راقصة بين الذئاب بقلم مايا خالد

راقصة بين الذئاب بقلم مايا خالد
​القاعة كانت فخمة زيادة عن اللزوم، ريحة السيجار غالية والوجوه كلها باردة، كأنهم تماثيل من ثلج. “ماريا” كانت واقفة وبكل فخر حاطة إيدها على كتف البنت اللي لسه واصلة من يومين، وبتقول بصوت عالي: “يا جماعة، أحب أعرفكم على فيتوريا، بنتي ووريثتي.. الدم الإيطالي اللي رجع لمكانه أخيراً”.
​فيتوريا كانت واقفة بتسمع والوجع بياكل قلبها. “فيتوريا مين؟” هي بداخلها “ليلى”.. البنت اللي كبرت في حواري العرب، اللي شربت من شمسها وتعلمت الضحكة والجدعنة هناك. فجأة حست إنها مخنوقة من الفستان ومن نظراتهم اللي بتفحصها كأنها قطعة ألماظ للبيع.
​بدون ما تفكر، مشت بخطوات واثقة لعند الفرقة الموسيقية، وطلبت منهم يغيروا النغمة. الكل انصدم لما الموسيقى الكلاسيكية الهادية قلبت فجأة لـ “دقة طبلة” شرقية حامية بتهز المكان.
​فيتوريا قلعت الشال اللي على كتافها وربطته على خصرها بحركة سريعة، وبدأت ترقص. رقصها ما كانش دلع، كان “تحدي”. كانت بتهز القاعة كلها بجمال شرقي أصيل، كأنها بتقول لأمها وللمافيا كلها: “أنا مش منكم، أنا بنت الأرض اللي ربتني، أنا عربية وغصب عنكم”.
​في الزاوية الضلمة فوق، كان قاعد “ليوناردو”.. القـ.اتل اللي الكل بيخاف حتى يهمس باسمه. كان ماسك كاسه وبيرقبها بنظرات حادة زي السكين. ليوناردو شاف في عيونها شي ما شافه في أي ست تانية.. شاف “تمرد” بيشبه جنونه.
​ابتسم ابتسامة خفيفة ومرعبة وهو بيشوفها بترقص بوسط الوحوش وما همها حد، وهمس لنفسه: “ماريا فاكرة إنها جابت بنتها.. وهي ما تعرفش إنها جابت اللعنة اللي هتحرق إيطاليا كلها.. واللعنة دي لازم تكون ملكي أنا وبس”.

أول ما الموسيقى سكتت، القاعة كلها كانت في حالة ذهول.. سكوت مرعب مفيش فيه غير صوت أنفاس فيتوريا العالية وهي بتبص لأمها بتحدي. ماريا كانت وشها جايب ألوان من الكسوف والغضب، بس قبل ما تنطق بكلمة واحدة، فيتوريا لمت شالها وخرجت بسرعة لجهة البلكونة الكبيرة عشان تشم شوية هواء، بعيد عن ريحة النفاق اللي في القاعة.
​كانت واقفة بتهدي ضربات قلبها، وفجأة حست ببرودة غريبة وريحة عطر تقيلة.. عطر ريحته “خطر”.
​”رقصك كان فيه وجع.. أكتر من الفن،” صوت رجالي عميق وهادي طلع من الضلمة وراها.
​فيتوريا لفت بسرعة وهي مخضوضة، شافته واقف.. طويل، لابس أسود في أسود، وعيونه فيها لمعة غريبة تخلي الواحد ينسى الكلام. عرفته فوراً، ده “ليوناردو” اللي الكل بيحذر من نظرة عينه.
​قرب منها ببطء لحد ما بقى مفيش بينهم غير خطوة واحدة، وقال بنبرة سخرية: “السنيورا ماريا قالت إنك كنتِ في رحلة.. بس واضح إنك كنتِ في وطن، والوطن ده لسه ساكن فيكي.”
​فيتوريا رفعت راسها وقالت بقوة وهي بتحاول ما تترعش: “الوطن مش رحلة بنرجع منها يا سنيور.. أنا هنا بجسمي بس، وروحي لسه هناك.”
​ليوناردو ضحك ضحكة خفيفة مرعبة، ومد إيده لمس خصلة من شعرها وقال: “عارفة.. أنا شغلي إني أطفي الأرواح اللي زيك، بس شكلي المرة دي هغير مهنتي.. أنا مش بس عايز روحك، أنا عايز أعرف إزاي بنت صغيرة زيك قدرت تخلي ‘الحاصد’ قلبه يدق مع دقة الطبلة بتاعتها.”
​فيتوريا اتجمدت مكانها لما حست ببرودة المسدس اللي لمحته في جيبه، بس هو كمل كلامه وهو بيهمس في ودنها: “من النهاردة، مفيش حد مسموح له يشوفك بترقصي غيري.. ولو فكرتِ تهربي لبلدك، هحرق البلد دي عشان ترجعي لي تاني. فهمتِ يا ليلى؟”
​الصدمة خلت لسانها يربط.. هو عرف اسمها “ليلى” إزاي؟ والاسم ده محدش يعرفه في إيطاليا كلها!
​فيتوريا (أو ليلى) حست برعشة في جسمها مش خوف، لكن لأنها لأول مرة تحس إن فيه حد قدر “يقرأها” بجد. سحبت نفسها منه بقوة وقالت وهي بتحاول تبان متماسكة: “اسمي فيتوريا هنا، وليلى هناك.. وأنت لا بتعرف ليلى ولا ليك سلطة على فيتوريا.”
​سابت ليو واقف مكانه ودخلت القصر وهي بتدور على أمها، لقت “ماريا” واقفة في نص المكتب، وشها كان أحمر من الغضب، وأول ما شافت بنتها، قفلت الباب بقوة وصرخت: “إيه اللي عملتيه ده؟ أنتِ عارفة أنتِ بنت مين؟ رقص بلدي وسط زعماء الكامورا؟ عايزة تصغري راسي قدامهم وتعرفيهم إني كنت مخبياكي في حارة؟”
​ليلى ردت ببرود: “أنا ما طلبتش أكون بنتك، ولا طلبت أجي هنا. أنتِ اللي جيتي خدتيني من وسط ناسي وحياتي عشان تعملي مني دمية إيطالية.. والرقصة دي كانت عشان أفكرك وأفكرهم إني مش منكم.”

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *