
أشار بيده إلى السيارة وهو يستدير ليركب أمام المقود وهو يقول :
– اركبى
– مش هركب , انا هروح بعربيتى
لم تشعر بنفسها من رعد صوته الذى زلزلها إلا وهى تجلس بجانبه لينطلق بالسيارة وهو فى قمة غضبه
كانت تحاول أن تثبت نفسها فى مكان الهجوم الذى إتخذته سبيلاً فى معركتها معه , فلم يعد للتراجع مكان
وصلا إلى المنزل فإنطلقت تمشى بخيلاء أمامه متوجهة إلى غرفتها , لم يلحقها , دلف إلى مكتبه وإستعدى الحارس , أمره بألا يسمح لبوسى بالخروج من المنزل نهائياً
إحتسى فنجاناً من الشاى حتى لانت أعصابه وهدأ قليلاً , توجه إلى غرفتها وهو يمد نفسه بالكثير من برودة الأعصاب حتى لا يجعلها تندم على فعلتها بطريقة قاسية
إرتجفت عندما سمعته يطرق الباب
لم ينتظر ردها , فتح الباب ووقف ينظر لها بوجه جامد بعد أن أغلقه خلفه , إبتلعت غصتها وهى تنظر له بترقب
تحدث أخيراً قائلاً :
– قلتلك قبل كدة ان زعلى وحش ومتحاوليش تزعلينى
ردت بغيظ فهى لم تتحمل تلك السطوة التى تظهر فى كلماته :
– واية كمان ؟ على فكرة لو كنت فاكر انك هتعمل عليا سى السيد تبقى بتحلم
إقترب منها وأمسك بذراعها بشدة وهو يقول بوعيد :
– لو عايزة تشوفى سى السيد فأنا عندى إستعداد أورهولك , ومستعد كمان أكسرلك دماغك دى
ظلت تنظر له بتحدى وهى تكتم ألمها من يده , ظل يحدق بعينها هو الأخر
التحدى , العناد , أيهما سيكسر الأخر ؟ هل سترضخ القطة ؟ أم سيلين هو ؟
فها هى العيون التى تحمل المشاعر , الأن تحمل السلاح
أخرجهما من حرب أعينهم الضروس , صوت طرقات على الباب , تركها وفتح الباب ليرى المربية التى قالت :
– والدتك على التليفون يا استاذ حسام وموبيلك تحت فى المكتب
نزل مسرعاً ليرد على الهاتف , فوالدته تركتهم بعد أن إطمئنت على حالة إبنها الصحية , وذهبت لتعيش فى شقتها القديمة بذلك الحى الذى تعشقه وجيرانها الذين تحبهم وتريد العيش بجوارهم
أما المربية فنظرت إلى بوسى تحاول سبر أغوارها وهى تقول :
– طبعاً اتخانقتوا , عشان خرجتى من غير ما تقوليله ؟
لم ترد وجلست على فراشها والغضب يأكل فيها
فهمت المربية من غير أن تنطق بوسى بشئ , جلست جوارها وإحتضنتها وهى تقول :
– ريحى عقلك يا بوسى من التفكير , حسام بيحبك وبيخاف عليكى
قالت وقد أسندت رأسها على صدر المربية :
– بيحبنى ازاى وهو عايز يحطنى فى سجن ؟
– سجن اية بس يا حبيبتى ؟ متقوليش كدة
إنقشع الغلاف الصلب الذى كانت تضعه على وجهها , لتظر بضعفها أمام ذلك الحضن الدافئ , لتقول من بين دموعها :
– مش عايزنى اخرج ولا اروح فى اى حتة , حتى اصحابى مش عايزنى اقابلهم
رتبت على كتفها بحنان وهى تقول :
– طيب خلاص يا حبيبتى متزعليش , وربنا هيفرجها
**************************************
كان يوماً ملئ بالعمل كعادته , عاد متأخراً فوجد المربية لازالت مستيقظة , حياها قائلاً :
– ازيك يا دادة ؟
– الحمد لله يا بنى
– بوسى نامت ؟
ردت ببعض الحزن :
– فضلت تعيط يا حبة عينى لغاية ما نامت
زفر بضيق وهو يجلس على المقعد ولم يتحدث , فتابعت قائلاً :
– معلش يابنى هى غلطانة انها خرجت من غير ما تقولك , بس هى حاسة انها محبوسة ونفسها تخرج شوية , معلش حاول تخليها تخرج من الجو دة
– حاضر يا دادة
– ربنا يباركلك يابنى ويسعدكوا يارب
قال وهو يهم بصعود الدرج :
– متشكر يا دادة
دلف إلى غرفته وبدل ملابسه , توسد فراشه وهو يفكر بحبيبته المشاغبة , وكيف له أن يروضها لترضخ لما يريد ؟
***************************************
فى الصباح إستيقظ متأخراً فوجدها تجلس بجانب المربية , فقال موجهاً حديثه للمربية :
– اعمليلى نسكافية يا دادة
فردت عليه قائلة :
– مش هتفطر الأول ؟
قال بإبتسامة مشاكسة وهو ينظر لبوسى التى لم تنظر له منذ حضوره :
– والله انا جعان بس عايز حد يفتح نفسى , بس انتو شكلكوا فطرتوا
ردت المربية وهى تنظر لبوسى :
– بوسى لسة مفطرتش , هحضرلكوا الفطار
قالت بوسى مسرعة :
– مش عايزة افطر
باغتها بإحتضانه لكفها بين أنامله , وهو يقول :
– بس انا جعان وعايزك تاكلى معايا , اهون عليكى اروح الشغل جعان؟
لم تنظر له وحاولت أن تنزع يدها من يده , ولكنه منعها وقال وهو يقترب منها أكثر :
– انا عارف انك زعلانة , بس مكنتش اعرف ان زعلك وحش زيى
أشاحت وجهها عنه وهى تحاول أن تكتم تلك الإبتسامة التى تود القفز على شفتيها
تابع وهو مازال مبتسم :
– خلاص متزعليش بقى , عشان خاطرى
لم تنبث بشفة , فأدار وجهها إليه بأنامله , ثم قال :
– انا مقدرش على زعلك , والنهاردة لما أرجع من الشغل هنخرج سوا
أبعدت وجهها عن يده وهى تقول بوجه عابث :
– مش عايزة اخرج
قال بمرح :
– ممنوع الاعتراض , انا سكت لما بوظتى سفرية شهر العسل , المرة دى مش هسمحلك , هنخرج اول ما ارجع على طول
لم ينتظر ردها , فجذبها من يدها متوجه لغرفة الطعام وهو يقول :
– يلا بقى عشان نفطر
********************************
كانت تشعر بالسعادة وهى تنعم بحنانه وعذوبة كلماته
مع وجود ذلك الصوت الذى كان بداخلها , يذكرها دائماً بحياتها المتحررة السابقة
ولكنها أخمدته وهى تستعد لقدومه لكى يخرجا سوياً
طرقت المربية الباب وهى تحمل فى يدها ثوب مغطى وهى تقول :
– انتى لبستى يا حبيبتى , دة حسام جايبلك الفستان دة وهو جاى عشان تلبسيه وانتو خارجين
نظرت بوسى لما فى يدها بإبتسامة , ثم أخذته من يدها ووضعته على الفراش بسعادة , وفتحت سحاب الغطاء ليظهر ذلك الفستان الذى كان قطعة من السماء فى لونه الأزرق , ولكن ملامح وجهها تبدلت عندما رأته طويل وذو أكمام ومعه شال من اللون الأبيض
وضعته مرة أخرى على الفراش وهى تنظر للمربية بغيظ قائلة :
– البية كمان هيدَّخل فى لبسى , وعايز يلبسنى على مزاجه
وغادرت الغرفة وهى فى قمة غضبها , بعد أن فشلت محاولات المربية فى منعها من النزول إليه وهى فى تلك الحالة

كان فى قمة أناقته وهو يجلس بإنتظارها , رأها تأكل الدَرج بسرعة , علم إنه سوف يدخل إلى معركة جديدة توقعها
وقفت أمامه وهو لازال يجلس كما هو , وقالت بقمة غضبها :
– انا مش هلبس اللبس اللى انت جايبه دة , انت مش هتلبسنى على مزاجك
قال بهدوء :
– براحتك , بس مفيش خروج من البيت غير باللبس دة , واعملى حسابك هو دة اللبس اللى انا هاسمحلك تخرجى بيه بعد كدة
– انا مش فاهمة انت عايز توصل لاية بالظبط ؟ ولو فاكر انك كدة بتذلنى , فانا بقى اللى مش عايزة اخرج
قالت كلماتها هذه وتوجهت مسرعة إلى غرفتها
أما هو فتوجه إلى غرفة المكتب وهو يشعر بالضيق , بعد أن طلب من الخادمة أن تحضر له فنجاناً من القهوة
صعدت إلى غرفتها وهى تشعر بالحزن , فقد كانت سعيدة طوال اليوم , ولم تكن تتوقع أن ينتهى اليوم بهذا الشكل
نظرت بجانبها فرأت ذلك الفستان , تحسسته بيدها وهى ترى أمامها شكل حياتها مع حسام , كل شئ يتحكم به حتى أدق خصوصيتها
******************************
دفن حاله داخل الملفات والحسابات , فهو لا يريد أن يفكر فيما حدث , فقد كان يحلم بليلة حالمة يقضيها مع زوجته التى سكنت فؤاده , مع إنه كان متخوف من رد فعلها لكنه كان يحسن الظن بالله كما تعود , ولكن الله أراد أن يختم ليلته بهذا الشكل
إنتبه على صوت طرق الباب , فقال دون أن يرفع نظره من أوراقه :
– ادخل
ظلت عيناه داخل أوراقه , كان يتوقع أن تضع الخادمة القهوة أمامه على المكتب , لكنه إنتبه على صوتها وهى تقول :
– هتودينى فين ؟
رفع رأسه ليراها تقف أمامه وقد عقدت يديها على صدرها وقد إرتدت ذلك الفستان الذى أحضره لها , ولفت حول رأسها ذلك الشال الأبيض ليجعل وجهها يضئ فى إشراق
قفزت الإبتسامة على وجهه وقام ليقف أمامها وهو يصدر صفيراً لإعجابه بها , إقترب منها وهو يهمس :
– اية الجمال دة كله ؟ انا شكلى هرجع فى كلامى ومش هخرج بالقمر دة برة البيت , وهاخبيه عن عيون الناس
حدقت به وهمت بقول شئ , فقال مسرعاً :
– بهزر خلاص , بس بجد زى القمر
نظرت له بتحدى وهى تقول :
– بس ياريت تبطل تحكمات بقى
رد بحب :
– انتى بس اللى شايفاها تحكمات , لكن الحقيقة انى بحبك وبخاف عليكى , وعايز ربنا يكون راضى عننا
أشاحت بوجهها فى خجل , ثم قالت :
– طيب يلا بقى عشان نخرج , ولا هتضحك عليا ؟
إبتسم بسعادة وهو يأخذها إلى السيارة وهو يقول :
– يلا

قضوا ليلتهم بسعادة خارج المنزل , كانت فى قمة سعادتها وهو يغمرها بحنانه
كان يشعر أنه يملك الدنيا وما فيها وهى بين يديه

عادا إلى عشهما السعيد , كانوا الجميع قد ناموا , وما إن دخلوا حتى وقف أمامها وقال وهو ينظر بعينها :
– ممكن تكون تربيتنا وطباعنا مختلفة , بس انا متأكد إن اللى جوا قلوبنا واحد
ظلت صامتة , فإستطرد وهو يلمس وجهها بيده :
– أنا فاهم عنيكى كويس وحافظها من وانتى لسة صغيرة , عارف اللى انتى مخبياه وهى بتقوله
إقترب بوجهه منها , كاد أن يقبلها لولا أنها بعدت عنه وهى تقول بقلب يخفق وحروف متلعثمة :
– انا هطلع انام , تصبح على خير
هربت من أمامه لتصعد إلى غرفتها , أما هو فظل ينظر لها حتى إختفت من أمامه وهو يقول بشوق :
– وانتى من أهله يا حبيبتى

الفصل الرابع عشر
*******************

تقدم بخطوات ثابتة واثقة يشق الطريق الذى رسمه بحرفية ليصل إلى حلمه
فهو لم يعتد قبول الخسارة بسهولة , فقرر أن يواصل حتى يصل إليه , وينتزعه من براثن الأسد
عدل من رابطة عنقه وهو يبتسم لتلك الفتاة القابعة خلف الملفات ولم تنتبه لوجوده بعد
قال بطريقة لبقة :
– الأستاذ حسام موجود يا أنسة ؟
إنتبهت الفتاة لوجود ذلك الشاب الوسيم الذى يظهر عليه أثر الترف
قالت بوجه قد صبغ بحمرة الخجل :
– ايوة يا فندم , أقوله مين حضرتك ؟
بترفع وغمزة من إحدى عينيه أخرج من جيبه بطاقة وأعطاها إياها قائلاً :
– معاكى ياسر الشامى رجل أعمال , ودة الكارت بتاعى
مدت يدها تأخذ منه تلك البطاقة وقد أربكتها نظراته , وتوجهت بخطى متعثرة إلى غرفة حسام
أما ياسر فقد إتسعت إبتسامته لنجاحه فى غرس طُعمه فى تلك السمكة الصغيرة , فهو صياد ماهر لمثلها من الفاتنات
سمحت له بالدخول , تقدم بخطى ثابتة وهو يقدم نفسه لحسام قائلاً :
– ياسر الشامى , صاحب شركة الشامى للإستيرد والتصدير
مد حسام يده ليصافحه وهو يقول :
– أهلاً وسهلاً , اتفضل يا فندم
فكانت الأيادى متشابكة فى سلام لكن الله وحده هو العالم بخبايا القلوب , وخاصة قلب ياسرالذى لا يحمل الخير أبداً لحسام
********************************
كانت تسقى الأزهار وقد رُسم على وجهها تلك الإبتسامة التى لم تفارقها قط فى الفترة الأخيرة
فها هى تحيا تلك الحياة التى لم تعشها من قبل , دفئ لم تلتمسه من قبل , حنان إفتقدته بإفتقادها والدتها , أمان فقدته بعد وفاة والدها , حضن يغنيها عن الدنيا بأكملها
كل ما كان يقلقها ذلك الصوت الذى يصرخ بداخلها :
– هل هذا ما كنتى تعيشيه ؟ ما كنتى تتمنيه ؟ رجل تعيشى به وله فقط , أين كيانك ؟ أين بوسى ؟
ولكنها كانت تخرسه سريعاً , ولكنه كان دوماً حائلاً بينها وبين حسام , يمنعها من الإقتراب أكثر , يكفيها ما تشعر به معه , لا تريد الإقتراب أكثر , خوفاً من المستقبل
إنتبهت على صوت المربية وهى تقول :
– بتعملى اية يا بوسى ؟
لترد بإبتسامتها المعتادة هذه الأيام :
– بسقى الورد يا دادة
– يا حبيتى تسلم ايديكى
فيرد من جاء لتوه :
– انا بحسده بصراحة
لينظرا إليه بإبتسامة , فتقول المربية وهى تهم للدخول إلى داخل الفيلا :
– حمد الله على السلامة يا بنى , هروح احضرلكم الغدا
ليرد وعينه لازالت مسلطة على بوسى بإبتسامته الساحرة :
– الله يسلمك يا دادة
ويقترب من بوسى وهو يقول :
– بتعملى اية ؟
إكتفت بإبتسامة وهى تريه ما فى يدها , ذلك الرشاش الذى أمسكه من يدها وهو يقول بمرح :
– دة مبيرشش كدة , بيرش كدة يا ماما
قال كلماته هذه وهو يوجهه نحو وجهها وبدأ يرش على وجهها ورأسها
وهى تحاول الهرب وهى تصيح به أن يكتفى , بدأت تركض هرباً منه وهو يركض وراءها وهما يتضاحكان , أغمضت عينها وهى تركض وتحاول أن تلتمس طريقها بدون رؤية , إستدار ليصبح فى إستقبالها فوجدت نفسها ترتطم به حوطها بذراعيه وهما ما زالا يتضاحكان
كان ينظر لها بإشتياق , أما هى فتاهت فى نظرات عيونه الساحرة
إقترب بوجهه منها ولكنها أبعدت نفسها قليلاً عنه دون أن تستطيع فك حصار ذراعيه التى حوطتها وجعلتها أسيرته , قال بهمس وهو ينظر بعينيها :
– ليه دايماً بتهربى منى ؟
إبتلعت غصتها وهى تحاول الهروب من حصار نظراته فيكفيها حصار ذراعيه التى تمنعها من الهرب ككل مرة
باغتها بسؤال أخر :
– لسة برده متعودتيش عليا ؟
قالت بصوت متقطع :
– مش كدة , بس انا لسة يعنى مش مستعدة
نظر لها بحزن , وتركها وهو يقول :
– اكيد براحتك خالص , وياريت تسامحينى لو كنت ضايقتك
لم ترد فقط كانت تنظر له بخجل , قبلها على جبينها وهم بالدخول وهو يقول :
– انا هدخل اغير هدومى قبل الغدا
ودخل إلى الفيلا وهو يحاول أن يخفى ما يشعر به من ضيق
************************************
مد يده بذلك الملف وهو يقول لتلك الفتاة :
– دة يتراجع كويس جدا يا سحر , ويكون على مكتبى بكرة بالكتير
لتأخذه سحر من يده وهى تقول :
– حاضر يا أستاذ حسام , بكرة ان شاء الله هيكون على مكتبك
وتوجهت إلى مكتبها وبدأت فى تصفح الملف فوقعت عينها على إسمه ( ياسر محمد كمال الشامى ) فوجدت نفسها تبتسم وهى تتذكره وهو ينظر لها بإبتسامته الجذابة
***********************************
لم يعد يخرج من المنزل أو حتى يرى أحد من أصدقاءه , يظل دائماً داخل غرفته يدفن نفسه بين ذكرياته معها , رسائلها , هداياها , صورها
كان يتأمل صورها معه ويتذكر كم كان يشعر بالسعادة وقتها , نظر أمامه فى وجوم وهو يمنى نفسه برجوعها إليه مرة أخرى
وقال فى نفسه :
– وحشتينى يا بوسى , ولازم أرجعك لحضنى تانى بأى شكل وبأى طريقة
**********************************
حاولت أن تخفى نظرة الحقد والكره بعينها وهى تقول للجالسة أمامها :
– بس انتى ازاى تقبلى تتحجبى كدة بسهولة لمجرد انه عايز كدة ؟
– انا مش هنكرأنه غير حاجات كتير فى حياتى , بس انا حالياً مش حاسة ان فيه حاجة ناقصانى , بحس انه معوضنى عن كل حاجة فى الدنيا
– يا سلام , دة اية الرومانسية دى ؟ دة انتى حتى مش بتيجى النادى ولا حد بيشوف وشك
– مهو بصراحة مش عايزنى اروح النادى من غيره , وبعدين هو قالى لو حبة صحابى البنات يجولى البيت مفيش مشكلة , وادينا اهوه بنتقابل على طول ياشيرى
– اية التخلف دة ؟ انا مكنتش اعرف انه رجعى اوى كدة
نظرت نحوها ببعض الغضب وهى تقول :
– هو مش راجعى , هو بس اتربى تربية معينة ومش حابب يخرج عنها
صمتت وهى ترى الحب يخرج من عين بوسى , ثم قالت :
– وشركتك اخبارها اية ؟
ردت بوسى باستغراب :
– كويسة
– انتى بتروحيها
– لا , حسام هو اللى بيدرها , انا عملاله توكيل بالادارة وهو المسئول عن كل حاجة
إبتسمت بخبث وهى ترى أمامها نهاية هذا العش الجميل التى طالما تمنت أن تحظى بمثله مع ياسر لكن بوسى كانت دائماً تقف عائقاً بينهما
كانت تصرخ بداخلها :
– طالما لم أحظى أنا بتلك السعادة , فلن أدعك تحظين بها أنتِ أيضا
***************************************
كان يشعر دائماً بتخوفها وترددها من الإقتراب منه رغم حبها له الذى كان يتجلى بعينيها
لم يرد التسلل إليها عُنوة , فقط تركها لترسى على بره عندما تشعر بالرغبة فى ذلك
حاول أن يعرف من تصرفتها سبب ترددها , لكنه فشل
فقرر أن يحاول أن يعتد وجودها بقربه مع المحافظة على تلك المسافة التى وضعتها كحد فاصل بينهما , كان قلبه يتحسر وهو يراها كالفراشة التى تطير بين الأزهار اليانعة , يخفق قلبه لرؤيتها , يتمنى لو يرتوى من رحيقها الخلاب
لا تخافى منى يا حببتى , إقتربى دون تردد , فقد أضنانى الفراق , لم أعد أقوى على تحمل بعدك , أنا قلبٌ ملئٌ بالشوق فتعالى وأنعمى فيه بشوق ليالى عاشها وحيداً فى الظلمة مشتاق لقمرك لينيرها

سمع طرقات الباب فسمح للطارق بالدخول , فكانت سحر بيدها الملف وهى تقول :
– تمام يا فندم , انا راجعت الملف والصفقة مفيهاش اى شئ ناقص
أخذ منها الملف بوجه عابث دون أن ينتبة لما تقول , فاستطردت قائلة :
– تحب حضرتك اتصل بالاستاذ ياسر , ابلغه بقرارك
– اه خلاص اتصلى بيه وبلغيه بموافقتى على الصفقة
– تمام يا فندم

توجهت مسرعة إلى مكتبها وهى فى غاية السعادة وقلبها يرجف لإنها سوف تسمع صوته , فقد فتنها بطلته وأسلوبه الساحر فى الحديث رغم الدقائق القليلة التى إلتقت فيها به , رفعت السماعة على أذنها بعد أن سجلت رقم هاتفه الذى نقش فى عقلها منذ أن رأته لأول مرة , إنتظرت الرد حتى جاءها :
– الو
قالت بقلب يرقص طرباً :
– الو , معاك سحر مدكور مديرة مكتب الاستاذ حسام نور الدين مدير شركة نور الدين للإستيراد والتصدير
قال بوجه مبتسم وقد تذكرها تلك السمكة الصغيرة التى باتت فى طرف سنارته ولا يبقى سوى أن يجذبها لتصبح ملكه :
– اهلا , ازيك يا انسة سحر , مش انسة برده ؟
قالت ببعض الخجل :
– ايوة يا افندم , انا كنت متصلة ابلغ حضرتك ان الاستاذ حسام فى انتظار زيارة حضرتك عشان تتفقوا على الصفقة
ظهرت على وجهه ملامح الانتصار جلية وهو يقول :
– عظيم جدا , وانا بصراحة كنت منتظر تليفونك على احر من الجمر , بصراحة شركتكم حلوة اوى وهواها يرد الروح , والواحد ميشبعش منها أبداً
شعرت بتلميحه بالإطراء عليها , وقالت بسعادة أنثى ساذجة :
– حضرتك اكيد هتنورنا يا فندم
*****************************
كان يمشى بخطى سريعة نوعاً ما بوجهه الذى كان يحمل الشر , كان مرتبكاً قليلاً , ركب سيارته وجلس خلف المقود , نظر بعينه إلى بوابة تلك البناية التى خرج منها لتوه وهو يعلم أن قنبلته التى أشعل فتيلها منذ دقائق وألقاها بالداخل سوف تنفجر الأن
فقد أهلكه التفكير إلى أن هداهه شيطانه إلى تلك الخطة الماكرة , فالغاية تبرر الوسيلة فى تلك الغابة التى يعيش فيها أمثاله بعيداً عن دنيا البشر
لم ينم طوال ليلته حتى ينهى مهمته , ثم قام وتوجه إلى شركة نور الدين ليكمل ما بدأه
فقد قرر أن يعيدها إليه مهما كانت الطريقة
***********************************
كان غارقاً فى عمله , حينما سمع صوت طرقات على الباب , فقال :
– ادخلى يا سحر
دخلت وهى تمد يدها بمظروف وهى تقول :
– الظرف دة فى واحد سابه لحضرتك تحت على البوابة
قال بلا مبالاه وهو يعود مرة أخرى لأوراقه :
– تمام , حطيه هنا وروحى انتى
غادرت بعد أن وضعته أمامه على المكتب
أنهى عمله , وقرر الرجوع إلى المنزل لينل قسطاً من الراحة , بدأ فى جمع أشياءه فوجد ذلك المظروف فتحه ليقع قلبه فى إخمص قدمه من هول ما رأى
كان يحوى لبعض الصور لزوجته بوسى مع تامر فى أوضاع مخلة وملابس فاضحة
كان يحدق بالصور والشرر يتطاير من عينه
لا يعلم كيف وصل إلى سيارته وقادها بسرعة عائداً إلى المنزل
وما إن وصل حتى صعد الدرج مسرعاً إلى غرفتها , كانت تتوسد فراشها وفى يدها بعض المجلات التى تطالعها فى هدوء
حينما إقتحم الغرفة دون سابق إنذار وأغلق الباب خلفه ليقف أمامها والشرر يتطاير من عينه , أجفلت من فعلته وأفزعها رؤيته بتلك الملامح التى لم تراه عليها من قبل
لم تكد تستقبل تلك المفاجأة حتى سمعت صوته الهادر وهو يقول :
– دلوقتى بس عرفت انتى ليه بتبعدى عنى
كانت تنظر له بدهشة وعينها محدقة فى وجهه
أفرغ محتويات المظروف الذى كان يمسكه بيده وقذف ما فيه من صور فى وجهها وهو يقول :
– طبعاً عشان خايفة لأفضحك
نظرت حولها لتلك الصور المتناثرة وهى غير مصدقة لما ترى , فاستطرد وهو يقترب منها :
– بس ربنا هو اللى فضحك
صاحت من بين دموعها :
– الصور دى مش حقيقية , دى صور متركبة , والله يا حسام مش حقيقية
– متحلفيش بالله كدب
– انا مش بكدب هى دى الحقيقة , الصور دى متركبة , انا مش عارفة اثبتلك ازاى انى مش بكدب ؟
إقترب أكثر منها وهو يقول بوجه صلب يكسوه الجمود :
– انا اللى هثبت لنفسى , ودلوقتى حالاً
صعقت عندما رأته يقترب منها ويحاول نزع ملابسها عُنوة , بدأت تصيح به ألا يفعل بها هكذا , ولكن الغضب أعماه فبدأ فى تمزيق ملابسها وهى تصرخ به
لم يكن يرى أمامه سوى غضبه ولا يسمع إلا لصوت شيطانه
لم يرى دموعها ولم يسمع صيحاتها المتوسلة
توقف فجأة عندما شعر بها وهى متشبسة بملابسه ومنكمشة داخل حضنه وهى تقول من بين شهقاتها :
– لا , اوعى تعمل كدة يا حسام , اوعى تضيع منى الأمان اللى بحس بيه وانا فى حضنك , عشان خاطرى مضيعوش منى
تأثر كثيراً بكلماتها , نزع نفسه منها وخرج وهو فى قمة غضبه , لم يكن يعلم من أى شئ يغضب , منها أم من نفسه ؟
ركب سيارته وقادها مسرعاً بلا وجهة محددة , كان لا يرى الطريق بل يرى صورتها وهى تستجديه أن يتركها
إنتبه لصوت زامور تلك السيارة التى كانت أمامه فإستطاع أن يتفادى الصدام معها فى أخر لحظة
فقد أعصابه , فإتخذ جانباً أوقف فيه السيارة وترجل منها , وبدأ يبكى من الألم فقد جُرحت روحه قبل قلبه , فهى روحه التى تسكن قلبه

الفصل الخامس عشر
**********************

جلست منكمشة فى الفراش تبكى , وهى تتذكر قسوته معها , لا لم يكن هو , قد كان أخر لا تعرفه , تبدل الحنان فيه إلى قسوة
وقعت عينها على تلك الصور , صرخت وهى تزيحها من جانبه لتسقط على الأرض , وتدخل هى فى نوبة من البكاء
لتأتى المربية فى هلع , ثم تفزع من رؤيتها بتلك الصورة وهى تنتحب وترتعش بثيابها الممزقة
ضمتها لصدرها بحنان وهى تشعر بالأسى لها , ولما حدث لها وقد بانت أثاره عليها
حاولت أن تهدأها ونزعت عنها تلك الملابس وأبدلتها بغيرها ودثرتها فى فراشها وجلست بجانبها تتلو بعض أيات القرآن الكريم
نامت وسكنت جميع خلجاتها , نظرت لها المربية بحزن وقلب يدعو أن يخفف عنها ما تشعر به
وقع نظرها على تلك الصور الملقاه على الأرض , صدمت عندما رأتها , لكن قلبها أخبرها بأن هناك خطب ما ويستحيل أن تفعل بوسى إبنتها مثل تلك التصرفات
*********************************
كانت لا تزال تجلس بإنتظاره بوجهها الجامد , رغم ظهور أشعة الشمس لتغمر المكان , لكن لم يغمض لها جفن منذ البارحة
جاء أخيراً , دلف إلى الفيلا بوجهه العابث وقد ظهر عليه أثر الحزن والهم , ما إن رأها حتى سألها بلهفة :
– بوسى عاملة اية يادادة ؟
ردت بإقتضاب وحزن أم على إبنتها التى تركتها تنتفض فى فراشها :
– نايمة , بس محدش عالم باللى فيها
جلس على المقعد المقابل لها وهو فى قمة حزنه , فاستطردت قائلة :
– بص يابنى انا صحيح الدادة بتاعتها , لكن عمرى ما اعتبرت نفسى غريبة عنها , انا اللى ربتها , وعشت معاها كل لحظات عمرها , بوسى دى بنتى قبل كل شئ
رد ووجهه فى الأرض خجلاً مما فعله :
– انا عارف طبعاً يا دادة من غير ما تقولى
قالت بنبرة حزن :
– سامحنى يابنى فى اللى هقوله , بس انت زى ابنى برده
أماء برأسه فى صمت , فتابعت بألم :
– انا عارفة ان بوسى تربيتها كانت غلط من والدها الله يرحمه , ومش هنكر ان تصرفتها كانت غلط فى حاجات كتير , لكن بنتى عمرها ما تعمل اللى شفته فى الصور دة ابداً , انا متأكدة من دة كويس اوى
رد بحزن دفين :
– وانا كمان متأكد انها معملتش كدة
نظرت له ببعض الدهشة , فاستطرد قائلاً :
– الشيطان عمانى , وخلانى اتنرفز عليها
أسند رأسه على يده وهو يتابع فى ألم :
– عارف انى اتسرعت وغلطت , ومش عارف هترضى تسامحنى ولا لا ؟
قالت ببعض الراحة لما سمعته منه :
– متقلقش يابنى بوسى طيبة وقلبها أبيض , وبتحبك واكيد هتسامحك على طول
– يارب يا دادة يارب
– توكل على الله وهو القادر على كل شئ
تركها وقام ليصعد الدرج وصل إلى غرفتها تردد قليلاً قبل أن يفتح الباب , ولكنه فتحه أخيراً
ليقف أمامها وهى نائمة فى فراشها , تذكر شكلها وهى تبكى بين يديه ليلة أمس , أغمض عينيه فى ألم
شعرت بوجود أحد , فتحت عينها فرأته يقف أمامها , شعرت بالخوف , تدثرت جيداً بالغطاء الذى كان عليها وقالت وهى ممسكة به وبأعين محدقة فزعة :
– انت هتعمل اية ؟
رأى بعينها نظرة , تمنى الموت قبل أن يراها , نظرة مزقت قلبه إرباً
غادر الغرفة وهو يحاول أن يجمع شتاته , بعد أن ألقى على مسامعها كلمة واحدة , ظلت تتردد فى عقلها وهى تزرف الدموع
– اسف
********************************
مرت بضعة أيام لم يرها فيها , ولم يحاول أن يرها , الحقيقة كان يهرب منها , من عيناها , من نفسه التى تلموه على ما فعله , كيف له أن يشك بها , بمن سكنت فؤاده ؟ لما سمح لشيطانه بأن يحركه ؟
كان يكره مواجهة نفسه قبل مواجهتها , كيف يكون أمانها وهو بهذا الضعف ينجرف نحو تلك المهاترات ويتركها لتحركه ؟

أما هى فقد كانت تحاول أن تنسى ما حدث بشتى الطرق , كانت تحمد ربها أنه خلصها من ذلك الوغد تامر وأنها لم تتزوجه , لكن أكثر ما كان يؤلمها هو حسام , هل حقاً لا يثق بها ؟ هى تعلم بأن تصرفاتها السابقة هى التى دفعته لأن يشك بها , فكم ندمت على ما فرطت من مشاعر محرمة لشخص خائن مثل تامر
نظرت إلى زهورها بإبتسامة باهتة وهى تتذكر عندما كان يحتضنها فى هذا المكان , فهى رغم كل ما حدث وما تحمله من عتاب له فهى تشتاق له , تشتاق لحضنه الذى أبى أن يحرمها من أمانه
دلف إلى المنزل فرأها وسط أزهارها , كم كان يشتاق إليها , كان يود لو يهرع إليها ويغرسها بصدره ويضمها بين ذراعيه
وجهه قلبه إليها قبل أن يعطى الفرصة لعقله أن يدبر الأمر
إنتبهت لوجوده نظرت إليه بعتاب , فقال بشوق :
– ازيك ؟
ردت وهى تحاول ألا تنظر له حتى لا تفضحها عيناها ككل مرة :
– الحمد لله
فقال ببعض الألم الذى تحمله كلماته :
– انا اسف , مكنتش قادر أواجهك , ولا حتى كنت قادر أواجه نفسى
نظرت له بأسى , فتابع وهو يمسك ذراعيها بيديه :
– انا مش عارف ازاى استسلمت للشيطان بالشكل دة , نفسى تسامحينى
أشاحت بوجهها عنه , فقال :
– انا مبقيتش قادر على بعدك اكتر من كدة
أدار وجهها إليه بأنامله , ثم قال وهو يبحر فى عينيها :
– كفايا بُعد بقى
كانت تشتاق إليه , رغم كل ما تشعر به من مشاعر قاسية ومختلفة , لكن ما كان يطفو على السطح هو الإشتياق لمرساه
تركت نفسها تستقر عليها بعد أن أنهكتها السباحة بعيداً عنها , تركت كل أسلحتها وهدمت كل قلاعها وحصونها وتركت نفسها لتنعم بطعم الإستقرار بعد أن قذفها التيار إليه
*****************************
– انا بصراحة واقع من زمان , من أول يوم شفتك فيه
إتسعت إبتسامتها وهى تسمع كلمات الغزل التى يغرقها بها , وقالت :
– ربنا يخليك ليا يا ياسر , مش عارفة حياتى من غيرك كان شكلها ازاى ؟
ليبتسم بدوره وهو يحتضن كفيها بيده وهو يقول بنبرة أجاد إصطناعها جيداً :
– انا اللى مش عارف من غيرك كنت عملت اية يا سحورة
فإتسعت إبتسامتها وهى تقول :
– على فكرة انا كلمت ماما امبارح وقلتلها ان انت هتيجى تتقدملى
– اه طبعا اكيد يا حبيبتى , اول ما اخلص العملية بتاعت الشركة عندكم هتقدملك على طول
لتبتسم بفرحة عارمة وهى ترسم أمامها أحلاماً وردية لا تعلم أنها سراب
********************************
لم تكن تشعر بشئ سوى السعادة فى حضن رجل أحبته , رجل كان بعيداً عنها , لم تتخيل أن تهنئ بكل هذا فى كَنَفُه
لم تكن تعلم أن الله كان يخبئ لها كل تلك السعادة , لتهنئ بطعم الحب الحلال
قضت أيام سعيدة ترتشف نفحات الحب المباركة برضا رب العباد

كانت تنظر إليه وهو نائم بجانبها بوجه باسم , وهى تحمد ربها على تلك السعادة التى تحياها معه
كادت أن تغادر الفراش لولا أنه شعر بها , فقال بصوت ناعس وهو يحاول أن يمنعها من المغادرة :
– رايحة فين ؟
إبتسمت لتعلقه بها , إقترب أكثر منها وحاول أن يقبلها , لولا أنها شعرت بتوعك فى معدتها جعلها تهرع إلى الحمام فى ظل ذهوله
هرع إليها قائلاً :
– فيه حاجة يا حبيبتى ؟
قالت وهى تمسك ببطنها :
– لا مفيش حاجة متقلقش , انا شكلى خدت برد فى معدتى
ساعدها فى توسد الفراش وهو يقول :
– طيب اجبلك الدكتورة
– لا مفيش داعى يا حسام خلى دادة تعملى حاجة دافية أشربها
– حاضر يا حبيبتى
****************************
– انتى كدة خلاص مهمتك انتهت
– يعنى خلاص مش محتاجة اروح لبوسى تانى ؟
قال وهو يهم بمغادرة المكان :
– ولا انا كمان محتاج اجى هنا تانى
قالت وهى تمسك ذراعه بلهفة :
– يعنى اية ؟ مش هشوفك تانى يا ياسر
إستدار وأخذ يربت على وجنتها , وهو يقول بسخرية :
– شيرى يا حبيبتى , متخليش عقلك يصورلك حاجة مش موجودة , انتى عارفة من الاول ومتأكدة ان علاقتنا مولودة عشان تموت , فياريت متحاوليش تمثلى عليا دور العاشقة الولهانة
قالت ودموعها تغرق وجهها :
– انا مبمثلش يا ياسر , والله انا بحبك
نزع ذراعه من يدها كأنه ينزع روحها من جسدها , وتركها كورقة كتب فيها ما لا يرضيه فمزقها وذهب يبحث عن غيرها ليسطر بها ما يريد
جلست تفترش الأرض تحاول أن تلملم ما مزقه بعنفوانه وأنانيته , ليسحقها بقدمه كما يسحق لفافة تبغه بعد أن أخذ ما يبغاه منها بلا مقابل
****************************
– مبروك يا حبيبتى , انتى اكيد حامل
نظرت لها بدهشة وقد هزتها الصدمة :
– اية ؟ حامل , انتى متأكدة يا دادة ؟
– ايوة طبعا يا حبيبتى
قالت ببعض التوتر :
– دادة ارجوكى متقوليش لحسام , خلينى اقوله انا
فقبلتها المربية وقالت بحنان :
– ماشى يا حبيبتى ربنا يهنيكو
لتحتضنها بوسى وهى تنظر أمامها فى وجوم
*****************************
حاولت أن تقف من على الأرض وهى تمسح دموعها المنهمرة وهى تنظر بتحدى لصورته التى تتوسط ببروازها الأنيق المنضدة وهى تقول :
– ماشى يا ياسر انا بقى هوريك شيرى اللى انت رمتها ممكن تعمل إية
ثم صرخت وهى تزيح ذلك البرواز الذى يحمل صورته ليقع على الأرض محطماً , ليحطم معه تلك القشرة الضعيفة التى تحيطها لتخرج إلى الحياة بوجهها المنتقم
*************************************
وقفت تنظر لنفسها بالمرأة والأفكار تكاد أن تطيح بها , هل هذه هى بوسى تلك القطة المدللة ؟ هل حقاً سوف تتبدل حياتها لتنقلب رأساً على عقب ؟
وقفت تنظر لجسدها ورشاقتها , وهى تتخيل ما سوف يحدث لذلك الجسد الرشيق بسبب ذلك الضيف الذى طرق على بابها فجأة دون سابق إنذار
أخرجها من تفكيرها ذراعيه اللاتى إحتضنتها ليحتويها هو بأنفاسه قائلاً :
– قمر يا حبيبتى
لتبتسم رغم ما بها من هواجس وهى تقول :
– ربنا يخليك ليا يا حبيبى
فجعلها تستدير لتصبح فى مواجهته , وهو يهمس بأذنها قائلاً :
– ويخليكى ليا ياعمرى
حاولت أن تهرب بعينيها من حصار نظراته خوفاً من أن يعرف ما بها , فقال بقلق :
– فيه حاجة ؟
أماءت برأسها نافية :
– لا يا حبيبى مفيش اى حاجة
فإبتسم وهو يلتمس خصلات شعرها قائلاً :
– ربنا يباركلى فيكى يا أغلى ما عندى
وإحتضنها بحب , لتشعر بغصة فى حلقها , فهى تعشقه لكنها تخشى تلك الحياة التى تقدم عليها وهى تجهلها
*************************************
كان قد كره الحياة بعد أن فشلت أخر محاولاته فى إرجاع من عشقها إلى حضنه مرة أخرى , فقد أخفق فى خطته فى أن يقع بينهما
فهو الأن لم يعد يشعر بطعم الحياة فقد خسرها وخسر نفسه معها , خسر إحترامه لنفسه
سمع رنين هاتفه نظر إليه بتململ , فرأى رقمها , هى تلك الأفعى التى دمرته وقلبت حياته رأساً على عقب
ضغط على زر الرد قائلاً بحدة :
– عايزة اية تانى ؟
– اسمعنى كويس انا كمان خسرت كل حاجة زيك
– انتى السبب فى اللى انا فيه
– مش مهم مين السبب , المهم نلحق اللى فاضل لنا لازم نرجع حقنا فيهم
– ناوية على اية ؟
– خايف من اية ؟ ما انت خسرت كل حاجة ومفيش حاجة تبقى عليها
نظر أمامه يتفكر فى حديثها , ثم قال :
– عندك حق , وانا معاكى يا شيرى

الفصل السادس عشر
*********************

بدأ الشيطان فى عمله الدءوب فى تلك النفوس الضعيفة التى يستطيع أن يسيطر عليها
كانت تفكر ليل نهار فى هذا المصير الذى تجهله , لم تجد حلاً إلا الخلاص
أخذت تفكر فى حل يخلصها من ذلك الزائر الذى سوف يقلب حياتها رأساً على عقب
هداها شيطانها إلى عدة أفكار للتخلص من ما يحمله رحمها
إستغلت فرصة عدم معرفة حسام بذلك الأمر , وقفت على فراشها وبدأت تقفز فى محاولة منها للتخلص من جنينها
قفزات بقلب مرأة تجهل معنى الأمومة , فقدت معنى الرحمة لتقسى على ما فى رحمها
نطفة ضعيفة تنبض بحياة توءدها هى بأنانية قبل أن تنعم بالحياة
دقات قلبها كانت تدق بدون أن تشعر بما ينبض داخلها فى ضعف وهى تقسى عليه بجمود
تصببت حبات العرق من جبينها لتنزل على عينها تمنحها غشاوة على بصرها مثل التى على قلبها , بدأت تشعر بذلك الدوار وهى تدور فى تلك الساقية من الفراش إلى الأرض ثم إلى الفراش مرة أخرى
لم تستطع التحمل أكثر من هذا فخانتها قدماها لتسقط مع أخر قفزة على الأرض , مع دخول المربية لتراها وهى تسقط على الأرض هرعت إليها وهى تصرخ بها :
– انتى بتعملى اية ؟ انتى اتجننتى ؟
لم تنبث بشفة فقد كانت تلاحق أنفاسها المجهدة , حاولت رفعها لتوسدها على الفراش لتجد قطرات الدم التى تلطخ قدمها , فتشهق وهى تقول :
– انتى عملتى اية ؟ طيب مخفتش على نفسك ؟
ليدخل حسام إلى الغرفة لتقع على مسامعه تلك الكلمات , فيصعق لرؤية بوسى على تلك الحالة , وكانت قد فقدت وعيها

حملها وتوجهوا بها إلى المشفى وهو لا يفهم ما يحدث لها
كان يخاف عليها كثيراً وهو لا يفهم ماذا حل بها ؟
كان يقف خارج غرفتها فى توتر عندما خرج الطبيب , فهرع إليه متسائلاً :
– خير يا دكتور ؟
– اطمن الحمد لله هى والجنين بخير , بس هو اية اللى حصل هى وقعت ولا اية ؟ لولا ستر ربنا كنتم فقدتم الجنين
نظر أمامه فى ذهول وهو يتمتم :
– الحمد لله
تركهم الطبيب فى حين نظر حسام إلى المربية متسائلاً :
– انتى كنتى عارفة انها حامل ؟
لتنظر له بارتباك دون أن ترد , فيستطرد بحدة :
– كنتو عارفين وخبيتوا عليا ؟
قالت بحروف حاولت أن تبدو ثابتة :
– يابنى دة الموضوع لسه قريب وهى كانت هتقولك
كان يعيد تلك الكلمات التى سمعها من المربية عند دخوله إلى الغرفة ( انتى عملتى اية ؟ طيب مخفتيش على نفسك )
ثم قال بوجه جامد :
– كانت عايزة تنزله
قالت بفزع :
– متظلمهاش ياحسام شكلها وقعت غصب عنها
غادر حسام المكان هرب من ذلك الهواء الملوث الذى يخنقه لأن ذراته تحمل رائحتها
كيف لها أن تفعل ذلك ؟ وكيف إستطاعت أن تكتم ما بداخل رحمها دون أن تخبره ؟ وكيف أخطأ قلبه فى حبها ؟
تلك الأسئلة التى كانت تراود عقله
شعر بثقلها داخل قلبه فقرر أن يطهره من تلك القاسية التى تقطنه
**********************************
كانت تنام فى هدوء مثل الملاك وكأنها لم تصنع شيئاً , جلست بجانبها المربية تنظر لها بأسى وهى تخشى عليها من ردة فعل حسام تجاها
شعرت بها تتحرك إتجهت إليها قائلة :
– بوسى انتى فوقتى ؟
لترد بصوت ضعيف وهى تحاول أن تفتح عينها بصعوبة :
– دادة , انا فين ؟ اية اللى حصل ؟
لتنظر لها المربية فى أسى ولكن لم تلبث إلا أن أحاطتها بذراعيها بحنان فهى إبنتها مهما أخطأت فهى جزء منها
بدأت تلتمس شعرها وهى تقول بوجه جامد :
– ليه عملتى كدة ؟
حاولت أن ترفع رأسها لتنظر لها وهى تقول بألم :
– مكنش ينفع اكون الست دى , دى مش شخصيتى , ولا دى انا
ليدخل حسام عند تلك الكلمات فيفزعهما بكلماته الصارمة :
– وانا ميشرفنيش انك تكونى مراتى
كانتا تحدقان فيه بدهشة , ظل ينظر بعينيها بجمود , ثم إستطرد قائلاً :
– من هنا ورايح انتى مجرد وعاء بيحمل ابنى , واياكى تحاولى او حتى تفكرى تعملى اى حاجة تانى
ظهرت إبتسامة سخرية على فمه وهو يتابع :
– ومتخافيش اول ما تولديه هاتكونى حرة , عشان تعيشى الحياة اللى انتى بتحبيها ومش قادرة تنسيها
وغادر الغرفة فى صمت بعد أن تركهم يتخبطوا بين حروف كلماته القاسية
نظرت بوسى إلى مربيتها التى قالت بأسى :
– كسبتى اية من اللى عملتيه دة يا بوسى ؟
لتجهش بوسى ببكاء مرير فتحتضنها المربية وهى تشعر بما يختلج صدرها من نار أحرقتها هى قبل من حولها
*****************************************
كان يجلس خارج غرفتها بالمشفى وهو يشعر بأن الدنيا صفعته صفعة أفقدته وعيه
صدمته فى أعز إنسان له ومن سكن فؤاده منذ الصغر , زلزلته
كان يضع رأسه بين يديه وهو يتجرع الألم وحيداً
إنتبه على صوت والدته التى جاءت مهرولة ويعلو وجهها ملامح الفزع وهى تقول :
– خير يا حبيبى حصلها اية ؟
ليربت على يديها وهو يقول مطمئناً إياها :
– متخافيش يا امى هى بقت كويسة
– هو اية اللى حصل ؟
قال بعيون زائغة :
– هى وقعت غصب عنها بس هى كويسة هى والجنين
قالت بسعادة :
– يا حبيبى ربنا يباركلكم , والحمد الله انها بخير
دلفت إلى الغرفة بصحبته وهو يحاول أن يتلاشى النظر إلي بوسى , أما هى فكانت معلقة ببصرها فيه بقلب محسور على ضياع حبيبه
قالت والدته بحنان :
– مبروك يا حبيبتى , وخلى بالك من نفسك بقى لحسن تقعى تانى
نظر إليها نظرة أرهبتها كان فحواها ألا تتحدث بشئ , فأماءت برأسها لوالدته دون أن تنبث بشفة
*********************************
– بس انت مقولتليش انت عايز العقود بتاعة الشغل ليه هنا ؟ مش انت مضتها خلاص مع الأستاذ حسام
ليحتضن يديها بكفه وهو يقول :
– بصراحة يا حبيبتى انا كنت عايز منها معلومات مهمة هتفيدنى فى شغلى , وبعدين مش انتى قلتى ان حسام مش بيسأل على عقود العمليات اللى تمت , يبقى متخافيش أكيد مش هيسألك عليها
لترد سحر وقد تاهت من لمسته التى لمست قلبها الأهوج قبل يديها :
– اه ياحبيبى خلاص خليها معاك
ليبتسم بإنتصار وهو يدس العقود داخل حقيبته وهو يرى سقوط غريمه الذى إقترب ميعاده
*********************************
رجعت إلى منزلها بعد أن تعافيت من ألام جسدها , لكن قلبها كان لا يزال يقطر دماً ويبكى بألم على ما فرط
قد كان ينعم بالحب والحنان , أما الأن فقد أصبح وحيداً لا يملأه إلا الندم
دثرتها المربية فى الفراش , ومسحت على شعرها قائلة بإبتسامة :
– نورتى بيتك يا حبيبتى
ردت عليها بإبتسامة باهتة :
– ربنا يخليكى يا دادة
كانت تشعر بما يعتملها من ألم , ولكنها لم تستطع فعل شئ يريح قلبها سوى الدعاء لله أن يصرف عنهم الغم ويلين قلب حسام لها
دلف إلى الغرفة بوجهه الجامد قائلاً بصرامة :
– لو سمحتى يا دادة سبينا لوحدنا
أماءت برأسها فى إيجاب وغادرت الغرفة فى صمت
وجه بصره لمن كانت تتوسد الفراش بقلب ينتفض طلباً له وهرباً من بطشه , وبعينان تنظرا له بترقب
قال وهو لا يحيد نظره عنها :
– مش عايز ماما تعرف اى حاجة خلال الفترة اللى هتعدها معانا , مفهوم ؟
إبتلعت غصتها وهى تحاول أن تفتح فمها لكى تتحدث ولكن نظراته الجامدة أرهبتها وألجمت لسانها فلم تستطع أن تبث بشفة
كل ما إستطاعت فعله هو إماءة خفيفة برأسها
كاد أن يغادر فجأة كما دلف فجأة , لكن صوتها إنتصر على ضعفها وخرج :
– حسام
إستدار لها بنفس الجمود وقال :
– اه نسيت اقولك ان الكلام اللى قلتهولك فى المستشفى دة قرارى النهائى ومش هرجع فيه وياريت متحاوليش تمثلى عليا البراءة , انا استحالة هأمن لواحدة كانت عايزة تقتل ابنى
وتركها تتجرع مزيداً من الألم والندم على ما إقترفته
*************************************
– سلمتك يابوسى
ردت وهى متوسدة الفراش كما أمرها الطبيب :
– الله يسلمك يا شيرى
– طيب كفاية عياط بقى يا بنتى
لترد من بين دموعها :
– مش قادرة يا شيرى حاسة انه خلاص ضاع منى ومش هيرجعلى تانى
لتربت على كتفها بحنان مصطنع , وهى تقول :
– متخافيش هو بس هيزعل شوية وبعدين هينسى
****************************************
غمست لفافة التبغ فى المرمدة أمامها بكل غل كأنها تطحنها وتطحن معها كل ما يضايقها بهذه الدنيا وهى تنظر أمامها فى وجوم
باغتها من كان يجلس بجانبها متسائلاً :
– ناوية على اية بالظبط ياشيرى ؟
نظرت له وهى تقول :
– دى فرصتنا اللى هنقدر نقطع الحبل الخفيف اللى فاضل ما بينهم قبل ما يحنلها تانى , لازم نلحق نستغل الفرصة دى
– طيب فهمينى هتعملى اية ؟
قالت وهى تشعل لفافة تبغ أخرى لتحرقها بنار جوفها قبل نار القداحة :
– بكرة لما ارجع من عندها ها قولك هنعمل اية ؟
***********************************
كانت لا تشعر بطعم الحياة بدونه , فقد تعودت أن تحيا بوجوده بجانبها
هى الأن وحيدة لا تفهم حاضرها , وتخشى مستقبلها , وتتألم ندماً على ماضيها
لم تجف تلك النهور التى حُفرت على وجنتيها , لم يسكن قلبها عن الأنين
كانت المربية دائماً موجودة بجانبها , ترعاها وتتحسر على رؤيتها هكذا , بدت ذابلة , مكسورة , محسورة
أما هو فغاب عن عالمها , إكتفى فقط بسؤال المربية عنها وعن حالتها دون أن يحاول رؤيتها
كان يمقت رؤيتها , رؤية تلك التى تشعره بأنه كان أبله حينما سلمها قلبه ومن بعدها إسمه
كان يغمس نفسه فى العمل كعادته هرباً من ما يؤلمه
رجع إلى المنزل مثل كل يوم , توجه إلى غرفته ولكن قبل أن يدلف إليها سمع صوتها تنتحب داخل غرفتها
وقف للحظة أمام باب غرفتها , تتصارع داخله المشاعر يمقت شعوره بالأسى لها والشفقة عليها , غادر من أمام باب الغرفة ودخل إلى غرفته حتى يهرب من هذا الشعور الذى يؤلمه
**********************************
– انا مخنوقة اوى ومبقيتش قادرة
ليرد تامر بحنان :
– معلش يا بوسى خلاص هانت يا حبيبتى
لتقول من بين دموعها :
– تعبت أوى أوى
– وانا كمان تعبت ومش قادر على بعدك
– واحشنى اوى
– وانتى كمان وحشانى اوى بتمنى اليوم اللى نكون فى مع بعض
– يارب

ضغطت على زر إيقاف التشغيل وهى تنظر للجالس أمامها بسعادة وهى تقول :
– دة انت طلعت ابن جنية بصحيح , دى أكنها كانت بتكلمك انت بصحيح , مش بتكلمنى انا
أخذ منها هاتفه بعد أن إستمعت لما فيه وهو يقول :
– بس يارب المرة دى تنجح مش زى المرة اللى فاتت
– لا المرة دى غير , هو دلوقتى عنده استعداد يصدق اى حاجة عليها بعد ما كانت عايزة تنزل ابنه من ساعتها وهو مش طايقها
– تمام يا شيرى , وانا مستنى نتيجة اللى هتعمليه
قالت وهى تربت على كتفه :
– متخافش انا متأكدة انه هيطلقها بعد ما يسمع الكلام دة على طول

الفصل السابع عشر
*********************

إستنشق عبير الصباح وهو ينظر إلى أزهار الحديقة وهو يقف بشرفة غرفته , وقع بصره على تلك البقعة التى كانت تقف بها فراشته تسقى أزهارها
ولكن ملامح وجهه تبدلت فجأة عندما تذكر ما فعلته
وبدأ يسأل نفسه , لما يحن قلبه لتلك القاسية ؟ أهو ضعف أم شفقة ؟ أم هو حبها الذى يسكن بقلبه ؟
نفض تلك الأفكار عن رأسه ودلف إلى الداخل فى محاولة منه ألا يرى أى شئ يذكره بها
نزل الدرج متوجهاً إلى أسفل ليراها تجلس مع المربية بوجه هائم حزين
لم ينظر إليها وكأنها لم تكن موجودة وجه حديثه إلى المربية :
– اعمليلى فنجان قهوة يا دادة وهاتهولى على المكتب
كلمات قليلة روت عطشها لسماع صوته , وإستنشاق عطره
ولكنه تركها وغادر دون حتى أن يوجه لها بصره
بدت كمن إعتادت منه تلك المعاملة رغم إعتصار قلبها ألماً , شعرت بها المربية فربتت على كتفها فبدالتها بوسى نظرة مع شبح إبتسامة ظهرت على ثغرها تطمئنها بها على حالها
كادت عبراتها أن تخونها فإستئذنت منها وصعدت إلى غرفتها تحمل ما تكتمه بداخلها
صحبتها تلك النظرات الحنونة من مربيتها مع قلب عطوف يدعو لها
كادت أن تدلف إلى غرفتها لكنها إستدارت لتقف أمام باب غرفته , بدأت تتحسس مقبض الباب وهى تستشعر لمسته لهذا المقبض
أغمضت عينيها وهى تحاول أن تستشعر وجوده بجانبها
غادرت دموعها الحبيسة عيناها , فتحت باب الغرفة ودلفت بهدوء بعد أن أغلقته خلفها
بدأت عيناها تجول داخل محتويتها , كانت تستنشق رائحته التى تملأ المكان
جلست على فراشه وبدأت تتحسسه وتلتمس موضع سكونه به , أمسكت بقميصه الذى نزعه عنه قبل أن يغادر , إحتضنته بشوق وهى تتنفس عبيره , أغمضت عيناها والدموع تغرق وجهها
كان قلبها يخفق شوقاً له , كانت دقاته تصرخ فى أذنها بإسمه لدرجة أنها لم تسمع صوت فتح الباب
فتحت عينها لتراه يقف أمامها وهو ينظر لها فى صمت , حاولت أن تمسح دموعها عبثاً لإنها لم تستطع التحكم فى هطولها
إرتعشت يدها وهى تعيد قميصه إلى الفراش مرة أخرى , وجاهدت حتى تحملها قدماها لتقف , كانت تنظر له بعيون غلبها الشوق , كانت تترجاه فى صمت أن يسامحها ويغفر ذلتها , لكن نظرته لها كانت قاسية تنم عن رفضه لها
إبتلعت غصتها فى محاولة لتحمل سهام نظرته المصوبة تجاها , تاهت فى مقلتيه الجامدتين , كان قلبها ينتفض داخل قفصها الصدرى , وتحجرت الكلمات فى حلقها
فقال هو بصرامة :
– بتعملى اية هنا ؟
إهتزت خلايا جسدها إثر نبرته , وظلت كما هى محدقه به إلى أن إستطاعت أن تخرج الحروف من بين شفتيها :
– أسفة
ورحلت بخطى ثقيلة وبقلب ينبض بحب من أضاعته بجهلها
أما هو فوقف يتفقد أثرها بشعور سئ لم يفهمه , توجه إلى خزانته وأخذ منها بعض من أغراضه وغادر المنزل
**********************************
صوت أسنانه وهى تقضم ثمرة التفاح بيده هو السائد فى المكان , مد يده ليضع تلك الثمرة جانباً ليترك نفسه يغوص برأسه فى حوض الإستحمام الذى كان ينام فيه
كان يراها أمامه حتى وهو مغمض العينين , ها هى خطته تسير على نحو جيد , وإقترب على وضع كلمة النهاية كما رسم لها
إبتسم وهو يراها فى أحضانه بعد أن تصبح له وحده بلا منازع
إنتبه على صوت رنين هاتفه فرفع رأسه لينظر به , فأغلقه وهو يزفر قائلاً:
– انسى بقى يا سحورة
***********************************
الطبيبة :
– كدة مش كويس خالص على صحتك وعشان خاطر البيبى كمان
رتبت المربية على كتف بوسى المتوسدة على الفراش وهى تقول :
– معلش يا دكتورة هى بس حالتها النفسية تعبانة شوية
لترد الطبيبة بشكل روتينى :
– لا مش هينفع كدة , البيبى بيتأثر بالزعل , حاولوا تخرجوها من الجو اللى هى فيه دة
أماءت المربية بأسى دون أن تتحدث , وهى تحتضن بوسى بحنان
***********************************
عاد إلى المنزل ليلاً كعادته ليجد المربية فى إنتظاره , فقال :
– ازيك يادادة
– الحمد لله يابنى
– الدكتورة جت لبوسى ؟
ردت ببعض الحزن :
– ايوة
ليقول ببعض القلق :
– خير الدكتورة قالت فى حاجة ؟
قالت ببعض الحرج :
– هى بصراحة قالت ان الزعل مأثر على بوسى , وقالت المفروض نبعدها عن أى حاجة تزعلها
نظر لها بتمعن , وهو يقول :
– وهى عرفت منين انها زعلانة ؟
– ماهو باين على وشها وعلى عنيها اللى ورمت من كتر العياط يا حبة عينى
زفر وهو يمسح على رأسه , ثم قال :
– ربنا يصلح الاحوال يا دادة
وصعد إلى غرفته وهو فى غاية الحزن , أغلق إضاءة الغرفة وجلس فى الظلام , فهو لا يعلم كيف يحل تلك المشكلة ؟
كان يخشى عليها رغم ما حدث , ولكن قلبه لم يكن يقوى على الغفران لازال يقطر دماً
خرج من غرفته متوجه إلى غرفتها أنصت خارجها فسمع صوت نحيبها ككل ليلة , فتح باب الغرفة دون إستئذان إنتفضت عندما رأته يقف أمامها بعد أن أغلق باب الغرفة
كانت تحدق به من بين دموعها , فقال بوجه جامد :
– كفاية عياط
مسحت دموعها بظهر يدها وهى تنظر له ببراءة طفلة يعاقبها والدها , هكذا شعر تجاها , كاد أن يحتويها ويضمها إلى صدره
لكن كان هناك ما يخنقه ويحول بينه وبينها
كانت تنظر له بضعف إمرأة فقدت أغلى ما عندها , وأفاقت بعد أن ضلت الطريق
قال بنفس جموده :
– مش عايز اشوفك بتعيطى تانى
قالت وهى تشعر بمدى إحتقاره لها , وعدم إكتراثه لما هى فيه :
– حاضر يا حسام مش هعيط تانى
زادت شهقاتها الباكية وهى تتابع :
– اقولك انا هدوس على الزورار وهبطل عياط فوراً
لم تستطع السيطرة على نفسها فدخلت فى نوبة من البكاء إرتعش لها جسدها
أما هو فظل جامداً ينظر لها , ثم توجه إليها وأمسكها بيديه من ذراعيها , فزعت ورفعت رأسها لتصطدم بنظراته الحادة وهو يقول بنبرة جامدة تفتقر للشعور بحالها :
– قلتلك كفاية عياط , انا مش مستعد أضيع ابنى منى عشان خاطر سيادتك مش قادرة تتحكمى فى نفسك
نظرت له بأعين غير مصدقة لتلك القسوة الذى أصبح عليها , كانت ترتجف بين يديه وهو مصوب عينيه على عينيها
قالت بصوت حزين :
– حاضر يا حسام هبطل عياط عشان احافظ على ابنك
صمت قليلاً وهو لا يزال على حاله , ثم ترك ذراعيها وغادر الغرفة وهو يشعر بتصارع المشاعر داخله , دلف إلى الحمام ووضع رأسه تحت الصنبور ليطفئ تلك النار التى إشتعلت بها , أغلق الصنبور ونظر لنفسه بالمرأة وقطرات الماء تنساب على وجهه , وهو يتذكر شكلها وهى تبكى أمامه بحرقة , هو يشعر نحوها بمشاعر متناقضة , عطف وقسوة , شوق ونفور , حب و ……
أخرجه من صراعه مع نفسه صوت رنين هاتفه , أخرجه من جيبه ورد بلهفة :
– ازيك يا امى ؟
ليأتى الصوت من الطرف الأخر :
– الحمد لله ياحبيبى , عامل اية ؟
– كويس
– حاسة صوتك مضايق , بوسى جرالها حاجة ؟
– الحمد لله احنا بخير وبوسى بقيت كويسة والدكتورة سمحتلها تقوم من السرير خلاص
– بس انا حاسة ان انت فيك حاجة
– متقلقيش يا امى انا بخير
– طيب ادينى بوسى اسلم عليها
قال ببعض التوتر :
– هى نايمة
– طيب يا حبيبى ابقى سلملى عليها , وخلى بالك منها يا حسام وحطها فى عنيك
قال بألم :
– حاضر
أغلق الهاتف وهو يشعر بالثقل الذى زاد فوق رأسه
*************************************
إستيقظت صباحاً على غير عادتها , تأنقت وإرتدت ملابسها الفاتنة الجذابة ويعلو وجهها ملامح الإنتصار , فاليوم سوف ترى سقوط غريمتها , حتى تفيق لإنتقامها من ياسر الذى سحقها بلا رحمة
فهى تشعر بالسعادة التى سوف تحققها بإنتقامها منهم
ركبت سيارتها وفى حوزتها ذلك التسجيل الذى دبرته هى وتامر لبوسى , متجهة إلى حسام فى العمل , نظرت إلى نفسها فى مرأة السيارة وهى تعدل خصلات شعرها الثائرة , نظرت للطريق أمامها وهى تنطلق بسيارتها مسرعة
كانت تستمع لأنغام الموسيقى بإستمتاع وهى تدندن معها عندما لمحت تلك الإشارات الضوئية التى تصدر عن السيارتان اللتان يسيران خلفها , نظرت لهما بتأفف وهى تشعر بإشمئزاز من ركابها وهى تقول :
– اوف هو انا مش هخلص بقى من حركات المعاكسة البيئة دى
لتتقدم السيارتان لتصبحا تحوطان سيارتها , ليخرج من النوافذ رؤس الشباب الذين يركبوها , ويبدأوا فى إلقاء بعض الكلمات المعبرة عن جمالها , مع إلقاء بعض الألفاظ البذيئة التى جعلتها تنظر لهم شذراً وبدأت تحاول الفرار منهم دون جدوى لأنهم لم يعطوها الفرصة لذلك , بدأوا فى تضييق الخناق عليها حتى جعلوا سيارتها تخرج من الطريق لتنحرف داخل الصحراء
كانت تشعر بالفزع وهى لا تعرف كيف لها أن تتصرف فى ذلك الموقف , حاولت جاهدة أن تخرج من هذا الفخ الذى نصبوه لها ولكن كثرتهم غلبت ضعفها , كانت تصيح بهم أن يكفوا ويتركوها لحالها , ولكنهم قابلوا صرخاتها المترجية بالضحك والمزاحات والإستزادة فى تضيق الخناق عليها , حتى جعلوها تتوقف بالسيارة فى وسط الصحراء
ترجلوا جميعاً من السيارتان , كانت تنتفض فزعاً وهى تحدق بهم وهم يقتربوا منها , لم يستطع عقلها إحصاء عددهم
كانت على وجوههم إبتسامات خبيثة ماكرة وهم يهموا بفتح باب السيارة ونزعها منها , رغم تشبثها بالمقعد لم تستطع المقاومة كانت تنتحب وهى تترجاهم أن يتركوها ولكن ذلك جعلهم يستزيدوا فى ما يفعلوا
أركبوها داخل إحدى السيارات رغماً عنها وما إن دخلت حتى بخ أحدهم سائل على وجهها جعلها تفقد وعيها بعد إستنشاقه
وأسرعوا بسياراتهم ليتوجهوا بها إلى حافة الهاوية

الفصل الثامن عشر
*******************

برودة تسرى بجسدها , تتخلل جميع أعضاءها , لا تشعر بأطرافها , أشواك تسكن تحتحها وهى راقدة على الأرض , ضوء الشمس يسطع بعينها وحرارتها تلهب وجهها
ألام بأماكن متفرقة بجسدها , رأسها ثقيلة مثل الحجر , حاولت أن تفتح عينها بصعوبة لتصطدم عيناها بزُرقة السماء , رغم ما بها من الألم جاهدت حتى تنهض بجسدها المسجى على الأرض لتصعق عندما ترى نفسها ملقاه بالصحراء شبة عارية
وحيدة , جريحة , منهكة , حاولت عبثاً أن تلملم ثيابها الممزقة , وبدأت تسير بخطوات مترنحة إلى الطريق القريب , فهى تسمع أصوات سيارات تنم عن قربها من الطريق , خطوات كانت بالغة فى الصعوبة من كثرة ما بها من الألم
لاهثة وصلت إلى الطريق , لم تعد قدماها الملطخة بالدماء قادرة على حملها , جلست مفترشة جانباً من الطريق وهى ترى أمامها بصعوبة
كانت السيارات تأكل الطريق مسرعة , ولا أحد من راكبيها يكاد أن يراها , إلى أن الله أرسله لها
كان يتحدث إلى هاتفه لذلك إتخذ جانباً من الطريق كى يسير على مهل , كان يصرخ بمحدثه قائلاً :
– ازاى يعنى مش فاضى , بقولك انزل شوف أمك عيانة ونفسيتها تعبانة ونفسها تشوفك
ليرد الطرف الأخر متأففاً :
– اوكى تمام يا بابا هحاول ارتب الدنيا عندى وانزل
ولكن والده لم يسمع كلماته لأنه رأها وهى جالسة فى الأرض ممزقة الملابس ووجهها وجسدها ملئ بالكدمات
ركن سيارته جانباً بعد أن ألقى بهاتفه أمامه , وترجل من السيارة مسرعاً إليها
هاله رؤيتها بهذه الحالة , وكان يبدو على وجهه علامات الدهشة والذعر لأنه قد إستنتج ما حدث لها
جعلها تستند على كتفه وسار بها تجاه سيارته , وأجلسها بها , وإستدار ليقبع خلف المقود بجانبها
كانت مستسلمة تماماً له , وإستجابت لذلك الدوار الذى تملك رأسها , وأسبلت جفنيها وهى لا تشعر بما يحدث حولها

إنتبهت على ذلك الصوت الذكورى :
– حمد الله على السلامة يا بنتى
فتحت عينيها لتراه أمامها , رجل يبدو عليه الكبر ويظهر على وجهه الطيبة , إرتسمت على ثغره إبتسامة ودودة وهو يستطرد :
– الحمد لله انك قومتى بالسلامة
نظرت حولها فى ذهول وعيناها تتجول بين محتويات الغرفة , لتدرك أنها بمشفى
إستدارت تنظر له حينما رتب على كتفها بيده , وهو يقول بحنان أبوى لم تختبره من قبل :
– متخافيش يابنتى
ظهر شبح إبتسامة على ثغرها مع دمعة هاربة من قيود عينها , وهى تقول بصوت منهك :
– الحمد لله
كلمتان كان مذاقهما مميز فى حلقها , رغم ما حدث بها , وما مرت به كانت تستشعر قيمة الأمان الذى أصبحت تنعم به الأن , بعد تلك اللحظات المميتة التى مرت بها
دلف الطبيب إلى الغرفة , وهو يقول بوجه يظهر عليه الأسى :
– حمد الله على السلامة
أماءت برأسها فى صمت , تابع وهو يفحصها :
– حاسة بأى ألم
قالت بنبرة ضعيفة :
– بطنى بتوجعنى اوى
– دة طبيعى , انتى كان عندك نزيف حاد , واضطرينا نستقصل الرحم , ودة هيخليكى تحسى بالألم شوية
صدمت لسماعها هذا الخبر , إبتلعت غصتها فى صمت وقد إغرورقت عيناها بالعبرات
فتابع الطبيب :
– ياريت تحاولى تبلغى حد من أهلك عشان يجى لأنى بلغت البوليس عن حالتك , واضح انها حالة إغتصاب , ولازم البوليس يحقق فى الموضوع
لم تحتمل ما ينطقه من كلمات ذكرتها بما حدث لها , فزرفت عيناها العبرات لتشق طريقها على وجنتيها فى صمت
غادر الطبيب الغرفة فى حين إنحنى ذلك الرجل الودود عليها وهو يقول :
– هونى على نفسك يا بنتى , وان شاء الله ربنا مش هيسيب حقك
أخرج هاتفه من جيب سرواله وهو يقول :
– قوليلى رقم اى حد من أهلك اقدر اكلمه عشان يجيلك
هزتها كلماته فهى لا تعلم أحداً من الممكن أن يأتيها ليطمئن عليها , فأين والديها ؟
صمتت لبعض الوقت ثم لقنته بعض الأرقام , فرفع هاتفه إلى أذنه بعد أن سجل بها تلك الأرقام
أنزل الهاتف وقال بخيبة ألم :
– مفيش حد بيرد
جاءت بعض الأفكار فى بالها , فها هو تامر لا يرد على هاتفه وهى لا تعرف أحداً غيره من الممكن أن يأتى لها
***********************************
كانت تسترجع فى عقلها كلماته التى قذفها فى وجهها , وهى تشعر بالألم , لم تكن تتوقع منه تلك المعاملة القاسية , لازالت ترى نظراته الحادة التى جرحتها بلا رحمة , نزلت الدموع من عينيها دون أن تدرك
تذكرت ذلك القلب الذى يدق فى جوفها بجانب قلبها , يشعر بما تشعر به , يفرح لفرحها , ويحزن لحزنها
مسحت بكفها دموعها وهى تتذكر أنه الأن حزين لأجلها , وضعت يدها على بطنها كأنها تطمئنه على حالها , وتبث له الحب
وعلى وجهها إبتسامة رضا لوجود من يشعر بها , فى ظل بُعد من حولها عنها , فلا يشعر بها غيره ومربيتها
رنين الهاتف جلعها تنظر بجانبها لترى رقم غير مسجل بهاتفها , وضعته على أذنها بعد أن ضغطت على زر الرد , قائلة :
– الو
ليرد عليها صوت تعرفه جيداً :
– ايوة يا بوسى , الحقينى انا فى المستشفى
لتقول بلهفة :
– اية اللى حصلك يا شيرى ؟
زادت شهقاتها وهى تقول :
– انا فى ناس خطفونى واغتصبونى
إنتفضت من على الفراش وهى تقول :
– اية ؟ طيب قوليلى انتى فى مستشفى اية بالظبط ؟

نزلت على الدرج بعد أن علمت عنوان المشفى , إتجهت إلى غرفة المكتب حيث يقبع فيها حسام كعادته , ترددت قليلاً قبل أن تطرق على الباب , ليرد هو بطريقة روتينية :
– ادخل
دخلت بقلب ينتفض من مواجهته , يخفق لرؤيته , ولكن ما أتت إليه غلب على كل ما بها
رفع وجهه لينظر لها فى صمت , قالت وهى تحاول أن تبدو ثابتة :
– شيرى صاحبتى اتصلت بيا وقالت انها فى المستشفى
قال بدهشة وهو يقوم من مقعده :
– خير ؟ اية اللى حصل ؟
ردت وقد خانتها دموعها :
– مش عارفة , بتقول فى ناس خطفوها و …و ….و…..
لم تسعفها الكلمات كى تنطق بما حدث , أطلقت العنان لعبراتها تعبر عما بداخلها
توجه إليها بوجه يظهر عليه ملامح الفزع , ثم قال بصوت إنتصر فيه الحنان قائلاً :
– طيب خلاص اهدى , روحى غيرى هدومك ويلا نروحلها
نظرت له من بين دموعها بعيون ممتنة , وهى تقول :
– شكراً
********************************
وحيدة كعادتها , فى فرحها وحيدة , فى حزنها وحيدة
تتجرع الألام وحدها , دون أن يشعر بها والديها , ما حدث جعلها تعلم أنها لا تسوى أى شئ , فهى كورقة ضعيفة ولكنها لم تكن بيضاء قفد لطخها سواد قلبها بما يحمل من حقد وكرهية , وقد أصبحت تلك الورقة مهترئة الأن , ولكن ما مزقها هو ذلك السواد الذى لطخها , مزقها هى قبل أن يمزق من حولها
ترقرقت الدموع من عينيها لترسم طريق أحزانها على وجنتيها
دلفت تلك المرأة السمينة برداءها الأبيض ووجهها البشوش وهى تقول :
– عاملة اية دلوقتى يا حبيبتى ؟
أماءت برأسها إمامة بسيطة دون أن تتحدث , رتبت الممرضة على كتفها بعد أن أوصلت بيدها ذلك الخرطوم الدقيق الذى يمدها بالغذاء مع الدواء ليتسلل قطرة بقطرة إلى دمها , وغادرت الغرفة وهى تدعو لها أن يلهمها الله الصبر على ما حل بها
وما إن غادرت الممرضة حتى دلفت بوسى بلهفة ومن وراءها حسام , ليهيلهم شكلها وهى بوجه متورم من كثرة الكدمات
هرعت إليها بوسى محتضنة إياها وهى تبكى
فقالت شيرى من بين عبراتها المنهمرة :
– سامحينى يا بوسى
فضمتها بوسى أكثر إليها ودموعها لاتزال مستمرة فى الهطول
غادر حسام الغرفة وتركهما لحالهما
*********************************
أخرج ياسر من جيبه رزمة من ساحرة النفوس الضعيفة ومد يده بها للجالس بجانبه فى سيارته وهو يقول :
– دة نص حسابك , النص التانى هسلمه لمراتك لما يتم المراد
أخذ ذلك الرجل منه النقود وهو ينظر لها بسعادة كأنها سلبت عقله , وقبلها ثم رفعها إلى جبينه ليدثها بعدها بجيب سرواله , وهو يقول بحماس زاد للضعف بعد إمتلاء جيبه :
– تمام يا ياسر باشا
فيصرفه ياسر بإشارة من يده وهو يقول :
– روح انت دلوقتى
فيحيه ذلك الرجل بإشارة من يده على رأسه وبوجه ممتن وهو يترجل من السيارة , فينطلق بها ياسر وهو يشعر بالسعادة
***********************************
كان يجلس بهذا الكرسى الموجود خارج تلك الغرفة المغلقة , حينما خرجت منها بوسى فزعة ووجهها مغطى بالدموع وهى تصيح به :
– الحقنى يا حسام مش عارفة مالها , انهارت وبدأت تصرخ , مش عارفة اعملها اية ؟
قال وهو يهرول فى إتجاه غرفة الطبيب :
– طيب خليكى معاها وانا هنادى الدكتور بسرعة
حضر الطبيب على عجل ومعه بعض الممرضات وأخرجوا بوسى خارجاً وبدأوا فى محاولتهم لجعلها تخضع لهم حتى يتمكنوا من إعطاءها مهدئ
كانت تراهم من وراء الباب المفتوح قليلاً وجسدها ينتفض وهى تنتحب حينما أحاطها حسام بذراعه وضمها إلى صدره وهو يقول بحب :
– اهدى عشان خاطرى , خلاص كفاية
قالت من بين دموعها :
– ليه عملوا فيها كدة ؟ دى معملتلهمش اى حاجة , ليه عملوا كدة ؟ ليه فى ناس بتكره بعض كدة ؟
رق قلبه لها وخر ساجداً أمام ضعفها , رفع وجهها بأنامله ومسح بكفه تلك العبرات المنهمرة على وجنتيها , وقال وهو ينظر بعينها المسلطة عليه :
– كفاية كدة , ويلا عشان نروح
أماءت برأسها فى إيجاب وهى لازالت تنظر بعينيه , وخرجوا من المشفى وهو لا يزال يحيطها بذراعه كأنه يحميها من الناس جميعاً , يحميها حتى من بطشه
***********************************
فقر وإحتياج , أفواه كثيرة بحاجة للطعام والشراب , حضن إمرأة عانت وصبرت , تحملت وساندت
كانت صورهم تتقازف فى مخيلته وهو يتجول بين الحانات ليبتاع لهم ما يشتهوه , فهم فلذات أكباده , قطعه منه
لقد تحمل كثيراً رؤيتهم جوعى , محتاجين
فقرر أن يضحى بنفسه من أجلهم , ومن أجل تلك السيدة الحنون زوجته ووالدتهم
سبعة من الأبناء فى عمر الزهور يعيشون فى بئر من الحرمان
سوف يأمن لهم مستقبلهم بتلك النقود التى سوف تغنيهم حتى عن وجوده لعدة سنوات
لم يحدث أحداً بالأمر ولا حتى نفسه , لقد تردد كثيراً عندما عُرض عليه ذلك الأمر , ولكنه حسم أمره حينما رأى أصغر أبناءه سهيلة تعبث مع القطط فى قمامة الجيران بحثاً عن ما يسد جوعها
نزلت دمعته وهو يحتضنها ألماً , شعور بالعجز أصبح ملازماً له
لم يفكر مرة أخرى فقط هاتف ذلك الغريب الذى طلب منه أن يقوم بهذا الفعل الغير قانونى فى مقابل حفنة من النقود تنعش حياة أبناءه وزوجته , وفى المقابل سنوات قليلة فى السجن سوف يخرج بعدها إلى حضن عائلته

وذلك البرئ الذى سوف يأخذه طوفان ما سوف يفعله إلى نهاية مستقبله , ما ذنبه ؟
هكذا حدثه ضميره المستيقظ , ولكنه أسكته سريعاً وهو يقول فى نفسه : وما ذنبى أنا وأبناءى أن نعيش حياة الأموات لا أحد يسأل عنا , أعمل ليل نهار لأحصل بعض الجنيهات التى لا تكفى إطعام أهل بيتى بعض القيمات

عاد إلى منزله فرحاً وهو محمل بما لذ وطاب , إستقبله أبناءه بسعادة عارمة مع بعض القبلات التى يخفق لها قلبه
أعطاهم كل ما بيده ووضع رزمة نقدية فى حجر زوجته , ليبتسم لها قلبها قبل وجهها وهى تقول :
– اية دة كله يا متولى ؟
ليرد بأعين زائغة :
– ادونى مكافئة فى الشغل
فتنفرج أسارير تلك الزوجة الطيبة وهى تدث النقود تحت وسادتها , ثم تقول وهى تهم بالمغادرة :
– انا هقوم اعملك لقمة تاكلها
فيهز رأسه بإيجاب دون أن يتحدث , ويظل ينظر إلى أبناءه وهم ينعمون بذلك الطعام الشهى الذى أحضره لهم لتوه , وتعلو وجهه إبتسامة لم تلبث إلا أن هربت سريعاً وهو يتذكر الليالى التى سوف يقضيها بين جدران السجن بعيداً عنهم

الفصل التاسع عشر
***********************

رغم ما بها من ألام وما تشعر به من أسى , كان قلبها يخفق لقربه
كانت تنظر له من الحين للأخر وهى تجلس جانبه وهو يقود السيارة عائداً بها إلى المنزل , كان يخالجه الكثير من المشاعر المتضاربة ولكن ما كان يغلب عليه هو الحنين إلى إحتوائها مرة أخرى
وصلا إلى المنزل وقفا أمام الدرج يتلقيان نظرات الشوق المتبادلة , حين قطعها هو قائلاً :
– اطلعى نامى دلوقتى , وحاولى متفكريش فى حاجة
وفر هارباً من شوقه إليها الذى يظهر جلياً بعينيه متوجه إلى غرفة مكتبه
فى حين صعدت هى الدرج بوجه واجم , إستدارت تنظر له وهو يرحل إلى أن إختفى عن نظرها
دلفت إلى غرفتها وهى غارقة فى همومها , إستعانت بحمامٍ دافئ حتى تزيح عنها تلك الهموم , وخلدت فى فراشها وصورة شيرى وهى فى المشفى لم تفارق ذاكرتها
***********************************
– خلى بالك يا متولى انت لا شفتنى ولا تعرفنى , مفهوم ؟
قال تلك الكلمات عبر هاتفه بعد أن نفث دخان لفافة تبغه فى الهواء , رد الطرف الأخر :
– تمام يا ياسر باشا
– تمام يا متولى ومتخافش على ولادك والجماعة انا هبعتلهم واحد ببقيت حسابك , وهخليه يعدى عليهم كل فترة يشوف طلباتهم
– الف شكر يا ياسر باشا
أغلق الهاتف وهو منتشياً , ويشعر بإنتصاره الذى حصل عليه بعد أن صبر طويلاً
**************************************
ضحك بسخرية , وهو يقول :
– لا حول ولا قوة إلا بالله
ضيقت عينيها وهى تقول بإستغراب :
– بتضحك ليه ؟
فقال وهو ينظر لها :
– تعرفى يا شيرى يا بنتى , ان أنا ومراتى بنتمنى اليوم اللى يرجع فيه ابننا , دة أنا خايف لحسن أمه تموت بحسرتها على فراقه
– بعد الشر عليها ياعمو , يارب يرجعلكم بالسلامة
ربت على كتفها بحنان , وهو يقول :
– ويارب كمان والدك ووالدتك يرجعوا بالسلامة
قالت والدموع تتوق للخروج من عينها :
– ما أظنش ياعمو
– ربنا كبير يا بنتى , وبعدين مش انتى وعدتينى تعتبرينى زى والدك , والحاجة دى نفسها تشوفك اوى من ساعة ما كلمتها عنك , بس لولا رجليها تعباها كانت جاتلك
– ربنا يشفيها
– امين , ويتم شفاكى على خير عشان تيجى انتى تزوريها بنفسك
إبتسمت له بحب لم تشعر به من قبل تجاه هذا الرجل الغريب الذى أنعش بداخلها أحاسيس قد كانت فقدتها بفقدان والديها
طرق باب الغرفة , ثم دخل بعدها حسام ليلقى عليهم التحية , سألته شيرى بعيناها قبل لسانها :
– فين بوسى ؟ هى تعبانة ؟
ليرد ببعض الحرج :
– هى تعبت شوية , بس كانت عايزة تطمن عليكى , وانا قلتلها انى هاجى اطمن عليكى بنفسى , انتى عاملة اية دلوقتى ؟
لترد ببعض الحزن :
– الحمد لله
ليقف ذلك الرجل المسن بعد أن صافحه حسام , وهو يقول :
– طيب انا همشى بقى يا شيرى , وبكرة الصبح ان شاء الله هتلاقينى عندك
لترد وقد عادت الإبتسامة لترتسم على وجهها :
– ماشى يا عمو صلاح هستناك , وابقى سلملى على طنط نهلة كتير
فودعها بإشارة من يده وهما يتبادلان الإبتسام , وترك الغرفة
قالت شيرى بإمتنان :
– انا متشكرة اوى يا حسام انك تعبت نفسك وجيت
– متقوليش كدة , دى بوسى بتحبك اوى , وبتعتبرك زى أختها
نزلت كلماته كالخنجر المسنون الذى غرسه فى صدرها , إبتلعت غصتها وهى تتذكر ما كانت تخطط له دائماً للإيقاع ببوسى
قالت بضيق :
– وانا كمان بحبها اوى , واكتشفت انى مليش حد غيرها فى الدنيا دى
ثم قالت وكأنها تذكرت شيئاً هاماً :
– على فكرة هى بتحبك اوى , وندمانة اوى اوى على اللى هى عملته , ياريت تسامحها , دى طيبة اوى وملهاش حد غيرك
أماء برأسه فى إيجاب , وقال وهو يهم بالمغادرة :
– الحمد لله انك احسن من امبارح , ولو احتاجتى اى حاجة اوعى تترددى انك تبلغينى او تبلغى بوسى
إبتسمت برضا دون أن تتحدث , وظلت تنظر له إلى أن رحل
********************************
– خلاص يا متولى حملت العربية
رد ببعض التوتر :
– تمام يا ريس فتحى
ربت فتحى على ظهره وهو يقول :
– طيب يلا اطلع بيها عشان تلحق توصل قبل الليل
إبتسم بجانب فمه وهو يرد :
– وجب ياريس
صعد تلك الشاحنة المحملة بالبضاعة التى سوف ينقلها إلى مخازن الشركة بمحافظة الدقهلية , جلس خلف المقود وهو يعلم تماماً الطريق الذى يخطو إليه
كان يعلم أن ياسر قد بلغ الشرطة بمواصفات السيارة وما تحتويه وأنه سوف يلقى القبض عليه مع أول لجنة مرورية سوف يمر بها
إنطلق بقلب يرتجف إلى مستقبل واهى لا يعلمه , ولكن كلام ياسر كان يتردد بذاكرته وهو يطمئنه أنه سوف لا تتعدى سنوات سجنه الثلاثة سنوات
أغمض عينيه فى ألم وهو يتذكر صغاره السبعة وهم متعلقون برقبته مودعين إياه بتلك القبلات الحارة , وتلك النظرة العاشقة التى تلقاها من زوجته قبل المغادرة
لا يعلم متى اللقاء ؟ وكيف سيتلقون الخبر ؟
نفض تلك الأفكار عن رأسه , وبدأ يشق طريقه مسرعاً إلى ذلك المصير الذى إختاره بمحض إرادته
*******************************
ظلت الإبتسامة مرسومة على ثغره منذ أن غادر المشفى , كان يقود سيارته عائداً إلى المنزل بلهفة وحنين إلى زوجته , فلقد قرر أن يخضع لقلبه الذى أنهكه الشوق وأضناه الحنين , فلن يظل مختبئاً خلف صخرة كبريائه بعد الأن , سوف يحطمها لأجل قلبه , لأجلها أميرة قلبه ومن ربعها على عرشه سلطانة
وصل إلى المنزل صعد الدرج بسرعة يدفعه قلبه إليها دفعاً , طرق على الباب ولم يستطع الصبر حتى تفتح هى الباب
فتح الباب وولج إلى الداخل بقلب يرقص طرباً لرؤيتها , دهشت لرؤيته أمامها , خفق قلبها لبسمته التى أزانت وجهه
قال وهو لايزال على إبتسامته :
– عاملة اية دلوقتى ؟
قامت من جلستها وهى تحاول أن تتمالك نفسها حتى لا يفضحها شوق عيناها :
– كويسة
إقترب منها ووضع يده على بطنها وهو يقول :
– وابننا عامل إية ؟
نظرت إلى يده وهى على بطنها , ثم قالت بابتسامة صغيرة :
– كويس
نظر لها بإشتياق قائلاً :
– بس أنا بقى مش كويس
نظرت له بدهشة , وهى تقول :
– ليه ؟
ترك أنامله تتخلل داخل ليل شعرها وهو يقول بحنان :
– وحشتينى أوى
لتتسع إبتسامتها وتظهر تلك الورود الحمراء على وجنتيها تعبر عن خجلها , ثم تتحول نظرتها لتبادله الإشتياق وهى تقول :
– وانت كمان وحشتنى أوى
ليقترب بوجهه من وجهها حتى يروى عطشه من رحيقها
ولكنها فزعت بين يديه حينما سمعت ذلك الصوت المنتظم لسرينة سيارة الشرطة يقترب من الفيلا
هرع حسام إلى الشرفة فى حين إرتدت هى شال ليغطى شعرها وركضت خلفه لتعلم ما يحدث
كانت سيارة الشرطة قد توقفت داخل الحديقة , وترجل منها ثلاث رجال من الشرطة
كانت تنظر له بدهشة ممزوجة بخوف , طمئنها بنظرة حانية ونزل إلى أسفل بصحبتها , وقبل أن يسأل أى منهم عن سبب مجيئهم إلى منزله جاءت الإجابة عندما قال الضابط بطريقة جامدة موجهاً حديثه لحسام :
– حضرتك الأستاذ حسام مجدى محمد نور الدين ؟
أماء حسام برأسه وهو يجيبه :
– أيوة أنا
رد الضابط وهو يمد يده بورقة إلى حسام :
– معايا امر بالقبض عليك
كلمات إعتاد أن يتلفظ بها , كلمات سهلة على لسانه , صعبة على مسامع من يتلقوها
وضعت يدها على ثغرها تكتم شهقتها وهى تقول بفزع :
– حسام , لا أكيد فيه حاجة غلط
إبتلع حسام غصته وهو يحيط كتفيها بذراعه ليهدئها , ثم قال موجهاً حديثه للضابط :
– انا مش فاهم حاجة , هو فيه اية بالظبط ؟
رد الضابط وهو يشير له تجاه الباب :
– اتفضل حضرتك معايا وهتعرف كل حاجة
نظر حسام لبوسى نظرة يبث بها الثبات والطمئنينة وهو يقول :
– متقلقيش يا حبيبتى , انا متأكد ان فيه حاجة غلط فى الموضوع
وتركها ورحل معهم , وهى تنظر له بعيون تزرف الدموع , كادت أن تركض خلفه لولا أن المربية منعتها من ذلك وهى تدعو الله بقلبها أن ينجيه
*************************************
صمت يبوح بكل ما يعتمل داخله , عينان ينظران إلى لا شئ , مشاعر تتصارع بداخله , أفكار تثور بعقله , أسئلة كثيرة لا يجد لها إجابة
ماذا حدث ؟ وكيف حدث ؟ ولماذا حدث ؟
لا يشعر بشئ ولا بأحد , من يراه يشعر أنه لا يرى ما أمامه فى تلك الغرفة المظلمة التى لا ترى الشمس ولا ينيرها سوى تلك الطاقة الصغيرة التى تتخللها تلك القضبان الحديدية الرفيعة , التى تصرخ فى وجوههم بظلمة العبودية والقهر , ونفيهم بعيداً عن معالم الحياة مع زويهم , بإحتجازهم فى ذلك الجُب
تقلصت عضلات وجهه قليلاً حينما سمع صوت ذلك الرجل الجالس بجانبه , وهو يهمس بأذنه :
– سامحنى يا أستاذ حسام
فإستدار بجسده إلى صاحب الصوت , لتتحول حالة الجمود التى كان عليها إلى ثورة تفاجئ بها جميع الحضور
حينما أمسك حسام بتلابيب ذلك الرجل ودفعه بوجه صارخ إلى أن صدمه بالحائط , ثم فاجأه بلكمة قوية على وجهه , وكاد أن يكمل ما بدأه بلكمة أخرى لولا أن بقية الرجال الجالسون معهم بنفس الغرفة أمسكوا بحسام وأبعدوه عنه وحاولوا تهدئته , لكنه كان مثل البركان الثائر , فلم يكن يرى أمامه غير ذلك الذئب البشرى , الذى زج به داخل السجن دون أى ذنب إقترفه ولا حتى سبب يعلمه

جلس بعد ضغط من حوله عليه , كان صدره يعلو ويهبط وعيناه منصبة بنظرات شرسة على متولى الذى ولج إلى السجن قبله بسويعات قليلة

بعد أن أفاق متولى من صدمته , تدارك نفسه وإستجمع شجاعته , توجه ليقف أمام حسام بإنكسار تام , قائلاً والخزى يملأ حروفه :
– الفقر والجوع همه اللى خلونى اعمل كدة
نظر له حسام شزراً , وقال بصوت به أنين كأنه يأتى من وادٍ سحيق :
– ودلوقتى بقى خلصت من الفقر والجوع على حسابى ؟ دوست عليا عشان تعيش انت ؟
رد ببعض الألم :
– ياريت أنا اللى كنت جعان , لكن لما يبقى حتة منك بتجرى على الارض بتصرخ وبتبكى من كتر الجوع , بتبقى زى المجنون مش عارف تعمل اية , مصدقت شوفت الفلوس بتترمى قودامى , الفلوس اللى هتخلى ولادى السبعة يعيشوا ويلاقوا لقمة ياكلوها
نظر حسام له بغضب , وقال بإستهجان :
– كان ممكن تنحت فى الصخر عشانهم , بدل ما تمشى فى سكة الحرام
جلس بجانبه , وقد بدأت عيناه تزرف الدموع وهو يقول :
– مين اللى قالك يا بيه انى منحتش فى الصخر عشانهم , لكن مبقاش بايدى , شوية الملاليم اللى بحصلهم اخر الشهر مبيكفوش العيش الحاف
رد حسام وقد أسند رأسه على يده :
– وتفتكر ربنا هيباركلك فيهم وانت بتأكلهم بمال حرام
دقت كلمات حسام فى عقل متولى كالناقوص , وبدأ يخشى على أطفاله من غضب المنتقم الجبار , أجهش بالبكاء وأخذ يدعو الله ألا يعاقبه فيهم , وينتقم منه هو , لا من صغاره

الفصل العشرون
***********************

كانت ترتعش فى فراشها , فضمتها المربية إليها بحنان وهى تقول:
– متخافيش يا بنتى ان شاء الله ربنا هينجيه
ردت من بين دموعها :
– انتى مسمعتيش يا دادة منصور المحامى قال اية , دة قال انه ممسوك فى قضية إتجار مخدرات
لتمسح المربية على شعرها , وهى تقول :
– ادعى ربنا ينجيه يا بنتى , ربنا عالم انه مظلوم ومستحيل يضره أبداً
***********************************
كان يقرع كأسه المملوء بالخمر مع تلك الفاتنة التى تجلس بجانبه ليتجرعه بعدها دفعة واحدة وقد تعالت ضحكاتها الخليعة , فتتعالى ضحكاته هو الأخر ويميل رأسه تجاهها ليهمس بأذنها , فيتركا بعدها هذا الملهى الليلى متوجهين إلى سيارته بخطوات مترنحة قليلاً , وقادها متجه إلى منزله فهذه ليلة مميزة بالنسبة له , فقد تخلص أخيراً من غريمه , وقد فُتح الباب أمامه ولم يبقى سوى أن يخطو بخطوات واسعة تجاه معشوقته ومن حفرت إسمها داخل صدره
لحظات من المجون والغفلة قضاها فى أحضان تلك المرأة التى لم يكن يراها هى , بل يراها بوسى , ضحكة بوسى , نظرة بوسى , لمسة بوسى , بئر بوسى الذى غرق به
**************************************
كانت قد تحسنت حالتها كثيراً وعادت إلى المنزل مرة أخرى , لتطوى تلك الصفحة من ذكرياتها الأليمة , وتنسى ما بها من أحزان
نست كل ما كانت عليه وقررت فتح صفحة جديدة نقية بلا حقد وضغائن , ولا فسق أوإستهتار
نست كل من كانوا بصفحتها السابقة , كل من أذوها حتى والداها قررت أن تنساهم وتخرجهم من نطاق حياتها بعد أن هاتفتهم أثناء مرضها , ولم يعيروا أى إهتمام ولا حتى جاءوا لإطمئنان عليها وتحججوا بإنشغالهم فى أعمالهم , وإكتفوا بالإطمئنان عليها عبر المحادثات الهاتفية
رن هاتفها فردت بوجه باسم قائلة :
– ازيك يا عمو وحشتنى
ليأتيها صوته من الطرف الأخر :
– الحمد لله يا شيرى يا بنتى , انتى عاملة اية دلوقتى ؟
– الحمد لله , احسن كتير
– عال اوى , خدى بقى نهلة مراتى عايزة تكلمك
لترد نهلة بسعادة :
– حمد الله على سلامتك يا حبيبتى
لتقول شيرى :
– الله يسلمك يا طنط
– مش ناوية تيجى تزورينى بقى , نفسى اشوفك اوى , من كتر كلام صلاح عنك حبيتك اوى
– وانا كمان نفسى اشوفك اوى
– خلاص هستناكى
– قريب اوى هجيلك
وأنهت محادثتها الهاتفية وهى فى غاية السعادة لتلك المشاعر الجياشة التى تغمرها , والتى كانت تفتقدها كثيراً

ليرن هاتفها مرة أخرى , فترد قائلة :
– الو
– ازيك ياشيرى عاملة اية ؟
– الحمد لله كويسة يا تامر
– كويس انى اطمت عليكى
– متشكرة اوى يا تامر ليك , انا عارفة انك تعبت معايا الفترة اللى فاتت
– يا بنتى بس انتى بتقولى اية , خلى بالك من نفسك , ولو احتجتى اى حاجة كلمينى
– اوكى تمام يا تامر
أغلقت الهاتف وهى تشعر بالراحة بعد أن إقتنع تامر بحديثها المسبق معه , بأن يتركا بوسى تعيش بحضن من أحبت , دون أن يحاولوا التفريق بينهم
إستندت بظهرها على الأريكة بأريحية تخرج من داخلها وتغمرها براحة بال لم تعهدها , فى ظل الرضا التى باتت تشعر به , وتلك الإبتسامة الخلابة التى إرتسمت على ثغرها لتنير وجهها كأنها تخرج من داخلها
**********************************
حيرة وتخبط هو كل ما يشعر به , لا يعلم متى سوف ينتهى هذا الكابوس ؟ وأين المفر منه ؟
أفزعه صوت ذلك الشرطى وهو يصيح بصوته الجهورى بعد أن تعلقت به أنظار الجميع :
– المتهم حسام مجدى نور الدين
فنظر له حسام بترقب , يحثه على الإسترسال , فتابع قائلاً :
– قوم معايا على مكتب حضرة الظابط
ليستقيم ويذهب بصحبته إلى تلك الغرفة التى يجلس بها الضابط خلف مكتبه , وأمامه يجلس منصور المحامى , قيقول حسام بلهفة موجهاً حديثه إلى منصور :
– منصور انا مش عارف اية اللى حصل ؟
ليقول الضابط وهو يهم بمغادرة المكان :
– انا هسبكم تتكلموا براحتكم
فينصرف , ليكمل حسام وأنظاره معلقة بمنصور :
– فى واحد معايا فى الزنزانة اعترفلى ان هو اللى حط المخدرات فى العربية , وطلب منى انى اسامحه , وقالى ان فى حد اداله فلوس عشان يعمل كدة
رد منصور وقد إنفرجت أساريره :
– عظيم جدا , الراجل دة اكيد بيشتغل عندك
– للأسف ايوة
– يعنى ممكن نخليه يشهد لصالحك
– ودة هيحصل ازاى يا منصور ؟
إستند بإحدى يديه على فخذه وهو يقول بتفكر :
– حاول تعرف منه مين اللى سلطه يعمل كدة ؟
– تمام
ثم اقترب برأسه من منصور وهو يستطرد بقلق :
– بوسى عاملة اية ؟
– كانت عايزة تيجى , وانا قلتلها هعملها اذن بالزيارة
فرد بسرعة :
– لا , اوعى تخليها تيجى , مفهوم ؟
– تمام يا استاذ حسام , كل اللى حضرتك عايزه هيتنفذ
***********************************
بوسى بعصبية :
– يعنى اية مش عايزنى اروحله ؟ انا هتجنن وأشوفه
قالت كلمتها الأخيرة وعبراتها تنهال على وجنتيها
رد منصور قائلاً :
– والله يا مدام بوسى هو قالى انه ومش عايزك تدخلى المكان دة
قالت بوسى من بين شهقاتها :
– يعنى هو عايزنى ابقى بعيدة عنه ؟
لتربت المربية على كتفها وهى تقول :
– هو مش عايزك تتبهدلى يا بوسى , خايف عليكى يا حبيبتى
نظرت لها من بين دموعها قائلة بتأثر :
– نفسى أشوفه يا دادة
*************************************
– ياسر الشامى ؟
– معرفش اسمه اية بالكامل , كل اللى اعرفه ان اسمه ياسر باشا وبس
ربت حسام على كتف متولى وهو يقول :
– تمام يا متولى , كدة انا عرفت هجيبه منين
*************************************
إنتفضت واقفة مكانها حينما دخل عليها منصور المكتب بوجه مقتضب وهو يقول بحزم :
– انسة سحر , عايز العقد اللى بين شركتنا وشركة الشامى يكون على مكتبى حالاً
لترد بحروف متلعثمة :
– شركة الشامى ؟
– ايوة يا انسة , بسرعة يكون العقد عندى
وتركها وغادر الغرفة وهى تشعر بأن أرضها تدور بها فى دوامة لا تستطيع الخروج منها
************************************
– اهدى يا بوسى , متقلقيش اكيد هيخرج ومش هتتثبت عليه التهمة
لترد وهى تمسح دموعها :
– يارب يا شيرى , انا حاسة انى هموت من غيره , يارب يرجعلى بالسلامة
– طيب مش المحامى قالك ان الراجل السواق اعترف لحسام بالحقيقة ومستعد يشهد معاه
– هو قاله ان فيه واحد هو اللى سلطه يعمل كدة
ردت شيرى بإستغراب :
– والواحد دة مين ؟ وليه عايز يأذى حسام ؟
– واحد اسمه ياسر الشامى , انا حتى معرفهوش
نزل إسمه كالصاعقة على مسامع شيرى , وقالت وهى تنظر أمامها , ولازالت على صدمتها :
– انا بقى اعرفه
لتحدق بوسى بعينيها بشيرى وهى تقول بدهشة :
– تعرفيه ؟
– انتى اكيد شوفته قبل كدة
فضيقت بوسى ما بين عينيها وهى تنظر لها , تحثها على المتابعة , فقالت شيرى موضحة :
– كان بيسهر معانا فى الديسكو ساعات
ردت بوسى بإستغراب :
– طيب وهو هيعمل فى حسام كدة ليه ؟
– عشانك
ردت بوسى بصدمة :
– عشانى ؟
تابعت شيرى وهى تحاول ألا تتأثر لتذكرها تلك الأيام التى محتها من ذاكرتها , لكنها تعود إليها رغم عنها :
– عشان بيحبك , واتجنن لما عرف انك اتجوزتى
نظرت لها بوسى بصدمة ممزوجة بألم , ثم قالت وكأنها أفاقت لتوها إلى شئ ما :
– انا لازم أقابله
شهقت شيرى ثم قالت :
– تقابليه ازاى ؟ انتى ناوية تعملى اية بالظبط ؟
– مش هو بيحبنى انا , تبقى معركته معايا انا مش مع حسام
إستغرب شيرى ما تراه أمامها على وجه بوسى وفى كلماتها , هل هذه هى صديقتها الرقيقة ؟ أم هو الحب الذى جعلها تودى بحياتها فى مقابل من أحبت ؟
أمسكتها بكلتا يديها من ذراعيها , وبدأت تهزها قائلة :
– فوقى يا بوسى , اوعى تفتكرى نفسك جامدة وأده , انتى متعرفيش ياسر دة شرانى اد اية ؟
نزعت نفسها من بين يدها , وقالت بصرامة :
– عارفة كويس وإلا مكنش عمل كدة فى حسام
نظرت أمامها بنظرة تحدى لم تختبرها شيرى من قبل , وهى تتابع :
– انا هعمل كل اللى هقدر عليه عشان انقذ حسام , ولو مش ناوية تساعدينى خلاص خليكى انتى
رأت شيرى أمامها بقايا إمرأة تبحث عن وليفها الذى سوف يعيدها مرة أخرى إلى الحياة , رأت بعينيها نظرة إصرار وتصميم , وإستشعرت من خلالهما أنها لن تقدر على إرجاعها عن ما تنوى على فعله , فقالت ببعض القلق :
– طيب سبينى انا ارتب للموضوع دة , وهخليكى تقابليه
أماءت بوسى برأسها وهى تشعر ببعض الراحة
**************************************
توجهت إلى مكتبه بقلب ينتفض رعباً , وخطوات متعثرة , وأعين زائغة
طرقت على الباب بيد مرتعشة , شعرت أن هواء الغرفة كاد أن يسحقها حينما حمل صوته إلى أذنيها وهو يقول :
– ادخل
دلفت وهى تنظر إليه وقد كان غارق فى أوراقه , فقالت بصوت خرج من جوفها بصعوبة :
– انا ملقتش العقود بتاعت شركة الشامى
نظر لها بوجه ثائر وهو يقول بإستهجان :
– يعنى اية مش لاقياهم يا انسة ؟ اية عفريت جه واخدهم ؟
إبتلعت غصتها , ثم قالت وهى فى قمة توترها وقد إغرورقت عيناعها بالعبرات :
– مش عارفة بجد راحوا فين ؟ ممكن يكون الاستاذ حسام اخدهم من الشركة
قام من مكانه , وقال وهو يخبط بيده على المكتب مستنكراً لما تقوله :
– ممكن ؟
أشار بأصبعه أمامها وهو يقول محذراً :
– قودامك ربع ساعة وتكون العقود على مكتبى , وإلا هتتحولى للتحقيق يا انسة , الاستاذ حسام أكدلى انهم معاكى , يا إما بقى تكونى بعتيهم لحد , واكيد فى التحقيق هنعرف كل حاجة
إنهارت مع تلك الكلمات , ودخلت فى نوبة من البكاء لم تتمالك فيها نفسها , شعرت بحجم الخطأ الذى إقترفته بسذاجتها , ندمت على ما فرطت من مشاعر جعلتها تنجرف خلفها دون تفكير حتى خانت صاحب عملها الذى لا ذنب له غير أنه منحها تلك الوظيفة
إقترب منصور منها وأمسكها بقبضة حديدية من يده لذراعها , وقادها إلى المقعد حتى أجلسها عليه , وجلس بالمقعد المقابل لها , أسند مرفقيه على فخذيه وإنحنى تجاهها لينظر لها بتمعن كى يسبر أغوارها وهو يقول بحدة :
– عايز أعرف اية اللى حصل بالظبط ؟
***********************************
هذا اليوم يشبة سابقه من أيام كثيرة مضت , لا جديد يحدث , ولا شئ يشعر به سوى العجز فهو لا يقوى على فعل أى شئ , لا يقوى حتى على حماية زوجته أو حتى رؤيتها , تلك الحوائط الأربع تخنقه , تضيق عليه , ترقد كالصخر على صدره , تمنعه من التنفس , فهواءه فى رؤياها , ونعيمه فى نظرة عينها الحنونة

بدأ يدعو من بيده ملكوت كل شئ , الذى له القدرة وحده على أن يخلصه من هذا الكرب , كان يناجيه فى كل صلاة بعيون باكية وقلب خاضع ضعيف , كان يوقن أن الله لن يضيعه أبداً وسوف ينجيه من هذا الفخ الذى وقع فيه
***********************************
– ازاى عايزة تقابله ؟ دى اكيد اتجننت
ردت شيرى موضحة :
– احنا مش هنسبها , لازم نساعدها , زى ما كنا السبب فى اللى حصلها لازم نصلح غلطنا يا تامر
– ايوة بس انا مش موافق , انتى قلتى ان ياسر دة عايزها , يعنى أكيد هتكون فى خطر
– ما انا قلتلك مش هنسبها لوحدها قصاده , هنكون معاها من غير ما نظهر فى الصورة
قال ببعض القلق :
– خايف عليها
– ربنا يستر

الفصل الحادى والعشرون
******************************

بخطوات ثابتة تشق طريقها إليه , سوف تقف أمامه مرة أخرى ولكن تلك المرة غير سابقيها , فهى لم تعد تلك الضعيفة , فما مرت به جعلها أقوى , أصبحت لا تخشاه , لا ترهبه , لم يعد قلبها يخفق له , فقد أصبح يمقته ويمقت طلته وصوته وحتى إسمه
أرجعت خصلات شعرها الثائرة للوراء بأطراف أناملها وهى تمشى داخل جدران شركة الشامى حتى وصلت لغرفة مكتبه , فلم تجد أحداً بمكتب السكرتيرة , ووجدت باب غرفته مغلق , تقدمت بخطوات واثقة وفتحت باب غرفته دون أن تطرق عليه , كأنما إستنتجت ما يحدث بالداخل , وبالفعل كان إستنتاجها صحيح
وجدته يجلس خلف مكتبه على مقعده الوثير , وتلك الحسناء المثيرة بهيئتها وملابسها تجلس أمامه على المكتب , فى مشهد ينم عن وجود علاقة خفية بينهم
فزع ياسر وسكرتيرته عندما ظهرت شيرى فجأة أمامهم , وبدأا يحدقا بها بدهشة تحولت إلى غل عندما بدأت هى بالضحك فى سخرية وهى تقول بتهكم :
– طول عمرك رمرام يا ياسر
نظرت لها السكرتيرة بحنق وتركتهم وغادرت المكان , فى حين قال ياسر بإستهجان راداً على شيرى :
– عشان كدة عرفتك يا حياتى
تقدمت لتجلس على المقعد المقابل لمكتبه , ولازالت على إبتسامتها , ثم قالت بعد أن وضعت قدماً فوق أخرى :
– طول عمرك ذوق يا روحى
رأى بعينها نظرة لم يعهدها مسبقاً منها , فقد رأها فجأة أمامه كالشجرة الشامخة التى لا تخشى العواصف لإمتداد جذورها بأرض ثابتة
تابعت بتغنج :
– وعشان كدة حبيت أنا كمان أكون ذوق , وقلت أجى اباركلك
لم يستطع أن يخفى صدمته بروحها الجامدة , ولكنه حاول أن يبدو ثابتاً وهو يقول بسخرية :
– تباركيلى ؟ على اية بقى إن شاء الله ؟
نظرت بعينيه وهى تقول :
– أباركلك على وصولك للهدف اللى كنت بتحلم بيه , عرفت ان حسام فى السجن والجو خليلك خلاص
أشعل لفافة من التبغ فى فمه وألقى بالقداحة على المكتب أمامه بلا مبالاة , وقال بعد أن أخذ نفساً منها ونفث دخانه فى الهواء بهدوء مستفز :
– الله يبارك فيكى يا ستى
إبتسمت بجانب فمها وهى تقول :
– مش عايز تعرف أخبار بوسى اية ؟
زاغت نظراته الحائرة التى كانت تدل على شغفه لمعرفة ما سوف تقوله , ثم قال :
– ياريت تقولى اللى انتى جاية تقوليه على طول يا شيرى من غير لف ودوران
إستقامت لتسير بخطوات ثابتة حتى جلست مكان تلك الحسناء التى كانت جالسة أمامه منذ قليل , ثم قالت بدلال أجادته :
– بصراحة حالتها صعبة اوى , مش عارفة تزعل عليه ولا تفرح انها خلصت منه
ضيق ما بين عينيه وهو ينظر لها , ثم قال بتفكر :
– يعنى اية ؟ مش فاهم
وضعت يدها على صدره وهى تطرق بأصابعها على صدره قائلة :
– يعنى همه أصلا كانوا هيطلقوا , حتى لو مكنتش دخلت إنت بلعبتك عشان تفرق ما بينهم
قال بصدمة :
– يعنى همه كانوا هيطلقوا ؟
– اممم كانوا هيطلقوا , بس بصراحة صعب عليها كتير لما دخل السجن
عادت أدراجها إلى مقعدها وهى تسير بهدواة وهو يتابعها بعينيه
فقالت وهى تنظر له نظرة تعنيها جيداً :
– يعنى هى بس محتاجة حد يساعدها عشان تاخد قرار , تكمل ولا تطلق
قال بعصبية :
– تكمل ازاى ؟ دة واحد هياخد حكم تجارة مخدرات , والقضية لبساه
إبتسمت إبتسامة خبيثة لنيلها منه وهى تقول :
– انت عملت اية بالظبط ؟
زفر وهو يقول بعيون تحمل المكر والدهاء :
– لبسته فى قضية مش هياخد فيها أقل من مأبد
وضعت يدها على المكتب وهى تقول :
– دة انت جن , بس ازاى رتبتها دى ؟
لتتعالى ضحكاته وهو يقول :
– جرا اية يا شيرى ؟ عايزة تتعلمى ولا اية ؟ اهو لبستهاله وخلاص
إبتسمت وهى تقول :
– يعنى مش عايز مساعدتى فى حاجة , السمكة بتاعتك خلاص لقطت الطعم , تحب تشد السنارة لواحدك ولا عايزنى اشدها معاك ؟
نظر لها بخبث قائلاً :
– وانتى هتعملى معايا كدة ليه ؟
قالت بترفع :
– تقدر تقول حبة اتخلص من كل الناس اللى ضايقونى بالدور
أدرك ذلك التلميح الذى ترمى إليه كلماتها , تعالت ضحكاته , ثم قال وهو يحاول أن يهدئ من ضحكاته :
– الكلام دة كبير عليكى ياشيرى
– انا عارفة انك جامد يا ياسر , بس متنساش يوضع سره فى أضعف خلقه
عادت ضحكاته لتتعالى مرة أخرى , ثم إقترب منها , وعبث بخصلة من شعرها بطريقة مستفزة , وقال بنبرة متعالية :
– مفتكرش النملة تقدر تنتصر على الأسد , ولا اية ؟
أزاحت يده بعيداً عنها وهى تقول بنظرة تحدى :
– اللى تشوفه يا ياسر
وضعت نظارتها الشمسية على عيناها وهى تهم بالمغادرة , لتقول وهى تشير له مودعة :
– هشوف ميتها اية وهكلمك , سلام
رد وهو يتابعها بنظراته :
– سلام
نفض مهاتراتها من تفكيره , وإحتلت مكانها سالبت عقله , وهو يتذكر حديث شيرى عن حالها
أرجع رأسه للخلف وهو يرسم أياماً سيعيشها مع حبيبته بوسى

غادرت شيرى المكان , ركبت سيارتها وقبل أن تديرها وتنطلق فتحت حقيبتها وأخرجت هاتفها وأوقفت تشغيل المسجل وهى تبتسم بإنتصار , قائلة :
– دلوقتى هتشوف النملة هتعمل اية يا اسد
*****************************
– انا عايزاك تعرف حاجة واحدة بس , انى بحب حسام , وعمرى ما حبيت غيره
نزلت كلماتها كالنار تكوى بقلبه على الرغم من إدراكه لها مسبقاً , لكن وقعها على مسامعه كان أقوى مما تصور
رد بندم :
– انا عايزك تسامحينى على اللى عملته , دة كان تصرف طايش منى
إبتسم بجانب فمه بحزن , وهو يسترسل :
– كنت فاكر انى بكدة برجعك ليا من تانى
ردت بأسى :
– مش زعلانة منك يا تامر
نظر بعينيها يحاول أن يعلم حقيقة ما تقول , فأماءت برأسها وثغرها يحمل شبح إبتسامة جوفاء
قالت شيرى لتنهى ذلك الحديث الذى أثار الذكريات الغابرة وأخرجها من مكنونها إلى عقولهم مرة أخرى :
– خلاص بقى يا جماعة دلوقتى لازم نقدم التسجيل دة للنيابة , واكيد بعدها هيتقبض عليه على طول
ردت بوسى بوجه واجم :
– لا , مش كفاية , لازم نحاول نجيب منه العقود اللى ادتهومله الهبلة اللى اسمها سحر , هى دى اللى هتثبت ان الشحنة دى كانت بتاعت شركته , وكمان هتثبت ان كان فيه تعامل بين شركتنا وشركته
لترد شيرى بحيرة :
– ودى هنجبها ازاى
– لازم اقابله الاول يمكن اقدر اعرف منه حاجة
ليقول تامر بفزع :
– ارجوكى يا بوسى متتهورش, استنى انا هرتب للموضوع الاول انا وشيرى وبعدين هنقولك
*******************************
يشعر بتوقف الزمن وتجمد الأحداث , لا يقوى على إدراك واقعه ولا حتى تنبأ مستقبله , كأنه أصيب بضمور فى المخ أدى إلى تعطل جميع أجهزته
كل ما يراه أمامه هو صور أبناءه السبعة وزوجته المسكينة , وكان يسأل نفسه عن حالهم بعد ما علموا بما حدث له , وها هو الأخرق الذى كلفه بتلك الفعلة لم يبعث له من يطمئنه على حالهم ولا حتى أرسل له محامى للدفاع عنه كما وعده
هل تلك هى النهاية ؟ ام أنه يوجد نهاية أخرى أسوء ؟
ليته كان غارق فى أحلامه التى هيئها له شيطانه , ليته يصحو ليصبح كل ما حوله سراب يتتطاير كالدخان أمامه , ليته يعود إلى منزله يلاعب أطفاله فى تلك الغرفة الدافئة التى ضاقت عليهم
إنتبه على صوت من يجلس بجانبه , وهو يقول :
– ادعى ربنا وهو اللى هينجينا
ليرد ببعض الأسى :
– متخافش يا استاذ حسام , ربنا عمره ما هيظلمك , لكن انا غلطت ولازم أخد جزائى
فأخرج حسام من صدره تنهيدة حارة وهو يقول :
– يارب نجينا من الابتلاء دة على خير
********************************
كان يتابعها فى مرآة سيارته بهيئتها المثيرة ومشيتها الفاتنة , وصوت كعب حذائها على الأرض يصرخ كصوت إنذار لجميع من بالشارع للإنتباه لذلك الغزال المار بينهم
غمز بعينه لذلك الرجل الذى كان يقف مستنداً بظهره على عامود الإنارة , ليتحرك ذلك الرجل إثر إشارته متجه نحوها
كانت تسير نحو سياراتها غير مبالية بتلك العيون التى وقعت فى وحل جمالها الساحر
عندما باغتها ذلك الرجل وخطف حقيبة يدها , لتفاجئ جميع من بالشارع بصرختها
فيترجل هو من سيارته متجه نحو ذلك اللص فى سرعة , فقد جاء دوره فى ذلك الفيلم الذى أخرجه هو بدهاءه
فيضربه عدة لكمات وينزع من يده الحقيبة , فى حين يدعه يفلت من براثنه ليهرب فى مشهد ظنه الجميع أنه فر من بين يديه دون إرادته
ليعيد ذلك البطل المغوار والفارس المقدام تلك الحقيبة إلى تلك الحسناء مرة أخرى , فتشكره بإبتسامة وهى تقول ممتنة :
– متشكرة اوى
فيرد بإبتسامته الجذابة :
– العفو يا انسة , دى حاجة بسيطة
ثم يشير إلى حقيبتها وهو يقول :
– شوفى لتكون حاجة وقعت منها
فتستجيب لأمره , ثم تنظر له ولازالت على إبتسامتها :
– لا مفيش حاجة وقعت , ميرسى اوى ليك
فيقول بنظرة إعجاب أجاد إصطناعها :
– لا شكر على واجب , وبعدين القمر اللى زيك لازم يكون في راجل معاها يحميه من الذئاب البشرية اللى مالية الشوارع
فترد له تلك النظرة بمثلها وهى تقول :
– مرسيى لذوقك
فيمد يده لها ليصافحها قائلاً :
– انا مبسوط اوى ان الظروف جمعتنى بيكى , معاكى تامر , وانتى ؟
– ياسمينا
إبتسم بشغف وهو يقول :
– اجمل ياسمينا فى الدنيا
*********************************
– بقولك خلاص البت دى بقيت فى جيبى
لتخبط بيدها على صدره وهى تقول :
– جامد طول عمرك يا تمورة , مكنتش اعرف انك هتوقعها بالسهولة دى
ليعدل من هيئة ملابسه وهو يقول مازحاً بطريقة متكبرة :
– انا مش اى حد يا بنتى
– تمام كدة اوى انا هبلغ بوسى تصبر بس شوية وكل حاجة هتمشى مظبوط
– قوليلها يومين بالكتير وتكون العقود عندها , ياسمينا سكرتيرة ياسر هتفتحلنا الابواب المتقفلة كلها
فتهم بالمغادرة لولا أنه يوقفها بكلماته وهو ينظر لها بتأثر :
– خلى بالك منها ياشيرى
فتبتسم له بود قائلة :
– متقلقش يا تامر
***************************************
كان بمكتبه يطّلع على بعض الأوراق حينما رن هاتفه , رد دون أن ينظر إلى إسم المتصل , فجاءه صوتها وهى تقول :
– ازيك يا ياسر ؟
– اهلا يا شيرى , عاملة اية ؟
– صحيح بتسأل عليا , ولا على قطتك ؟
خفق قلبه وهو يقول :
– فى حاجة جديدة حصلت ؟
قالت ببطئ :
– فى اننا رايحين دلوقتى النادى , وممكن اوى نقابلك هناك
قال بلهفة :
– هى عارفة انى هقابلكم ؟
– لا طبعا انت هتقابلنا صدفة , وسيبنى انا بقى اعرفكم ببعض
إنفجرت أساريره وهو يقول :
– تمام انا هروح حالاً دلوقتى على النادى
أغلق الهاتف وإتجه خارج شركته ليذهب إلى النادى
أما هى أغلقت الهاتف لتبتسم لمن كانت تجلس بجانبها وتنظر لها بأعين مترقبة , ثم قالت مطمئنة :
– وقع زى الجردل , وهيسبقنا على هناك
فتبتلع بوسى غصتها وهى تقول :
– تمام انا هقوم البس عشان نروحله

الفصل الثانى والعشرون ( والاخير )
***************************

رأه وهو يخرج بسيارته من جراج الشركة , وظل ينظر إلى هاتفه كأنه ينتظر من يحادثه , وبالفعل رن الهاتف ليرد بلهفة :
– ايوة ياشيرى , لسة ماشى دلوقتى
– خلاص تمام يا تامر هو هيروح النادى زى ما قالى
– تمام , يلا سلام دلوقتى
– متنساش لما تخلص تبلغنى
– اوكى
أغلق الهاتف وترجل سريعا من سيارته ليدخل بدوره إلى الشركة

أما هى فإتجهت إلى غرفة بوسى لتراها تقف أمام المرآة وهى تحكم ذلك الشال الذى صبغ باللون الوردى على رأسها ليضفى حمرة على وجهها زادتها جمالاً بالرغم من حزنها
رأتها كالزهرة الذابلة , تنظر إلى نفسها بالمرآة بوجه واجم , قالت بقلق :
– لو قلقانة يا بوسى بلاش نروح ؟
لترد بإصرار وتصميم :
– لا , لازم نروح يا شيرى
ثم ظهرت الدموع متلألأة بعينيها , تتوق للهطول , وهى تتابع بألم :
– حاسة انى بخونه
فإحتضنها شيرى وهى تقول :
– متكبريش الموضوع يا بوسى انتى بتعملى كدة عشانه
– لو كان عارف انى هروح اقابله مكانش هيوافق
– مهو انا كمان وتامر مش موافقين , لكن انتى اللى مصممة
مسحت عبراتها وهى تقول وقد تمكن التصميم منها :
– لازم نروح مفيش حل قودامى غير كدة
رتبت شيرى على كتفها وهى تقول :
– متقلقيش , انا مش هسيبك , وهفضل معاكى
**************************************
كانت تنظر بتلك المرآة الصغيرة بيدها وهى تضع بعض من مساحيق التبرج , عندما إتسعت إبتسامتها لرؤيته يقف أمامها بإبتسامته الخلابة
فألقت ما بيدها أمامها على المكتب , وذهبت ناحيته ولفت ذراعيها حول عنقه , وهى تقول بتغنج :
– كنت لسة هكلمك دلوقتى ونتقابل يا حبيبى , معقول بقيت بتحس بيا لدرجادى يا تامر ؟
فقال وهو يخرج من جيبه قارورة صغيرة دون أن تشعر :
– اكيد طبعاً يا حياتى
ثم لم يلبث قليلاً حتى إحتواها بأحد ذراعيه وبيده الأخرة وجه ذلك الرذاذ الذى يخرج من القارورة الصغيرة تجاه أنفها , حتى لانت جميع أطرافها وأسبلت جفونها مستسلمة لرائحة ذلك المخدر
حملها ووسدها تلك الأريكة التى توجد بأحد أركان الغرفة , ثم أسرع بغلق باب غرفتها عليهما جيداً , حتى لا يأتى أى متطفل ليكشف أمره
وإتجه إلى باب غرفة ياسر الموجود بغرفتها , بحركات سريعة بدأ عمليات البحث فى كل الأدراج والرفوف , يبحث عن ضالته كأسد جائع يبحث عن ما يطفئ لهيب معدته المتأوهة جوعاً
***************************************
ضغطت على يدها برفق تبثها الطمئنينة , فبادلتها بنظرة ودودة وهى تقول:
– انا مش قلقانة منه , انا عارفة ان ربنا معانا ومش خايفة
– يارب تامر يخلص بسرعة وقعدتنا معاه متطولش
– ان شاء الله هيلاقى العقود وهنمشى من هنا مبسوطين , انا واثقة من كدة
فابتسمت لها شيرى وهما يعبران بوابة النادى ليكملوا ما إتفقوا على فعله
كان ينفث دخان لفافة من التبغ فى الهواء بتململ , عندما رآهم يمران أمامه , لم يستطع الصبر أكثر من ذلك , قام وإتجه ناحيتهم وبأعين معلقة ببوسى , وجه حديثة لشيرى قائلاً :
– ازيك يا شيرى عاملة اية ؟
لتبتسم له شيرى وهى تقول :
– اهلا , ازيك يا ياسر , عامل اية ؟
– الحمد لله
فتشير بيدها تجاه من كانت تقف بجانبها قائلة :
– بوسى صاحبتى
فمد يده ليصافحها , وهو يقول :
– اهلا وسهلا يا بوسى
فانتقلت ببصرها من وجهه إلى يده الممدودة تجاهها , لتشعر أنها ممدودة تجاة رقبتها لتخنقها
لم تستطع لمس يده , إبتلعت غصتها وهى تقول هرباً منه :
– انا هروح الحمام يا شيرى , وهرجعلك على هنا
لتنظر شيرى بعينها بقلق , وهى تومئ برأسها فى إيجاب
وتفر كنسمة هواء شاردة فى يوم حار من أيام الصيف , جاءت للحظة لتبهج القلب , ثم غادرت لتترك فى القلب حسرة عليها
نظر ياسر بأسى إلى شيرى , ثم قال :
– هى مالها ؟ في اية ؟
لترد شيرى مطمئنة :
– مفيش حاجة متقلقش , هى بس كانت متضايقة وانا خرجتها من البيت بالعافية
فزفر بضيق فى الهواء , ثم قال :
– لسة برده زعلانة عليه ؟
– يعنى ؟ دة دورك بقى تنسيهولها
أماء برأسه وهو ينظر أمامه فى وجوم , حتى رجعت الإبتسامة لتزين ثغره مرة أخرى عند عودتها , فقالت شيرى :
– تعالوا ندخل نعد فى الكافيه نشرب حاجة , اصلى عطشانة اوى
فيتوجهوا جميعاً إلى ذلك المكان وكل منهم يحمل نظرات تقول أسرار للأخر
شيرى فى محاولة للإطمئنان علي بوسى , بوسى فى محاولة لسبر أغوار ذلك الذى أطاح بزوجها داجل جدران السجن , ياسر فى محاولة لبث شوقه لفاتنته ومن غرق فى غرامها حتى الثمالة
**********************************
إبتسم بأريحية وهو يتنهد قائلاً :
– أخيراً
كان ينظر بسعادة بتلك الأوراق بيده , ثم حاول أن يعيد كل شئ مكانه , حتى لا يعلم أى أحد بالأمر
وخرج يحمل ضالته بيده , ليرى ياسمينا مازالت متوسدة الأريكة وتغط فى نوم عميق
فخرج سريعاً من جدران تلك البناية ليركب سيارته , وينظر للأوراق بجانبه بسعادة وهو يقودها
**************************************
كانت تشعر أن الدقائق أصبحت دهور , الوقت لا يمر فى جلسته المقيتة , مضطرة أن تتحمل سهام نظراته التى تخترقها بجرأة , وإبتسامته المسمومة , وحديثة الثقيل على قلبها
كان قلبها يشعر أنه يختنق , كانت تشعر أن الهواء تلوث ويجب ألا تتنفسه
إستطاعت أخذ جرعة من هواء المكان حينما رن هاتف شيرى , فنظرت لها نظرة تعنيها , وإستئذنت لتقف على بعد خطوات لترد على هاتفها
تابعتها بوسى بنظراتها , وأخذت تتابع خلجات وجهها لتستنبط منها ما تتلقاه فى الهاتف
ولكن ذلك المتطفل إخترق تفكيرها وهو يقول بإبتسامته التى لم تغادر وجهه منذ أن إلتقيا :
– كنتى بتحبيه ؟
سؤاله إخترق قلبها قبل عقلها , كانت تكره تدخله فى شئونها الخاصة وبالرغم من ذلك ردت بلباقة وبإبتسامة رسمتها عنوة فوق شفتيها :
– اكيد
فتابع بإهتمام :
– ودلوقتى ؟
نجدتها صديقتها من الإجابة عندما أشارت لها بطرف عينها وهى تقول موجهة حديثها لياسر :
– معلش يا ياسر , لازم نمشى
رد بإستغراب :
– خير , فى حاجة حصلت ؟
– لا بس فى حاجة مهمة ولازم نمشى
تفاجأ بما حدث وكاد الغيظ يطحنه وهو يجلس مكانه يتابعهما وهما يهما بالرحيل
قال بلهفة موجهاً حديثه إلى بوسى :
– لازم اشوفك تانى عشان نكمل كلامنا
ردت بسعادة لسذاجته , ولتخلصها من جلسته :
– أكيد
ظل يتابعهما وهما يرحلا , وهو لا يعلم لماذا تلعب به شيرى بهذه الطريقة؟ لابد أنها تقصد إذلاله , وترد له ما فعله بها
خبط بغل على الطاولة أمامه كأنه يصفعها على وجهها لما فعلته , جمع أشياءه , وإستدعى النادل بإشارة من يده , ودفع الحساب وغادر بما يحمله من أحزان
******************************
شعرت بلمسة لطيفة على وجهها , فتحت عيناها بإبتسامة , لتجفل حين وجدته أمامها , ثم قال وهو يتجه إلى غرفته :
– اية اللى نيمك هنا يا يسمينا ؟ لو تعبانة ممكن تروحى تستريحى شوية
تفاجأت من هذا الوضع الذى وجدت نفسها عليه , وتذكرت تامر وما فعله بها , قامت بلهفة إلى هاتفها , لتجده وقد أرسل لها رسالة , فابتسم ثغرها عندما قرأت محتواها ( كان نفسى اشوف شكلك وانتى نايمة , زى القمر حتى وانتى نايمة , بحبك )
فتمتمت بسعادة :
– مجنون
********************************
قالت بسعادة إفتقدتها منذ غياب القمر عن سماءها :
– انا متشكرة اوى يا تامر , الحمد لله
– احنا كدة خلاص خلصنا مهمتنا , انتى لازم تسلمى التسجيل والعقود للمحامى وان شاء الله حسام هيرجع البيت فى اقرب وقت
فتقول وقد إغرورقت عيناها بالدموع :
– الحمد لله
فتحتضنها المربية وهى تقول بسعادة :
– الحمد لله يا حبيبتى , ربنا يرجعهولنا بالسلامة
فتقول شيرى :
– ليه بس الدموع يا بوسى , يلا روحى كلمى المحامى فورا وخليه يجى عشان ياخد الأدلة اللى هتثبت ان حسام برئ
– حالا هتصل به
**********************************
كان يجلس على الأريكة يتابع التلفاز بتململ , وهو يتجرع الخمر حتى يحاول أن ينسى ما تفعله به شيرى , فمنذ أخر مرة كان معها هى وبوسى , لا ترد على مكالماته الهاتفية
كاد أن يجن , وهو لا يعلم أين ومتى سيلتقى بها مرة أخرى ؟
كم اشتاق لرؤياها , لنبع حنانه يحويها , لنبض شريانه وهى فى أحضانه , لطعم حروف الحب متشابكة باسمها , لخلايا جسده تذوب فيها , لواقع رسمه فى خياله , لصورة تجمعهم بحبه الذى خُلق لأجلها

أخرجه من أحزانه صوت جرس الباب المزعج , أحداً يطرق على الباب بشدة كأنما سوف تنطبق السماء على الأرض
تقلصت خلجات وجهه لشعوره بألم فى رأسه إثر تلك الضوضاء , أخذ يحاول القيام من مكانه , ومشى بخطوات حاول أن تكون ثابتة حتى وصل إلى الباب ليفتحه , فتفاجأ برؤيته لهذا الكم من الرجال يرتدون زى الشرطة , إلا واحداً الذى تحدث بدوره قائلاً بصوت جاد :
– حضرتك الأستاذ ياسر الشامى
حدق بهم بعينيه وقد شعر أنه إستفاق مما كان فيه :
– ايوة أنا
– معايا أمر بالقبض عليك
شعر وكأن دلواً من الماء البارد قد سكب فوق رأسه من هول الصدمة , إبتلع غصته , ثم قال :
– ليه ؟
– اتفضل معانا حضرتك وانت هتعرف كل حاجة
********************************
غمر قلبها الراحة والطمئنينة وهى تنام بجانب مربيتها , كانت لازالت قلقة من ما سوف يحدث بعد ذلك , ولكن هناك ما هدئ من روعها , فهناك أدلة تثبت إدانة ياسر , وقد زُج به داخل جدران السجن , وسوف يخرج زوجها منه قريباً
سوف تصطع شمس حياتها مجدداً لتنير أيامها , وتتفتح زهور بستانها , وتهل نسمات الهواء العليل لتطفئ لهيب شوقها , وتغرد العصافير على أشجارها لتسكن أنين قلبها , وتتوقف أنهار دموعها , لترتوى عيناها برؤيته , وتنهل من نهر حنانه
*********************************
فجأة فقد حريته , بعد أن خططت ودبر لكل شئ , وقرب على وضع مشهد النهاية , إلا أن إرادة الله كانت أقوى منه
إعتقد أنه إمتلك خيوط الأمر بيده , ظن أنه يقدر على تحريك الأمور كيفما يشاء
غاب عن عقله ملك السموات والأرض , ومدبر الأمور كلها
ظن أنه ملك كل شئ بيده , حتى إنفرط من بين أصابعه كحبات الماء
كان يشعر بأن الدنيا سوف تفتح أبوابها له ليملك كل ما تمنى كما إعتاد طوال عمره , ولكنها فجأة صُبغت باللون الأسود , أظلمت كسماء بلا قمر أو نجوم
كان يجلس فى الأرض يضم ركبتيه إلى صدره ويدفن رأسه داخلها يكتر الألم والندم على ما إقترف من أخطاء
وها قد نفذ عدل الله فى الأرض ليمنحه جزاءه كما منحه عمراً يسعى فى الأرض وينتقى الخبيث منه ليلطخ به نفسه قبل من حوله
إنتبه على صوت من يجلس بجانبه , وهو يهمس فى أذنه :
– نورت السجن يا ياسر يا شامى
ليصعك عندما يسمع نبرة هذا الصوت الذى يعلمه جيداً , فينظر له فى دهشة , ليبتلع غصته فى صمت , فيستطرد صاحب الصوت مرة أخرى قائلاً بنبرة أكثر حدة :
– كنت فاكر الدنيا سايبة وهتنفد بلعبتك القذرة
ليرد ياسر بسرعة :
– انا معملتش حاجة , انت اللى عملت يا حسام , العربية تبع شركتك والسواق اللى نقل البضاعة بيشتغل عندك
ليرد من كان يجلس بجانبه من الجهة الأخرى :
– بس انا اعترفت بكل حاجة وبرأت الاستاذ حسام
ليشعر ياسر بالصدمات تلو الأخرى , فينظر فى إتجاه الصوت , ليجد متولى يجلس بجانبه , فيقول بنبرة متهدجة إثر صدمته :
– يعنى انتو الاتنين اتفقتوا عليا ؟ بس مش مشكلة برده مفيش دليل إدانة ضدى
فيقول حسام وقد إستقام ليقف من مكانه , وقال وهو ينظر أمامه :
– أظن بكرة قودام النيابة هتقدر تعرف إذا كانوا قدروا يثبتوا التهمة عليك او لا ؟

ساد الصمت بين ثلاثتهم , كلٌ ذهب إلى دنياه من الأفكار , تُرى ماذا سوف يحدث غداً ؟ وكيف سيكون مصير كلاً منهم ؟
************************************
مرت الشهور ما بين تحقيقات النيابة ومحاكمات وإستئناف , ليزداد قلق بوسى وتوترها ولكنها كانت على يقين أن الله سوف ينجى حسام من السجن , وجود المربية بجانبها ساندها لتظل واقفة على أرض ثابتة , ولا تترك نفسها لأوهام الشيطان

أما حسام فكان يعد الأيام والليالى لكى يرجع إلى حبيبته التى إفتقدها كثيراً

صُدم متولى كثيراً عندما علم أن عقوبته لن تكون كما خدعه ياسر ثلاث سنوات فقط , فقد قال له المحامى الذى كلفه منصور بالدفاع عنه بناءاًعلى أمر من حسام , أن عقوبته سوف تكون أكثر من ذلك وسوف يبذل أقصى ما فى وسعه لتقليلها
جعلته الصدمة يعلم حجم ما إقترفه من ذنب فى حق أولاده قبل نفسه , فقد ترك لهم أموالاً ونسى أن يترك لهم سقف يحميهم من وحشة الأيام , لقد فقدوا والدهم الذى يحمل لهم معنى الأمن والأمان

أما ياسر فقد أيقن أنه سقط فى بحور من الألم متلاطمة الأمواج , تصفعه كل موجة منهم على وجهه , صفعات يستميت من ألمها , تفقده وعيه , وتغطس به داخل دوامة الندم التى لا نجاة منها ولا مفر
*********************************
جاء ذلك اليوم الذى أستقبله جميعهم كيوم فاصل فى حياتهم , كانت القلوب تنتفض داخل الصدور , حُشرت أنفاسهم , حينما سمع جميع الحضور ذلك الصوت الجهورى يصيح ليملئ صداه جميع أركان القاعة :
– محكمة
لترتكز جميع العيون على وجه ذلك الرجل الجالس يتوسط بطلته المهيبة المنصة , ترتقب خلجاته , تنتظر كلماته التى سوف ينطقها لتحدد مستقبلهم
قال وهو ينظر بالورقة أمامه :
– بسم الله الرحمن الرحيم
بعد الإطلاع على الأدلة المقدمة لنيابة جنايات القاهرة
قررت المحكمة
الحكم على المتهم ” ياسر محمد كمال الشامى ”
والمتهم ” متولى حسن أحمد عباس ”
بالسجن المأبد لكلٍ منهما
وبراءة المتهم ” حسام مجدى محمد نور الدين ” من التهمة المنسوبة إليه , وذلك لعدم كفاية الأدلة

تغيرت ملامح الوجوه لتأخذ أشكالاً مختلفة , وجوه حزينة باكية , نادمة على ما إقترفت , ووجوه سعيدة مهللة فرحة بالنجاة والخلاص
إغرورقت عيناها بالدموع وهى تنظر له وهو خلف تلك القضبان الحديدية , وإبتسامة رضا تنير وجهها
فبادلها هو بنظرة حنان وإشتياق وهو يبتسم
مدت يدها لتتلامس أيديهم من خلال ذلك الحائل الذى يفصل بينهم , فى صمت لم يشعر به غيرهم فى ظل تلك الضوضاء التى تملئ القاعة
عيون تنطق بالكثير , قلوب تنبض باشتياق , حنين أيدى مرتعشة تتعانق بلهفة محبين
نزعهم من عالمهم صوت ذلك الشرطى , وهو يأمر حسام بالتحرك , فك بسطوته تشابك أصابعهم , لكن أنظارهم ظلت متشابكة , حتى غاب عن عينها
********************************
ساعات مرت كالسنين , إنتظار مميت , يجلس خارج مكتب الضابط حتى ينهوا إجراءات الإفراج عنه ويخرج إلى حضن زوجته ومن ملكت قلبه وعقله
إبتسم وهو يفتح يده وهو ينظر إلى تلك الورقة المطوية , التى وضعتها بيده بوسى , فتحها وقرأها للمرة التى لا يعرف عددها
لتجرى عيناه على حروف كلماتها :
لن أسمح لك بتركى
فلتنسى نفسك معى
لن أكسِر قلبك أبداً
لن أخُن عهدك أبداً
سأظل بحضنك دوماً
لا تنسى أنى قطة متقلبة المزاج
وسبيلى إلى قلبك فيه شئ من الدلال

فيطويها مرة أخرى وهو لازال على إبتسامته , فيسمع صوت الشرطى وهو يصيح باسمه ليدخل إلى الغرفة هو والمحامى لينهى أوراق الإفراج ويخرج للدنيا , للحياة , لبوسى

كانت تنتظر بلهفة وهى فى قمة توترها , عيناها ثابتة على بوابة السجن ترتقب خروجه بقلب ينتفض
طل عليها أخيراً , نوره أضاء قلبها , لتظهر السعادة على وجهها
كانوا جميعاً بانتظاره , ترجلت هى على مهل من السيارة وقدماها لا تكاد أن تحملها فى حين كان يسلم هو على والدته والمربية وعيناه عليها , إقترب منها وعيناه تبتسم لها قبل ثغره إحتضن يديها بين كفيه وهو يقول بهمس :
– وحشتينى اوى
لترد بإرتجافة سرت فى جسدها كله :
– حمد الله على السلامة
فيستقلوا جميعهم فى السيارة ويتجهوا إلى المنزل

أخيراً فى المنزل , فقد نسى طعم الراحة , أخذ حماماً دافئاً كان بحاجة إليه
خرج منه ليجد بوسى ترتب له الفراش , نظر بعينيها طويلاً وهو يقبل يديها , ثم ترك نفسه يغوص بين ذراعيها , أغمض عينيه فى حضنها
إمتعص وجهها قليلاً وأبعدت نفسها عنه وهى تقول بوجه خالى من أى تعبير :
– هطلقنى بعد ما اولد بجد زى ما قلتلى ؟
وضع يده على بطنها التى أصبحت متكورة , وهو يقول بابتسامة مشاكسة :
– والله لسة هفكر
ليخذها بحضنه مجدداً , وهو يقول :
– متخافيش يا مجنونة , هو فى حد برده يقدر يعيش من غير ما يتنفس ؟ أهو انتى بقى الهوا اللى انا بتنفسه
قال كلماته الأخيرة وهو ينظر بعينها
كادت أن تبتسم , لكن وجهها تقلصت ملامحه مرة أخرى , ضيق ما بين عينيه وهو يحاول أن يعلم ما أغضبها , ولكنه قبل أن ينطق بحروف سؤاله , أفزعته هى بصرخة لم تستطع كتمها
ليتملكه الذهول والفزع وهو يقول :
– مالك يا حبيبتى ؟ فيه اية ؟
لترد وهى تضغط بيدها على يده :
– مش قادرة يا حسام عندى ألم فظيع من الصبح , بس خلاص مش قادرة استحمله
– يعنى اية ؟ مش فاهم , انتى هتولدى ؟
لتباغته بصرخة أخرى , ثم تقول :
– مش عارفة , صحى مامتك ودادة واتصل بالدكتورة
ليرد وهو يهرع خارج الغرفة :
– حاضر يا حبيبتى
***********************************
هلت بنورها إلى الدنيا , لتجعل من يراها يشعر بالسعادة , تلك الطفلة الجميلة التى توجت زيجتهم
نظر حسام بوجه زوجته النائمة على فراشها بالمشفى وهو يقول بسعادة :
– زى القمر زى امها بالظبط
لتبتسم بوهن وهى تنظر لطفلتها النائمة بجانبها , فيباغتها بلمسة حانية على شعرها وهو يقول :
– عايزة تسميها اية ؟
– رحمة
– جميل اوى يا حبيبتى
لتبتسم وهى تقول بتأثر :
– دى الرحمة اللى ربنا خلقها جوايا عشان تقرب ما بينا
فيميل برأسه مقبلاً جبينها , ثم يقول :
– ربنا يخليكو ليا
فتقول والدته :
– ربنا يسعدكم يابنى
ليبتسموا لها , فتقول المربية وهى تلاعب الطفلة بيدها بسعادة :
– تتربى فى عزكم يا ولاد
*****************************
كانت تلعب بشعرها الأشعث , الذى صبغ بلون الشمس من كثرة إلتقاءها به , فى ذلك الشارع الضيق , ترسم خطوطاً بعصا تحملها بيدها , تحفر على رمل الطريق أحلاماً تعيشها فى خيالها البرئ فقط
عندما إنتبهت لشئ جعلها تلقى ما بيدها وتبتسم بسعادة , فيبادلها حسام الإبتسام وهو ينحنى قليلاً ويفتح لها ذراعيه بابتسامته الجذابة
لتجرى نحوه وهى ترفع ذراعيها ليحملها وهى تقول :
– عمو حسام , وحشتنى أوى
ليحملها بين ذراعيه , لتقول بوسى من وراءه وهى تصتنع الحزن :
– هو بس اللى وحشك يا سهيلة ؟
لترد وهى محتضنة حسام :
– وانتى كمان وحشتينى أوى أوى
لترد عليها بوسى :
– ماشى يا بكاشة , ممكن بقى ندخل جوة نسلم على ماما وأخواتك
فيدخلوا ثلاثتهم إلى منزل متولى , فمنذ خروج حسام من السجن وهو يداوم على زيارتهم هو وبوسى , ويقضى جميع إحتياجتهم
********************************
كانت تدثر الطفلة فى فراشها , عندما شعرت بيد حسام تسحبها إلى الخارج , ليهمس بأذنها :
– وحشتينى يا قطتى , اية من ساعة ما رحمة اتولدت وانا مش عارف اتلم عليكى خالص
لترد بابتسامة خجولة :
– وانت كمان وحشتنى اوى
فيعدل من وضع خصلة من شعرها نزلت على وجهها وهو يقترب منها ليقبلها , فتنتفض عندما تسمع صراخ طفلتها وقد إستيقظت مجدداً من النوم
ليبتسم وهو يقودها إلى غرفة الصغيرة ويظلا بجانبها وهما يشعران بفضل الله عليهم , أن جعل حياتهم مليئة بالسعادة

تمت بحمد الله.

بقلم إكرام يوسف.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *