رواية عشق القلوب بقلم سهام صادق

الـــــــفـــــصـــــل الـــــرابـــــع عــــــشــــــر
نظرت إلى كل ركن يحاوطها في ذلك المطعم الفاخر الذي يحتويه هذا الفندق، الذي حينما وقع بصرها على مدخله أحست وكأن هذا المكان قد مر عليها وله ذكرى في ذهنها… لتفيق على لمسات يديه الحانية وهو يرفع أحد يديها ليقبلها، فنظرت إليه بخجل قد أصبح يغزو وجهها بقوة، وأخفضت رأسها أرضاً، لترفعه على صوت أحدهما وهو يقول: مريم!
ويتطلع إلى يوسف باحترام قائلاً: آسف مستر أدورد.
لينظر يوسف إلى نظرات زوجته التائهة ونظرات نسيم مدير أحد فنادقه… فنهض سريعاً وهو يشير لنسيم بالتحرك خلفه.
يوسف: أنت تعرف مريم منين؟
فارتبك نسيم من نظرات يوسف القوية.
نسيم: مستر يوسف، أنت فاهم الموضوع غلط، مريم كانت موظفة هنا لفترة قصيرة وحصلت مشكلة مع أحد النزلاء وبعدها اختفت، حتى أوراقها ومستحقاتها ما خدتهاش… فأنا اتفاجئت بوجودها مع حضرتك.
فنظر يوسف إليه طويلاً وهو يتذكر يوم الحادث… وأنها كانت قريبة من هذا الفندق حقاً، فيفيق من شروده قائلاً: احكي لي سبب المشكلة وهي جت اشتغلت هنا إزاي! فيبدأ نسيم بقص حكايتها له… منذ أن أتت إلى هنا بطلب من سيلا حبيبته السابقة… إلى يوم الحادث.
………………………………………….. ……………………
نظرت أروى إلى ذلك الفيديو الذي يخص زوجها لتنصدم برؤية امرأة أخرى بجانب زوجها، ويوقع بخط يده عقد زواج منها… لتصاحب نظرات أعينها المتألمة طعنة قوية بقلبها… فقد عاقبها بما يكفي… عاقبها بذنب لم تفعله وحدها.. فهبطت دموعها بقوة، فهذه هي المرة الثانية التي يفعلها ولم يمر على زواجهما سوى شهرين… لتسمع صوته وهو يُدندن بسعادة قائلاً بصوت عالٍ:
أحمد: أروى هانم.. انتي يا هانم!
لتظل قابعة في فراشها دون رد، فيدخل عليها بغضب:
أحمد: المفروض إنك تكوني اتعودتِ خلاص… مش هتقولي لي مبروك؟
فتأملته طويلاً وأخفضت رأسها بانكسار.
أروى: مبروك.
فيضحك بقوة قائلاً: مش حاسس إنها من قلبك!
وتصمت حتى يطيل صمتها، فيجذبها من ذراعيها بقوة ويقترب منها بأنفاسه.. ليلتهم شفتيها بقبلة قد طالت… ويشعر باستجابتها له ورغبتها فيه… ولكن كان رد فعله جرحاً آخر يسطره في قلبها.. فدفعها بعيداً عنه قائلاً بتهكم: مبقتش أحس بحاجة معاكي… بقيت قرفان منك!
ويخرج من غرفتها سريعاً غالقاً الباب بقوة خلفه… كاذباً على نفسه وعلى مشاعره فهو ما زال يحبها.
………………………………………….. ……………………
نظرت إليه مريم طويلاً بعدما انتهت من ترديد سؤالها… فوجدته يلتف لها بعدما ترك تصفح هاتفه الجوال الخاص بأعماله قائلاً بهروب من سؤالها: قلتلك إنك مشوفتيش الشخص ده قبل كده.. انتِ اللي بيتهيألك حاجات غريبة!
ليلجمها بكلمة جارحة وهو يتابع حديثه: عايزة تفهميني إنك دخلتي مكان زي ده قبل كده… فنظرت إليه قبل أن تخفض رأسها أرضاً… ليحتضنها هو بحنان.
يوسف: أنا آسف يا مريم، ماكنتش أقصد.
لتتساقط دموعها أكثر وتبتعد عنه قائلة برجاء: احكي لي عن حياتي اللي كانت قبل كده… أنا بقيت بستوعب كل حاجة… أرجوك يا يوسف احكي لي، أنا مش عايزة عقلي يفضل محاط بذكريات طفولتي وبس… أنا مش عايزة أكون كده… عايزة أفهم كل حاجة.
لينصدم من رغبتها ويشعر بالندم من نفسه لما يفعله معها، ولكن هو ما زال يريدها هكذا… فلو علمت حقيقته لانصدمت، فيزفر بضيق من ذلك الاقتراح الذي اقترحه عليه أمجد بأن يخرجها للعالم ولا يجعلها حبيسة قصره… فتشعر بصداع قائلة عندما عبرت السيارة الخاصة بهم مدخل قصرهم… لتتأمل مدخل القصر بتركيز.
مريم: هتصدقني لو قولتلك أنا حاسة إني جيت هنا قبل كده.. أنا حاسة في حاجات كأني عملتها بس مش فاكرة!
ليلجمه اعترافها… ويخرج من سيارته سريعاً بعدما وقف سائقه ليفتح له أحد أبوابها.. فيجدها واقفة تنظر حولها بشرود لأول مرة… فيلتف إليها ويسحبها خلفه قائلاً: ادخلي يلا يا مريم، الجو برد عليكي.
………………………………………….. ……………………
توسدت سالي صدر أمجد وأمسكت أحد أيديه المتشابكة ببعضها والموضوعة على صدره… ووضعتها على جنينهم القادم، فانتبه أمجد الشارد لفعلتها وأحاطها مبتسماً.
أمجد وهو يقبل أحد أيديها: ربنا يخليكم ليا يا حبيبتي.
لترفع سالي بجسدها وتلتف بوجهها لتكون مقابلة له… وانحنت بشفتيها كي تقبله وهي تردد في عقلها كلمة واحدة: لازم أرجعه لي تاني.
وتتذكر محادثتها الأخيرة مع والدتها… عندما أخبرتها بفتور العلاقة بينها وبين أمجد، لتصرخ بوجهها قائلة: انتِ اتجننتِ.. عايزة واحدة تسرق جوزك منك ويسيبك وتجيلي… فوقي يا سالي ورجعي جوزك ليكي، هو انتِ كنتِ تحلمي براجل زيه؟
واتبعتها أمها محذرة: أوعي تكوني بتحبى راجل غير جوزك… لتضطرب في الحديث… فتضحك والدتها قائلة وهي تعاود ذكرياتها الحمقاء: ابقي تخيليه في جوزك يا هبلة.. ما أنا عمري ما كنت بحب أبوكي الله يرحمه.. وأي راجل يعجبني كنت أتخيله فيه هو… وتتذكر زوجها الجديد قائلة بحماقة عجوز: أنا مصدقت أجوزهولك… وقدرنا نوقعه يا بنت بطني ولا نسيتِ!
وتفيق من شرودها المقزز على لمسات أمجد الحانية وهو يقول: روحتي فين يا حبيبتي؟
فتنتبه سالي لشرودها قائلة دون وعي: هو ليه يوسف لحد دلوقتي مظهرش جوازه للصحافة والمجلات!
………………………………………….. ……………………
تسطح يوسف بجانبها على الفراش ومد ذراعيه كي يأخذها بين أحضانه… ولكن انتهت قبضة يديه بلمس لا شيء لابتعادها عنه… فاقترب منها كي يداعبها بحنان كما اعتادت منه.
يوسف: بنوتي الحلوة زعلانة مني ليه؟
فهبت مريم مبتعدة عنه ممسكة بوسادتها لتحتضنها قائلة: أنا مش بنوتك ولا أنا طفلة… ونهضت من على فراشها وظلت تنظر إلى جسدها في المرآة المقابلة لها في غرفتهما.
مريم: شايفة أنا شكلي كبير أهوه، مش عشان ذاكرتي بقيت مقتصرة على جزء بسيط من حياتي… وبكت بحرقة وهي تقول: أنا مش فاكرة شكل أهلي… مش فاكرة غير ذكرياتي معاهم اللي بتجيلي في أحلامي ولولاها ماكانتش هفتكر حاجة.
فاقترب منها ليضمها بقوة إلى صدره حتى قال بألم: مش انتِ قلتِ لي إنك مش عايزة من الدنيا دي غيري… وإن أنا كل حاجة في حياتك يا مريم.. ليه خلفتِ وعدك؟
فبكت بحرقة أكثر وارتمت على صدره كالقطة حتى قالت بصوت قد احتل البكاء جزءاً كبيراً من نبرتها:
مريم: نفسي أفتكر الناس اللي كنت بحبهم كلهم.. حتى لو كانوا وجعوني وأذوني… عايزة أعرف أمي.. وأسأل عنها.
وصمتت قليلاً لتضع وجهها بين راحتي كفيها وابتعدت عن أحضانه باكية بحرقة: خايفة تكون ماتت.. خايفة يكون ده من الجزء الباقي من ذكرياتي وأنا مش فاكرة.
فيعود لضمها ثانية: لأ يا مريم، مامتك عايشة، عمك قالي كده.
فاستكانت بين أحضانه حتى قالت: عمي.. وظلت تفكر في ذلك العم لتتذكر لقاءً واحداً محفوراً في ذاكرة طفولتها معه ومع امرأة… لتتذكر أنها عمتها ولكن كل ذلك كان بصورة مشوشة… فيأتي بذهنها صراخهم بها وبوالدتها عند وفاة والدها وهما يقولون: مابقاش في حاجة تربطنا بيكم خلاص.
فيفيقها يوسف من شرودها وهو يرفع وجهها بأطراف أصابعه: عمك اللي كان شاهد على عقد جوازنا ووكيلك يا مريم، فاكراه؟
فتهز برأسها نافية: مش فاكرة، ماكنتش واخدة بالي من حاجة ولا كنت فاهمة حاجة… كل اللي كنت عايزاه أبقى معاك انت وبس.
فابتسم بسعادة وضمها إليه أكثر: أوعدك إني هدورلك على باقي أهلك.. بس أوعدي يوسف إنك مش هتفكري غير فيه وبس.
وحملها بين ذراعيه ليسطحها على فراشهما.. وابتسم لها لتبادله ابتسامته بابتسامة خجلة وهي تحرر رقبته من بين ذراعيها ويتسطح بجانبها ويأخذها بين ذراعيه ويضمها بقوة.
يوسف: إحنا هنسافر باريس لفترة يا مريم عشان عندي صفقة كبيرة هناك ولازم أكون متواجد في باريس.. وماتخافيش عندنا هناك قصر حلو زي ده برضه.
فتلمع عيناها بالدموع قائلة: طب وياسين؟
ليداعب هو أنفها الصغير بحنان قائلاً: يعني ياسين ولا يوسف!
فتخفض رأسها خجلاً من إجابتها له: يوسف!
فيبتسم بسعادة لذلك العشق ويلامس وجنتيها حتى يصل إلى شفتيها ناظراً لها بحب ويأخذها معه إلى عالمهم الخاص.
………………………………………….. ……………
تلملمت ريما بفراشها ناظرة إلى مكان زين الفارغ بجانبها ضاحكة بسخرية عندما جاءت إليها إحداهن تبلغها باصطحابه لأخرى لقضاء إحدى الليالي المثيرة كما تفعل هي.
فسقطت دمعة من بين جفونها على تلك الحياة التي تحياها بسبب ذلك الوضيع الذي ضحك عليها بما يسمى الحب، لتتذكر مريم ولكن عقلها طرد كل ذلك سريعاً وجعلها تعود لرشدها الذي أصبحت عليه وأقنعت نفسها بأن هذه هي حياتها التي لابد أن تحياها ونسيت بأن النفس لأمارة بالسوء.
وازدادت ضحكتها الساخرة أكثر عندما مر بذهنها ذكرى ذلك الثري العربي الذي أصبحت لا تعلم عنه شيئاً منذ تلك الليلة.
فلاش باك!
وأغمضت عيناها وهي تتذكر عندما طلب منها الزواج فعرضت عليه جسدها مقابلاً للمال وليس ذلك العقد الذي أصبح لا يفرق معها… ولكن صفعته لها كانت الأقوى ليصرخ بها قائلاً: اخرسي يا نادية!!
اخرسي، ماذا فعلتِ بي كي تفعلي بي هذا كله؟ أصبحتِ ساقطة.. سنتزوج يا نادية ولن أتركك فأنا مراد حبيبك.
لتتسع حدقة عيناها وتنظر إليه بخوف ليكون هذا جنوناً.. وتتركه راكضة وهي تقول: حقاً إنك لمجنون وبدون عقل!
وتفيق من شرودها على زين الذي قد عاد من ليلته تلك واستلقى بجانبها على الفراش بسُكر.
………………………………………….. …………




