القطة المدللة بقلم أكرام يوسف

الفصل التاسع
دفع حسام باب تلك الغرفة بقوة لينفتح فرأته بوسى أمامها فقامت مهرولة من الفراش متجهه إليه ولكن منعها أحمد من الوصول إليه وهو يمسك بخصرها بقوة , ثم جعلها تستدير ليصبحا فى مواجهة حسام وهو مصوب على عنقها تلك الشفرة الحادة التى أخرجها من جيبه لتوه وهو يصرخ بحسام :
– لو قربت خطوة واحدة , هخلص عليها
وقف حسام فى حيرة من أمره وهو لا يعلم كيف يتصرف ؟ ولكنه لاحظ تلك الحقيبة التى بجانب الباب فحملها سريعاً وألقاها بوجه أحمد لتربكه المفاجأة فتسرع بوسى فى الإبتعاد عنه , ليجرى إليه حسام ليوجه لكمة على وجهه لكن أحمد كان أسرع حينما وجه له يده بتلك الشفرة لتستقر ببطنه لتسيل الدماء منه ويخر على الأرض , فتجرى نحوه بوسى وهى فى شدة هلعها فتجده وقد سالت منه الكثير من الدماء , حاولت أن توقظه لكن دون جدوى , بدأت تناديه والدموع تغرق وجهها لكن دون مجيب
فصرخت بأعلى ما عندها : لااااااااااااااااااا
إنتفض حينما سمعها تصرخ ونظر لها وجدها وقد إستيقظت من نومها وهى تبكى بحرقة
خفق قلبه لها وذهب لها متسائلاً :
– انتى كنتى بتحلمى ؟
لم تجبه فقط أماءت برأسها فى إيجاب وهى لازالت على حالها , فرق قلبه لحالها وحاول تهدئتها بتربيته على كتفها ولكنها إنزوت أكثر على جانب الفراش لتبتعد عنه , فتركها وذهب لإحضار كوب من الماء لها عله يساعد فى تهدئتها , وحمله إليها قائلاً :
– خدى طيب إشربى
مدت يدها المرتعشة فساعدها بحمل الكوب إلى فمها , فإرتشفت منه ما بلل شفتاها وتركته وهى تمسح دموعها المنهمرة
قال وهو ينظر لها بأسى :
– نامى دلوقتى وهتبقى أحسن
أماءت برأسها نافية وهى تقول من بين دموعها :
– عايزة أمشى من هنا , خلينى أمشى عشان خاطرى , لو بتحبنى بجد سيبنى أمشى
ما كان منه إلا أن إحتواهها بين ذراعيه بقلب يخفق لأجل حبيبته , كانت تنتحب بشدة وهى غير مدركة أنها تستند برأسها على صدره
بدأ يتحسس شعرها بيده وهو يقول بألم :
– انا اسف يا حبيبتى , سامحينى مش هقدر
ليزيد نحيبها وهى تدفعه عنها لتقول من بين شقهاتها :
– انت عايز منى اية ؟ حرام عليك خلصنى من اللى انا فيه , انا عايزة امشى من هنا
ليستقيم وهو يقول ببعض الجمود :
– قلتلك مش هينفع
ويتركها ويخرج من الغرفة , فلم يعد يحتمل مزيداً من نحيبها الذى يحفر فى قلبه الألام
جلس أرضاً خارج الغرفة وهو يدفن رأسه بين يديه ليكتم حيرته وألمه
*****************
ضاقت به الدنيا , فقد ظل يبحث عنها فى كل مكان , فقرر الرجوع مرة أخرى إلى الفيلا عله يجد شئ أخر يوصله لها
دلف إلى الداخل فإستقبلته المربية بدموعها التى لم تنشف بعد
كان على وجهها ملامح متسائلة , تتمنى ما يثلج قلبها وما يطمئنها على إبنتها التى لم تلدها ولكنها سكنت قلبها بوسى
أماء برأسه نافياً دون أن يتحدث , ففهمت من إشارته أنه لم يجد ما يدله عليها
سألها :
– هو عم حسين مش هنا ؟ نديت عليه عشان يفتحلى البوابة بس محدش رد
ردت ببعض الحزن :
– اه هو راح يزور جماعة أرايبه وهيعد هناك يومين , بس سايب أحمد ابنه مكانه
نظر لها حسام بدهشة وهو يحاول أن يمعن فى التفكير , ثم قال وهو يهم بالخروج من الفيلا :
– بس أحمد مش موجود برة
ذهب إلى الغرفة التى توجد فى الحديقة ويقطنها حسين وولده أحمد وأخذ يدق على الباب حتى أيقن أنه لا يوجد أحد بالداخل , أسرع إلى الجراج , فوجد سيارة بوسى موجودة داخله وسيارة عمه هى التى خرجت بها بوسى
عاد مسرعاً إلى المربية متسائلاً بلهفة :
– هى عربية بوسى عطلانة ؟ اصلها سايباها فى الجراج
– اومال خرجت باية ؟
– خرجت بعربية عمى لانها مش موجودة
– بس هى مبتعرفش تسوقها عشان مانوال
رد بدهشة :
– يعنى كانت محتاجة حد يسوقهالها , وعم حسين مش موجود , واحمد هو اللى كان موجود
أخرج هاتفه سريعاً وضغط على بعض الأزرار فى عُجالة ورفعه إلى أذنه وقال بعض قليل :
– ابنك فين يا عم حسين ؟
ليرد مندهشاً :
– احمد انا سايبه فى الفيلا مكانى على بال ما اجى وهاجى بكرة ان شاء الله
– ابنك مختفى من امبارح بالليل ومعاه بوسى
ليرد بفزع :
– ازاى ؟ اية اللى حصل يا استاذ حسام ؟
– انتو ليكو أرايب هنا غير اللى انت عندهم ؟
– لا
– ابنك ملوش اى اصحاب ممكن نسأل عليه عندهم ؟
– احمد ملوش اى اصحاب
ليرد حسام بعصبية :
– يعنى اية ؟ هيكونوا راحوا فين ؟
– أأأ ….أنا مش فاهم يا استاذ حسام , انا اسف
زفر فى الهواء ليهدأ قليلاً وهو يقول :
– انتو ملكوش اى مكان تانى غير هنا
– ابداً يا أستاذ حسام , من ساعة ما شكرى باشا جبنا واحنا عايشين معاه فى الفيلا , حتى حتة الارض مبروحهاش غير مرتين فى السنة
ضيق حسام عينييه وهو يقول :
– فين الأرض دى ؟
أغلق حسام الهاتف بعد أن علم عنوان تلك الأرض الزراعية , فهو كالغريق الذى يتعلق بأى معلومة من الممكن أن تدله على طريقهم
هاتف أحد أصدقائه وتوجهوا هما الاثنان بسيارة حسام إلى عنوان تلك الأرض الزراعية على أمل أن يجدوا ما يدلهم على مكان بوسى
****************
حاولت الإتصال به كثيراً لكن كان نفس الرد :
– الهاتف الذى طلبته مغلق , يرجى الإتصال فى وقتٍ لاحق
زفرت بعصبية وهى ترمى الهاتف على فراشها , ووقفت فى المرآة تصفف شعرها
تذكرت كلماته التى لم تنساها منذ أن خرجت من فمه ليلة أمس :
– ابقى افتكرى ان انتى اللى بدأتى ياشيرى
فشعرت برهبة ممزوجة بألم , فهى تعشقه وتخشى غضبه الدامى
فأخرجها من أفكارها صوت رنين هاتفها , فأسرعت عليه بلهفه وتغيرت ملامحها بعد أن رأت إسم المتصل , وردت بتأفف :
– ايوة يا تامر
ليرد من الطرف الأخر :
– عرفتى حاجة عن بوسى ؟
– يادى زفتة , كلكم هتموتو عليها , لا معرفتش حاجة ومش عايزة اعرف حاجة , ويارب تكون ماتت وتريحنا
– يعنى هتكون راحت فين ؟
– وانت قلقان عليها اوى كدة لية ؟
– يعنى اية ؟ هو انا المفروض مقلقش عليها زيك ؟
– بقولك اية انت هتعملى نفسك بتحبها ما انت كنت هتبعهالى امبارح , دلوقتى عايز تفهمنى انك قلقان عليها ؟
– انتى عايزة منى اية ؟ ايوة انا بحبها , واول ما ترجع هقولها انك أوطى بنى ادمة عرفتها , والفيديو اللى عندك بليه واشربى ميته
وأغلق الهاتف وهو فى قمة غضبه من تلاعب تلك الحمقاء التى كانت ستجعله يغدر بحبيبته بوسى
*****************
لاحظ حسام قرب وصوله لتلك الأرض الزراعية وجود بناية صغيرة
ترجل من السيارة هو وصديقه وأشار له فى صمت أن يستدير من الجهه الأخرى للغرفة
إقترب من الباب يحاول أن يسترق السمع , لكنه لم يسمع سوى السكون
دفع الباب بكتفه ولكن الباب إنفتح بسهوله ليجد أمامه الفراغ فلا يوجد بتلك الغرفة سوى الفراش الفارغ , اتجه لتلك الستارة ليجد أيضاً أنه لا أحد خلفها
وقف متحير فى تلك الغرفة وهو ينظر إلى جميع محتوايتها ليجد شئ يلمع بين ثنايا الشرشف الذى يغطى الفراش
ذهب ليتفحص ذلك الشئ , لتتسع حدقة عينيه لرؤيته تلك القلادة التى كانت ترتديها دائماً بوسى منذ صغرها ومتدلى منها ذلك القلب , ليفتحه فيجد بها صورة والدتها , ليتأكد من شكوكه
*************
وضعت يدها تتحسس رقبتها الخالية فى فزع وهى تقول :
– السلسلة ؟
لينظر لها وهى جالسة بجانبه فى السيارة :
– بتقولى حاجة ؟
فردت بأسى :
– دى سلسلة ماما , شكلها وقعت منى , دى كانت غالية عندى اوى
– تحبى نرجع تدورى عليها ؟
لترد بلهفة ممزوجة بحزن :
– لا لا , خلينا نرجع للبيت
فيكمل بها الطريق الذى بدأه منذ فترة عائدا إلى الفيلا كما وعدها , بعد أن أضناه نحيبها , وكاد قلبه أن ينخلع حزناً عليها
وقد وعدته هى بألا يعرف أى أحد بما حدث
كان ينظر لها بأسى كل برهه وهو يشعر أنها أصبحت مثل الماء الذى انفرط من بين يديه , وضاع أمله فى أن تكون له
نظر أمامه بأسى وهو يلعن نفسه على ما فعله بها , الشئ الوحيد الذى ناله من تلك الفعلة هو أنه صارحها بما كان قد ثقل على قلبه وكاد يقتله , فهو يحبها
يعشق من سكنت السماء , وكانت ولا زالت بعيدة المنال ولكنها قريبة تقطن بين ضلوعه
وصل بها إلى الفيلا وهم فى حالة رثة , وكان يظهر عليها الوهن , فتح لها باب السيارة وأدخلها إلى الداخل فى حين إستقبلتها المربية بلهفة , وحاولت أن تعرف منها ما حدث ولكن بوسى ردت بكلمات بسيطة تعبر عن تعبها الشديد وإحتياجها للنوم
ساعدتها المربية لتأخذ حماماً دافئاً , وتبديل ملابسها وقبل أن تدثرها فى الفراش كان حسام قد وصل إثر المحادثة الهاتفية التى تلقاها من المربية تبشره برجوع بوسى
لم تستطع بوسى أن تكبح مشاعرها إثر رؤيتها لحسام , فقد كانت فزعة من صورته فى ذلك الحلم وقد فارق الحياة
إرتمت على صدره باكية دون أن تنبث بشفة , أخذ يهدئها حتى إستطاعت أن تسيطر على دموعها , فقال :
– اية اللى حصل ؟
قالت من بين شهقاتها :
– فى حرامية طلعوا علينا , واحمد قدر يرجعنى هنا تانى
نظر حسام لها بتمعن وهو يقول :
– حرامية ؟ وكنتو فين كل دة ؟
قالت بارتباك :
– كنت أأأأ .. كنت فى العربية , همة كانوا حبسنا فى العربية ؟
– وازاى قدرتوا تهربوا منهم ؟
قالت ببعض الوهن :
– احمد هو اللى قدر يخلصنا منهم
ضيق عينيه قائلاً :
– وبعد كدة روحتوا على فين ؟
– احمد جابنى على هنا على طول
نظر لها فوجدها يظهر عليها التعب , وقع بصره على ذلك الجرح بيدها , فقال بلهفة :
– انتى ايدك مجروحة
نظرت إلى يدها وهى تقول :
– دة جرح بسيط , متقلقش
– من اية ؟
– مش فاكرة يا حسام
نظر لها بريبة قائلاً :
– شكلك تعبانة يا بوسى نامى دلوقتى
شعرت بالراحة لتخلصها من أسئلته التى حاصرها بها , إبتسمت له إبتسامة ضعيفة وهى تجلس على فراشها
هم بمغادرة الغرفة , لكنه توقف عندما باغتته قائلة :
– حسام , متمشيش
شعر بالقلق من طريقتها , فاستطردت قائلة ببعض الرجاء :
– خليك هنا , متمشيش وتسيب البيت
فقال وهو يحاول سبر أغوارها بأنظاره :
– متخافيش , انا تحت مش همشى
أماءت برأسها وقد اطمئن قلبها وتوسدت فراشها وهى تشعر بالأمان لوجوده معها بنفس المنزل , فى حين غادر هو الغرفة متجه إلى غرفة أحمد
****************
بعد أن أفاق قليلاً من صدمته قام وإغتسل وهو قد أيقن تماماً أنه قد خسر كل شئ
إنتبه لذلك الطرق على باب الغرفة وما إن فتحه حتى وجد قبضة حسام الموجهة لوجهه , لتدفعه إلى الأرض وهو لم يدرك بعد ماذا يحدث ؟
أمسكه حسام من تلابيبه ليجعله يستقيم وباغته بلكمة أخرى وهو يصيح به :
– يا واطى , بتعض الايد اللى اتمدتلك
ذهل أحمد وقد أيقن أن حسام علم بما حدث , لم ينطق , لم يقل أى شئ فقط ترك حسام يمضى فيما يفعله
كان حسام كالمجنون فهو لا يعلم ما حدث بينهم ؟ وأكثر ما كان يؤلمه أن بوسى كذبت عليه وأنها لم تريد إخباره بما بينها هى وأحمد
سمعت صوت صياح حسام بالأسفل نزلت الدرج مهرولة وهى تشعر بدوار خفيف , حتى وصلت إليهم وجدت أحمد ملقى بالأرض إثر تلقيه للكمة من حسام الذى كان فى شدة ثورته
تنقلت ببصرها بينهم , فتلاقت نظرتها مع نظرات أحمد الذى كان ينظر لها بندم , فقالت وهى تحاول إبعاد حسام عنه :
– خلاص يا حسام سيبه
نظر لها حسام والشرر يتطاير من عينه وبدأ يصرخ بها :
– لسة برده هتكدبى , ولا المرة دى هتألفى قصة تانية
لم تستطع الرد , فأخرج من جيبه القلادة وهو ينظر بعينها قائلاً :
– ودى , اللى انتى قلعتيها على سريره , هتقولى عنها اية ؟
نظرت لها بلهفة وهمت بأخذها ولكنها أدركت تلك الكلمات التى زرفها حسام لتقع على مسامعها كالصاعقة




