رواية عشق القلوب بقلم سهام صادق

​وقفت أروي فجأة بعدما احتل الغضب جزءاً كبيراً منها ونظرت إلى سكرتيرته بغيظ حتى قالت لها تلك المتعجرفة ببرود: اتفضلي آنسة أروي، مستر أحمد منتظرك.
فتأملتها أروي بضيق، لتلاحظها هي فتعدل من هندام ملابسها وقصتها التي سقطت على أعينها بنعومة.
لتذهب أروي بغيظ من أمامها ودلفت إليه مكتبه بخيبة قائلة: كده يا أحمد تخليني أستناك ساعتين، مش عارف تفضيلي من وقتك بس خمس دقايق؟
فيرفع أحمد وجهه عن حاسوبه قائلاً ببرود: لازم تتعودي إني خلاص مابقتش فاضيلك يا أروي.
ثم تطلع إلى ملابسها التي أصبحت محتشمة، حتى وجهها أصبح يخلو من مساحيق التجميل إلا ذلك الكحل الذي يعطي أعينها مظهراً خاصاً، ولكن بداخل هذه الأعين حزناً عميقاً.. ليتذكر هو تلك الليلة… حتى اقتربت هي منه قائلة: بقيت تكرهني خلاص، ووجودك معايا مجرد تكفير ذنب؟ فتسقط دموعها للمرة الألف وتشرد في ليلة أصبحت جزءاً محفوراً في ذاكرتها لن يمحوه الزمن يوماً…!!
تلملمت في فراشه وهي غير مدركة لما حدث.. حتى أفاقت وهي تتذكر كل شيء من لمساته وقبلاته، فأغمضت عيناها بسعادة وهي تتذكر كلماته لها بنغم شديد، فنظرت بجانبها تبحث عنه… حتى اصطدمت بتلك الورقة المطوية بجانبها لتفتحها وهي مدركة بأنها ستكون إحدى كلمات السعادة التي سيبعثها إلى قلبها، فهي لم تندم قط على كل شيء تفعله وفعلته لأجله، حتى تلك الليلة التي قضتها معاه.. فسقطت دموعها وهي تقرأ كلماته: “أنا رجعت القاهرة يا أروي، ياريت ما تحاوليش تتصلي بيا لأني مش هرد عليكي.. أنا عايز الفترة ديه أبقى فيها لوحدي عشان أقدر أحدد هل هقدر أكمل معاكي ولا لأ.. لأن أنا بقيت ضايع خلاص ومش عايز أجرحك، ابعدي عني يا أروي الفترة ديه”.. ثم سطر بقلمه عبارته الأخيرة ليقول:
“كنت فاكر هتبقى أسعد ليلة في حياتي، بس طلع فعلاً الحرام عمره ما كان ليه طعم!!”
لتفيق على صوته القوي وهو يقول:
أحمد: مش هتفضلي واقفالي وباصة ليا كتير.. أنا مش فاضيلك يا هانم!!
………………………………………….. ………..
صمت أمجد قليلاً.. ثم عاد إلى حديثه قائلاً: أحمد فعلاً طلع قد المسؤولية وقدر يثبت وجود فرع شركتنا في القاهرة.
فيبتسم يوسف قائلاً: طب كويس.
فيتأمله أمجد بتعجب قائلاً: من ساعة ما مريم دخلت حياتنا… وأنت اتغيرت يا يوسف.. بس نفسي أعرف إيه اللي حصل خلاك تتغير؟
ليتذكر يوسف لحظات إفاقتها من غيبوبتها التي دامت شهراً، وكان كل يوم يذهب إليها ليطمئن عليها.
وفي يوم!!
الطبيب: أبشر مستر يوسف فقد أفاقت مريضتنا بسلام من غيبوبتها.
فيبتسم يوسف على سماع ذلك الخبر ويدخل عليها حتى يجدها تنظر إليه بقوة قائلة: أنت مين؟ أنت اللي ساعدتني صح!
فيتأملها يوسف بتعجب: ها، أنتي مش فاكراني؟
لتتعمق مريم في النظر إليه وتظل ترمقه بنظرات تائهة، حتى وضعت بيدها على رأسها قائلة: عايزة حجابي.
فيندهش يوسف منها ليقول: ليه؟؟
فترمقه بغرابة: عشان أنا مسلمة، وحجابي هو عفتي.. أرجوك اخرج بره وجبلي حجاب أغطي بيه شعري أرجوك.. مش عايزة حد يشوفني كده.
ليطالعها يوسف بنظرات مترددة وهو يدير ظهره لها حتى قال..
يوسف: طب لو قولتلك إنك مش مسلمة؟
فتصرخ مريم قائلة: لا لا أنت كداب.. أنا حاسة بديني.. وتهز رأسها بجزع.. أنا شايفة بابا قاعد قدامي وبيسمعلي سورة ياسين.. أنا حتى سمعتها حلو وبابا قالي شاطرة يا مريم..
ليلتف إليها ثانية ويتأملها وهي تبكي كالأطفال.. حتى بدأت ترتل بصوت مدمع سورة ياسين.. فتقف جميع حواسه عند هذه الآية:
وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11).
فيفيق من شروده على صوت أمجد وهو يقول: صحيح الدكتور قالك إيه بخصوص حالة مريم؟ هتقدر تسترجع تاني جزء ذاكرتها المفقود؟
لينظر إليه يوسف قائلاً بإنهاك: قال لما تحس الأول بالأمان في عالمها الحالي، هتقدر ترجع زي ما كانت!!
………………………………………….. ……………..
انتظر طارق أن يسمع صوت نهال التي صمتت بعدما سمعت بأمر سفره.
طارق: يا حبيبتي أنا هسافر بس يومين البلد عندنا وهرجع علطول.. ثم بدأ يغمز لها ليقول: هانت خلاص يا قلبي، أيام ونبقى سوا يا نهال.
لتتنهد نهال عبر الهاتف قائلة: لازم يعني تسافر يا طارق؟
فيبتسم طارق قائلاً بسعادة: يا قلب طارق.. طارق ما يقدرش يستغني عنك، وهتصل بيكي كل دقيقة.
لتغمض هي عيناها بقوة قائلة بخوف: طيب خلي بالك من نفسك وسوق براحة.
فيضحك طارق على خوفها هذا ليقول بعشق: حاضر يا حبيبتي!
………………………………………….. ……………..
جلست سالي بجوار مريم قائلة بحب مزيف وهي تريها بعض المجلات: شايفة إزاي الستات يا مريم قدام يوسف، وتابعت بحديثها قائلة بخبث: راجل زي يوسف وفي مكانته أكيد محتاج… وقبل أن تكمل حديثها وجدت مريم تنظر إليها قائلة: لأ يوسف بيحبني هو قالي كده.
لتضحك سالي بقوة قائلة: طب قوليلي هيحبك إزاي.. وأنتي يعني طول الوقت بتلعبي مع ياسين.. أنا آسفة يا مريم يا حبيبتي بس أنتي عارفة أنا بحبك زي إخوتي.
ثم أخرجت إحدى الصور القديمة ليوسف مع إحدى السيدات العاريات وهي ملتصقة بيه وتراقصه: طب شوفي الصورة ديه.
لتنصدم أعينها مما رأت.. فتنهض سالي ممسكة بيد طفلها ياسين قائلة: حبيبتي يا مريم أنا لازم أمشي دلوقتي، أشوفك بقى بكرة في الحفلة.
فتنظر إليها مريم بتوتر: حفلة إيه؟
لتعود إليها سالي قائلة: إيه ده أنتي متعرفيش إن يوسف عامل حفلة لافتتاح فندق كبير في مونتريال!
………………………………………….. …………….
وقفت شهيرة أمام ابنتها لتلقي في وجهها إحدى المجلات قائلة: خليكي خايبة كده لحد ما واحدة من دول تقدر تاخده منك.
لتدمع عين أروي التي قد وقفت لتخلع عن جسدها إسدال الصلاة: هو حر يا ماما.
فتنظر إليها شهيرة بضيق: أنتي مالك بقيتي مستشيخة كده، لأ أنا عايزاكي ترجعي زي الأول.. ثم اقتربت من أحد أذنيها قائلة: يا عبيطة الراجل بيحب ديماً الست اللي تحسسه بكامل أنوثتها، وتغريه بكل حاجة فيها..
فتخفض أروي رأسها أرضاً متذكرة كل ما كانت تفعله وما كانت النتيجة إلا أن أصبحت.. مجرد عاهرة بالنسبة لحب عمرها وفي نظر نفسها، فابتعدت أروي عن والدتها واتجهت إلى فراشها قائلة وهي تضع جسدها عليه بتعب: أنا تعبانة يا ماما وعايزة أنام!!
………………………………………….. ………….
نظر إليها يوسف وهي تتأمل طبقها الموضوع حتى قال: مالك يا مريم؟
فنظرت إليه مريم طويلاً قائلة بحزن: أنا عايزة أعرف كل حاجة عن نفسي وأنا كبيرة، عايزة أفتكر الجزء الناقص من حياتي.
فارتجف قلب يوسف بشدة، فهو يريدها هكذا.. فكيف ستكون رد فعلها عندما تعلم بأن أول لقاء بينهم قد كذب عليها فيه وأخبرها بأنه سائق لثري، وكيف سيخبرها بأنه هو من تسبب لها بذلك الحادث؟ والأهم من كل هذا كيف سيخبرها بأنه مازال معتنق المسيحية رغم كونه مسلماً إلا أن تعليم جده عن الدين المسيحي مازال مرسخاً بداخله، وأن ما فعله والده مع أمه يجعله يظن دائماً بأن هذا الدين ليس دين الرحمة والمعاملة الحسنة كما يدعون.. ليخرجه من دائرة أفكاره صوتها وهي تقول بابتسامة: كل سنة وأنت طيب.
فيتأملها يوسف طويلاً حتى تقول هي ثانية: فاضل يومين ويبدأ أجمل شهر في السنة.
فنظر إليها يوسف بعمق حتى قالت: إحنا هنصلي ونصوم سوا صح، وهنجيب فانوس رمضان.. هنعمل كل حاجة زي ما بابا كان بيعملها صح.. ونهضت من على كرسيها واقتربت منه وانحنت بجسدها كي تطبع على أحد خديه قبلة حنونة دافئة: أنا بحبك.
لتتسع عيناه بدهشة من تلك الكلمة التي خرجت منها بكل هذه المشاعر حتى قالت هي: أنا مش طفلة يا يوسف، أنا بس مش فاكرة حاجة غير ذكرياتي في طفولتي مع بابا مش فاكرة غيرها هتفضل معايا لحد ما أفتكر.. ومش هتسيبني وتروح للستات الوحشة ديه… وأخرجت من جيبها تلك الصورة التي أعطتها إليها سالي وأشارت بإصبعها على تلك السيدة العارية.. فسقطت دموعها وهي تقول: أنا بحبك زي ما كنت بحب بابا، هو كان حنين أوي، خليك معايا.
فنهض من مقعده سريعاً ليحتضنها قائلاً بمشاعر بدأت تتحرك بقوة: خلاص اهدي يا حبيبتي، أنا بحبك كده وعايزك كده مش عايزك تكبري خالص سامعة… وعايزك يا ستي تفضلي تحكيلي عن ذكرياتك الحلوة اللي كانت مع باباكي.. أنا عايز مريم البنت الصغيرة… وظل لفترة يربت على شعرها بحنان لترفع هي وجهها قائلة بألم: أنت مش عايز تاخدني معاك حفلة بكرة عشان محدش يضحك عليك صح وأنت معايا، ويقولوا الراجل الحلو ده متجوز ديه؟
فضحك بقوة حتى أدمعت عيناه.
يوسف: الراجل الحلو.. وعاد ليحتضنها وهو يغمض عينيه يتذكر السبب الحقيقي في إبعادها عن عالمه الخارجي ووجودها الدائم في القصر ليقول بهمس: سامحيني يا مريم، بس أنتي لو خرجتي للعالم ده هترجعي تفهمي كل حاجة تاني، وأنا عايزك ليا لوحدي.
وأفاق من شروده على حركتها التي جعلته يبتسم، فقد كانت تتمسح بوجهها في صدره كالقطة!
………………………………………….. …………….
صرخة قد ضوت من أعماق قلب أخته المقهورة… ليحتضنها ببكاء قائلاً: ادعيله يا نهال، ادعيله.
لتبكي هي بقوة قائلة: طارق مات يا أحمد.. طارق خلاص راح.. لأ أنتوا بتكدبوا عليا.. وركضت باتجاه ذلك الطبيب الذي أخبرهم بذلك الأمر بعدما عمل كل ما بوسعه كي ينقذه بعد أن نُقل إلى المشفى بعد ذلك الحادث الشنيع بنزيف حاد.
فيجذبها أحمد إليه ثانية قائلاً بألم على صديق عمره وزوج أخته الذي فقده: نهال اهدي.. اهدي يا نهال.
فسقطت دموعها على يديه وسقطت هي أرضاً قائلة بألم: كنت حاسة إن فرحتي بيك مش هتكمل!
………………………………………….. ………….
نظر إليه أمجد طويلاً ليراه وهو واقف يمسك كأسه ويتأمله حتى ضحك أمجد: ضميرك بيعذبك ولا إيه؟
فانتبه إليه يوسف وأمسك كأسه وزجاجة الخمر التي أمامه وذهب إلى الحمام الذي تضمه غرفة مكتبه الواسعة في أحد فروع شركاته العملاقة، وأفرغ كل ما تحتويه الزجاجة.
ليعود ثانية بتعب: أنا صايم النهاردة.
فيحدق به أمجد قائلاً بدهشة: لأ مش مصدق.
فيتذكر يوسف أول أسبوع قد بدأ به الشهر الكريم ووجود مريم بجانبه وانتظارها له للإفطار سوياً وتشجيعه له بأن يصلوا سوياً وتهربه منها بأنه سيؤدي صلاته في أحد المساجد… ولكن كل ذلك كان كذباً، فكان يخرج ليهرب منها ولا يعود سوى بعد ميعاد الإفطار بساعة ليجدها تنتظره بحب.
فيجلس على كرسي مكتبه بتعب ويتذكر آخر قصة قد قصتها عليه أمس من قصص التى كان يقصها والدها لها فأبتسم وهو يتنهد بقوة!
………………………………………….. ………….
أيام مرت ليأتي يوم دخولها إلى عش بيتهم الجديد ليقول هو بتهكم:
أحمد: اتفضلي ولا مكسوفة؟
لتنظر إليه أروي بحزن، وتخفض وجهها أرضاً قائلة بدموع: حرام عليك، أنا قولتلك خلاص ما تشفقش عليا وتتجوزني وسيبني أكفر عن غلطتي لوحدي طول عمري.
وصرخت في وجهه قائلة: أنا راضية أتعاقب بكل حاجة، بس ما أشوفش أكتر إنسان حبيته وسلمتله نفسي بسبب غباء حبي ليه يعاملني كده، يارتني كنت موت.
لينظر إليها أحمد طويلاً.. ويبتعد عنها قائلاً وهو يشير بيده إلى اتجاه غرفتها: ديه أوضتك.. ثم أشار ناحية غرفته: وديه أوضتي.. أظن أنتي عارفة وفاهمة هنعيش إزاي سوا.
فسقطت دموعها بصمت وحركت رأسها بفهم وسارت باتجاه غرفتها وهي تحمل بيدها طرف فستانها بانكسار.
………………………………………….. ……………

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *