أسيرة الانتقام ل مايا خالد

نور طول عمرها كانت عايشة ورا جدران القصر، أبوها كان مسميها عصفورة الجنة، بس الحقيقة إنها كانت عصفورة في قفص دهب. ممنوع تخرج، ممنوع تلمس الشارع، “العالم بره وحش يا نور” كانت دي الجملة الوحيدة اللي بتسمعها منه. في يوم عيد ميلادها العشرين، وافق أخيراً يفسحها. لبست أحلى ما عندها وقلبها بيدق من الفرحة، بس الفرحة مكملتش. في نص الطريق، حصل هجوم مسلح.. رصاص وصريخ ودم. شافت أبوها، سندها الوحيد، بيلفظ أنفاسه الأخيرة قدام عينها وهو بيحاول يحميها. ملحقتش حتى تعيط عليه، لقت إيد خشنة سحبتها بقوة ورمتها في عربية سودة.. غابت عن الوعي وهي سامعة صوت ضحكة مكتومة. صحت نور لقت نفسها في أوضة باردة، واسعة، بس كئيبة. الباب اتفتح ودخل راجل هيبته ترعب، ملامحه حادة وعيونه فيها غلّ قديم. ده هو صقر، الاسم اللي كان أبوها بيذكره بخوف ويقول عليه الشيطان. صقر قرب منها ووقف قدامها بكل كبرياء وقال: أبوكي غار، وساب لك ورث تقيل.. بس مش فلوس، ساب لك طاري اللي مبردش من سنين. نور وهي بترتعش وصوتها مخنوق بالبكا: أنت مين؟ وأنا مالي بمشاكلكم! أرجوك خليني أمشي أدفن أبويا. صقر ضحك ببرود ورد عليها: تمشي؟ أنتي دلوقتي ملكي. أبوكي أخد مني أغلى ما أملك، والقدر جابك لحد عندي عشان أحرق قلبه فيكي، حتى وهو تحت التراب. موتك هيكون بطيء يا بنت السلّام، هتعيشي هنا أسيرة، تشوفي النور بس ماتلمسيهوش، تماماً زي ما عاش أبوكي خايف عليكي.. دلوقتي الخوف بقى حقيقة. مرت الأيام ونور محبوسة في جناح لوحدها في قصر صقر. كان بيتعمد يكسر هيبتها، يخليها تخدمه، أو يمر من جنبها ويفكرها إزاي كان أبوها ظالم في نظره. نور كانت ضايعة بين حزنها على أبوها، وبين الرعب من الراجل ده اللي عيونه بتحكي قصص انتقام مابتخلصش. بس في لحظات، كانت بتلمح في عيون صقر حزن غريب، كأنه هو كمان سجين لحاجة حصلت في الماضي. هل معقول الظالم يكون مظلوم؟ وهل تقدر العصفورة الرقيقة إنها تروض الأسد؟ الجريح؟
الدنيا كانت ليل، والقصر هادي هدوء يقبض القلب. نور كانت واقفة قدام الشباك الكبير، باصة للسما وبتحاول تفتكر شكل الشارع اللي مالحقتش تشبع منه، ودموعها نازلة وصوت شهقاتها مكتوم. فجأة، الباب اتفتح بخبطة قوية خلتها تنط من مكانها. دخل صقر وهو قالب وشه، فك كرافتته ورماها على الكرسي بإهمال، وعيونه كانت بتلمع ب غضب غريب. قرب منها لحد ما بقى ورا ظهرها مباشرة، لدرجة إنها حست بحرارة أنفاسه على رقبتها. صقر بصوت واطي وناشف: ليه ملمستيش الأكل اللي طلعلك؟ فاكرة إنك لما تضر,بي عن الأكل هصعب عليكي وهقولك يا عيني يا بنتي روحي بيتكم؟ نور لفت له بسرعة وعيونها حمرا من كتر البكا، بس كان فيها نظرة تحدي: مش عايزة آكل.. مش عايزة منك حاجة. أنت خطفتني من جنازة أبويا، عايزني أعمل إيه؟ أقعد أتعشى معاك وأضحك؟ صقر قرب خطوة كمان، وحاصرها بينه وبين الشباك، وسند إيده على الحيطة وهو بيبص في عيونها بقوة: مايا خالد أبوكي اللي بتعيطي عليه ده مكانش ملاك يا نور. فوقي بقى من الوهم اللي كنتي عايشة فيه. القصر اللي كنتي محبوسة فيه ده، اتبنى بفلوس ناس اتظلمت، وبدموع أهالي ماتوا بسبب طمعه. نور صرخت في وشه وهي بتحاول تدفعه بيديها الصغيرين: كذاب! أنت واحد حقود وعايز تطلع غلك فيه وخلاص! بابا كان بيخاف عليا من الهوا الطاير! صقر مسك إيديها الاتنين بقبضة واحدة قوية ورفعهم فوق راسها، وضغط عليها وهو بيقول بلهجة فيها تشفي: كان بيخاف عليكي عشان عارف إن حسابه تقل، وعارف إن في يوم من الأيام هيجي اللي يدفعّه التمن في أغلى ما عنده. واليوم ده جه يا بنت السلّام.. والقدر رماكي تحت إيدي عشان أحرق قلبه وهو في تربته. نور بدأت تترعش وصوتها بيقطع: أنت وحش.. أنا بكرهك أكتر من أي حاجة في الدنيا. صقر ضحك ضحكة باردة ومستفزة، وساب إيدها فجأة لدرجة إنها كانت هتقع: الكره ده هو اللي هيخليكي صاحية وعارفة أنتي واقفة قدام مين. من بكرة الصبح، تنزلي المطبخ وتعمليلي قهوتي بإيدك.. عايزك تعرفي مقامك الجديد كويس. أنتي هنا مش ضيفة، أنتي هنا “حق” وبسترده. سابها وخرج ورزع الباب وراه، ونور اترمت على الأرض وهي بتعيط بحرقة، مابقتش عارفة تخاف من صقر، ولا تخاف من الحقيقة اللي بدأ يكشفها عن أبوها.ثاني يوم الصبح، نور نزلت المطبخ وهي حاسة إن رجليها مش شايلاها. عملت القهوة زي ما صقر أمر، وطلعت لمكتبه بخطوات مرعوشة. خبطت ودخلت، لقت المكتب فاضي بس ريحة سجائره كانت مالية المكان. حطت القهوة على المكتب، وجت تمشي، عينها وقعت على “درج” موارب شوية. الفضول وجعها، وبدون تفكير مدت إيدها وفتحت الدرج. لقت ملف قديم ولونه باهت، وفي وسط الورق كانت فيه صورة فوتوغرافية متنية من الحروف. نور سحبت الصورة وأول ما شافتها حطت إيدها على بوقها عشان متصرخش. الصورة كانت لواحدة ست جميلة جداً، شبه صقر بشكل كبير، وواقفة بتضحك.. وجنبها والد نور! بس الغريب إن والد نور في الصورة كان ماسك إيد الست دي بحب، وفي خلفية الصورة كان فيه بيت بسيط مش قصر من اللي هي عاشت فيه. قلبت الصورة لقت مكتوب بظهرها بخط إيد أبوها: مايا خالد يا ريتني قدرت أحميكي منهم يا فريدة.. وعد مني هيفضل سرنا محبوس حتى عن ابني. نور حست إن الدنيا بتلف بيها. ابني؟ يعني صقر يبقى أخوها؟ ولا الست دي كانت تخص صقر وأبوها هو اللي دمر حياتها؟ وفجأة، سمعت صوت القفل بتاع الباب بيتحرك، وصوت صقر من وراها جه زي الرعد: أنتي بتعملي إيه عندك؟ أنا قولت قهوة، مش تفتيش في أسراري! نور لفت بسرعة وهي مخبية الصورة ورا ظهرها، وجسمها كله بيتنفض، وصقر قرب منها وعيونه كلها شرار وهو شايف وشها المخطوف.نور كانت واقفة مرعوبة، والصورة ورا ظهرها، وإيدها بتترعش لدرجة إن الورقة كانت بتخروش. صقر قرب منها بخطوات سريعة ووشه محقن بالدم، ملامحه كانت مخيفة لدرجة إنها رجعت لورا لحد ما خبطت في المكتب. صقر بصوت واطي ومرعب: هاتي اللي في إيدك يا نور.. متخلينيش أمد إيدي عليكي. نور بدموع وتلعثم: دي.. دي مجرد ورقة.. مكنش قصدي والله، أنا بس كنت.. صقر مقاطعة وهو بيجز على سنانه: قولت هاتيها! وفجأة، هجم عليها ومسك دراعها بقوة، نور حاولت تقاوم وتخبي الصورة أكتر، بس صقر كان أسرع وأقوى بكتير. لف دراعها ورا ظهرها بحركة خاطفة وجمد حركتها، وبالإيد التانية شد الصورة من بين صوابعها بعنف. أول ما عينه وقعت على الصورة، جسمه كله اتصلب. ملامحه اتغيرت من الغضب للذهول، وبعدين لـ وجع مداري ورا قناع من القسوة. ساب إيد نور فجأة لدرجة إنها اتسندت على المكتب عشان متوقعش. صقر وهو باصص للصورة وصوته بيتحشرج: أنتي شوفتي دي؟ شوفتي المكتوب وراها؟ نور وهي بتنهج من الخوف: مين دي يا صقر؟ وليه بابا كاتب لها الكلام ده؟ وليه بتقول إن فيه سر محبوس عن ابنه؟ أنت ابنه يا صقر؟ أنت أخويا؟ صقر لف لها فجأة وعيونه كانت بتلمع بدموع رفضت تنزل، وصرخ بوجع: أخوكي مين؟ أبوكي ده الشيطان اللي سرق أمي من أبويا! الست دي كانت أمي، وأبوكي استغل نفوذه وفلوسه عشان ياخدها، وهرب بيها وحرمنا منها سنين.. ولما رجعت لنا كانت جثة هامدة! نور برقت عيونها بذهول: يعني إيه؟ ماما ماتت وأنا صغيرة، وبابا قالي إنها كانت تعبانة.. صقر قرب منها ومسك كتافها وهزها بقوة: أبوكي ق,تلها بالبطيء! كان حابسها زي ما كان حابسك، بس الفرق إنها كانت بتكرهه. السر اللي بيتكلم عنه هو “الخيانة”.. أبوكي دمر عيلة كاملة عشان يرضي أنانيته، وأنا هنا مش عشان أخليكي أسيرة وبس.. أنا هنا عشان أعرفك إن “البطل” اللي كنتي شايفاه، كان هو “الوحش” في قصة ناس تانية خالص! نور انهارت على الأرض وهي مش قادرة تستوعب، وصقر رما الصورة على المكتب وسابها وخرج من المكتب وهو بيخبط الباب وراه بكل قوته، وساب ريحة القهوة تبرد، زي ما قلوبهم بردت من الصدمة.الليل دخل، والمطر بدأ ينقر على شباك أوضة نور زي دقات قلبها الخايفة. مكنتش قادرة تنام، كلام صقر عن أبوها كان زي السكاكين اللي بتقطع في روحها. فجأة، سمعت صوت حاجة بتتكسر في الصالة بره، وصوت خطوات تقيلة ومش متوازنة. فتحت الباب براحة، لقت صقر قاعد على الكنبة، قميصه مفتوح، وشعره منكوش، وفي إيده إزازة، وريحته كانت باينة إنه شرب لحد ما غاب عن الدنيا. لأول مرة، نور مشوفش في عيونه الجبروت، شافت طفل ضايع ومكسور. نور قربت منه بتردد: صقر.. أنت كويس؟ صقر رفع راسه وبصلها بعيون غرقانة بالدموع، وضحك ضحكة وجع: أهو.. بنت السلّام جت عشان تشمت فيا. شوفتي “الوحش” وهو واقع؟ شوفتي صقر اللي الكل بيترعب منه وهو مش قادر يسلب طوله؟ نور سحبت منه الإزازة بهدوء وحطتها على التربيزة، وقعدت بعيد عنه شوية: أنا مش شمتانة فيك يا صقر.. أنا مكسورة زيك. اللي أنت قولته عن بابا.. صقر قطع كلامها وهو بيقرب منها، وصوته بقى واطي ومبحوح: أنا كنت بشوفه في كوابيسي كل يوم. كنت بشوفه وهو بياخد أمي مننا وهي بتصرخ وتنده عليا. كنت طفل يا نور، طفل ملوش ذنب. فضلت سنين بكبر بس عشان اليوم اللي أقف فيه قدامه وآخد حقي.. بس هو مات! مات وهرب مني! سكت لحظة وبدأ يضحك بهستيريا وهو بيمسح دموعه بظهر إيده: عارفة إيه المضحك؟ إني كنت ناوي أعذبك.. كنت ناوي أخليكي تدفعي تمن كل دمعة نزلت من عيني. بس كل ما أبص في وشك، بشوف فيها. أنتي فيكي من ملامحها، فيكي من رقتها.. أنا مش عارف أكرهك يا نور، ودي أكبر هزيمة ليا. نور حست بقلبها بيدق بطريقة غريبة، قربت منه ولمست كتفه بحذر: صقر، أنت مش وحش.. أنت بس موجوع. والوجع ده هو اللي مسيطر عليك. صقر فجأة رمى راسه على كتف نور، كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين عشان يسند تعبه. بدأ يهمس بصوت مش مفهوم: متسيبنيش يا نور.. متكونيش زيه وتكسريني. أنا تعبت من الانتقام، وتعبت من كوني صقر الوحش. نور فضلت ثابتة مكانها، حاسة بدموعه بتنزل على كتفها. في اللحظة دي، القفص اللي كان حابسها فيه مابقاش سجن، والراجل اللي كان عدوها مابقاش جلاد.. الاتنين بقوا مجرد ضحايا لماضي هما ملهومش يد فيه.الصبح طلع، والشمس دخلت من الشباك كانت حامية وكأنها بتفوقهم على واقع جديد. نور صحيت وهي لسه قاعدة على الكنبة، ولقت صقر نايم وراسه على كتفها.. كان شكله هادي جداً وهو نايم، لدرجة تخلي الواحد ينسى كل اللي عمله. أول ما صقر بدأ يفتح عينه ويحس بوزن راسه على كتف نور، اتنفض مكانه وكأنه لمس نار. قام وقف بسرعة، وبدأ يلملم شتات نفسه، ويقفل زراير قميصه بإيد مرعوشة بس بيحاول يخبيها. نور قامت وهي لسه مأثورة بمنظر صقر بتاع بالليل، وقالت بصوت هادي: صقر.. أنت نمت كويس؟ صقر لف لها، وفي ثانية واحدة، القناع اللي كان واقع بالليل رجع مكانه. عيونه رجعت باردة زي التلج، وصوته بقى ناشف ومفيهوش أي ذرة حنية. صقر بحدة: أنتي لسه هنا ليه؟ ومين سمحلك تقعدي جنبي كدا؟ نور استغربت وقالت: أنت نسيت اللي قولته بالليل؟ أنت كنت تعبان ومحتاج حد جنبك.. أنت قولتلي متسيبنيش يا نور! صقر ضحك ضحكة استهزاء عالية وسامة: أنا قولت كدا؟ يبقى الشرب كان مأثر عليا بزيادة. الكلام اللي بيتقال بالليل بيموت مع أول خيط شمس يا شاطرة. أوعي تفتكري إن كلمتين قولتهم وأنا مش في وعيي هيخلوني أنسى أنا مين وأنتي بنت مين. نور اتصدمت من جحوده ورجعت خطوة لورا: بس أنت كنت بتبكي.. كنت طفل ضايع! صقر قرب منها بخطوات سريعة وضغط على دراعها، وعيونه بتلمع بشر: الطفل ده مات من زمان، واللي قدامك ده هو اللي هيخليكي تندمي على كل لحظة شوفتيني فيها ضعيف. اللي حصل بالليل ده “غلطة” ومش هتتكرر، ولو جبتي سيرة حرف واحد من اللي سمعتيه.. مش هيحصلك طيب. رمى دراعها بعنف وكمّل ببرود: نص ساعة وتنزلي المكتب، المبرد بتاع الورق عايز يتمسح، والملفات تترتب.. ومشوفش عينك في عيني طول اليوم. فاهمة؟ خرج من الصالة بكل كبرياء، وساب نور واقفة مكانها مش مصدقة. كانت حاسة إنها شافت روحه بالليل، بس دلوقتي هي قدام حيطة سد. هي متأكدة إن ورا القسوة دي وجع بيحاول يداريه بأي شكل.نور مابقتش قادرة تسكت، وقررت إنها مش هتستسلم لكلام صقر ولا لقسوته. استغلت إنه مشغول في اجتماع مع رجالته، ودخلت أوضة “الأرشيف” القديمة اللي في بدروم القصر، المكان اللي صقر شايل فيه كل الأوراق القديمة اللي تخص عيلته وعيلة السلّام. فضلت تدور بين الصناديق وهي خايفة حد يشوفها، لحد ما لقت صندوق خشبي صغير متداري ورا ملفات كتير. فتحته ولقت رسايل قديمة مربوطة بشريط أسود. بدأت تقرأ بلهفة، وكانت الصدمة! الرسايل ماكنتش بين أبوها وأم صقر بس.. دي كانت رسايل من شخص تالت خالص، واحد كان بيمضي باسم (العقرب). الشخص ده كان بيبعت رسايل تهديد لأبو نور، وبيقوله فيها: لو ما أخدتش فريدة بعيد عن جوزها، أنا هق,تلها وأق,تل ابنها صقر وألبسك التهمة. نور برقت عيونها وهي بتقرأ رسالة تانية موجهة لأم صقر (فريدة) بتقول: جوزك بيخونك مع عدوته، والسلّام هو الوحيد اللي يقدر يحميكي منه، اهربي معاه لو عايزة ابنك يعيش. نور فهمت اللعبة! فيه حد “وقع” بين العيلتين، وخلى أبوها يظهر في صورة الخاطف عشان يحمي فريدة، وخلى صقر يفتكر إن أبوها هو اللي دمر حياتهم. وهي لسه ماسكة الورق، حست بطلعة حد وراها. لفت برعب لقت عم نصحي، أكبر خدام القصر وأكتر واحد صقر بيثق فيه. نور بصوت مرعوش: عم نصحي.. إيه الورق ده؟ ومين (العقرب) ده اللي كان بيهدد الكل؟ عم نصحي اتنهد تنهيدة طويلة وعيونه كان فيها ندم وقال بصوت واطي: كنت عارف إن اليوم ده هييجي والسر هيتفتح يا بنتي. العقرب ده يبقى “عم” صقر.. أخو أبوه! هو اللي كان عايز يورث كل حاجة، وكان لازم يخلص من أخوه ومراته ويوقع السلّام في النص عشان يضر,ب عصفورين بحجر. نور بصدمة: يعني صقر عايش طول عمره بيكره الشخص الغلط؟ وبيعمل فيا كدا وهو مش فاهم إننا كلنا ضحايا؟ عم نصحي: صقر لو عرف الحقيقة دي دلوقتي ممكن يهد القصر على اللي فيه.. العقرب لسه عايش يا نور، وموجود وسطنا، وهو اللي بيسخن صقر عليكي من بعيد لبعيد عشان يخلص من آخر سلالة السلّام! في اللحظة دي، سمعوا صوت خطوات صقر العنيفة وهي بتقرب من الباب..نور حست إن الأرض بتلف بيها، بس فجأة الخوف اتحول لقوة. مسكت الورق في إيدها وجريت على السلم، وعم نصحي بيحاول يوقفها وهو مرعوب: يا بنتي استني، صقر في الحالة دي ممكن يتهور! لكن نور مسمعتش لحد، ودفعت باب المكتب بقوة لدرجة إن صقر قام من مكانه مفزوع، وكان معاه اتنين من رجالته. صقر صرخ بصوت زلزل المكان: أنتي إزاي تتجرئي وتدخلي عليا كدا؟ أنا مش قولت مشوفش وشك طول اليوم؟ نور متهزتش، وقربت منه ورمت الورق والرسائل على مكتبه قدام رجالته وقالت بصوت عالي وواضح: أنا جيت أوريك إنك كنت عايش كذبة كبيرة يا صقر.. جيت أقولك إن الوحش الحقيقي مش أبويا، الوحش الحقيقي هو اللي واقف جنبك وبياكل معاك في طبق واحد! صقر بص للورق باستحقار وقال: إيه القرف ده؟ أنتي فاكرة إن شوية ورق هيغيروا اللي شوفتوا بعيني؟ نور بصوت مليان ثقة: اقرأ يا صقر! اقرأ خط (العقرب).. اقرأ التهديدات اللي كانت بتروح لأمي وأبوك. اقرأ وشوف مين اللي كان عايز يخلص من عيلتك كلها عشان يورث “الفتات” اللي أبوك سابه. صقر سحب ورقة وهو بيجز على سنانه، وبدأ يقرأ. ملامح وشه بدأت تتغير من الغضب للذهول، وبعدين للرعب. إيده بدأت تترعش وهو بيشوف ختم عمه (العقرب) على رسايل التهديد. نور كملت وهي بتبكي: أبويا محبسش أمك، أبويا كان مخبيها عشان يحميها من أخو جوزها اللي كان عايز يقت,لها! السر اللي كان مخبيه عنك هو إنه مكنش عايز يكسر صورتك في عمك، أو يمكن كان خايف من غدره. إحنا الاتنين دفعنا تمن لعبة قذرة مالناش ذنب فيها. صقر بص لعم نصحي اللي كان واقف بعيد ومنزل راسه في الأرض، صقر سأله بصوت يشبه الحشرجة: الكلام ده صح يا نصحي؟ عمي هو اللي عمل كدا؟ نصحي هز راسه بأسى: للأسف يا صقر بيه.. الحقيقة كانت أوسخ مما نتخيل، وأنا سكت خفت على عمرك منه وأنت صغير. صقر فجأة مسك فازة كريستال على المكتب ورماها في الحيطة بكل قوته وصرخ صرخة هزت أركان القصر. بص لنور ونظرته كانت ضايعة، مكسورة، ومليانة ندم يهد جبال. قرب منها ببطء، ونور لأول مرة مش خايفة منه. وقف قدامها ومنزل عينه في الأرض وقال بصوت مكسور: أنا عملت فيكي إيه؟ أنا كنت بخلص طاري في الشخص الوحيد اللي كان ممكن يواسين؟ صقر كان زي البركان اللي استوى وخلاص هينفجر. ملامحه اتحولت من الندم لشر غريب، بس المرة دي الشر مش موجه لنور، ده موجه للتععبان اللي كان مربيه في بيته. صقر زعق في رجالته: جهزوا العربيات! الكل يتحرك.. النهاردة هنقطع راس الأفعى اللي عاشت وسطنا سنين! لف لنور ومسك إيدها، المرة دي مكنتش ماسكة قسوة، كانت ماسكة حد بيدور على أمان وسط العاصفة: انتي هتيجي معايا يا نور. لازم تشوفي حق أبوكي وحق أمي وهو بيرجع. لازم تشوفي نهايته بعينك. نور ركبت جنبه في العربية، وصقر كان سايق بسرعة جنونية، ووراه أسطول عربيات. وصلوا لفيلا بعيدة في حتة مقطوعة، دي “وكر” العقرب. صقر نزل ومعاه سلاحه، ورجالته حاصروا المكان في ثواني. دخل صقر الفيلا وكسر الباب برجله، لقى عمه “منصور” (العقرب) قاعد بكل برود بيشرب قهوة. منصور بابتسامة صفرا: إيه يا صقر؟ داخل كدا ليه يا ابني؟ حصل حاجة؟ صقر حدف الورق في وشه وصوته كان طالع من قاع جحيم: حصل إن اللعبة خلصت يا “عمي”. حصل إن “بنت السلّام” اللي كنت عايزني أدبحها، هي اللي فتحت عيني على وساختك. منصور وشه اصفرّ، وبص لنور ب غل وقال: بنت السلّام؟ انت هتصدق العيلة دي يا صقر؟ دي بتلعب بعقلك عشان تهرب! صقر قرب منه ومسكه من رقبة قميصه ورفعه لفوق: الورق ده بخط إيدك، والختم ده ختمك! انت اللي ق,تلت أمي بكسرة قلبها، وانت اللي كنت عايز تخلص مني! السنين اللي فاتت دي كلها كنت بتشرب من دمي وبتوهني عن الحقيقة! منصور لما لقى مفيش مفر، ضحك ضحكة خبيثة وقال: أيوه أنا! أخوك كان ضعيف وميستهلش الورث ده كله، والسلّام كان عائق في طريقي. كان لازم أضر.بهم ببعض، وكنت مستني اللحظة اللي تخلص فيها على بنته عشان أخلص منك بعدها بتهمة قت,لها.. بس طلعت خايب زي أبوك! نور في اللحظة دي طلعت قدام وصوتها كان بيرتعش بس قوي: أنت اللي خايب.. لأنك نسيت إن الحق مبيضيعش، ونسيت إن صقر رغم كل اللي عملته فيه، لسه فيه ريحة من ضمير أمه، الضمير اللي كشفك. صقر بص لعمه بقرف، وزقه على الأرض، ووجه سلاحه لراسه: الموت خسارة فيك.. أنا هخليك تتمنى الموت كل لحظة وأنت ورا القضبان، وهتتفرج عليا وأنا برجع حق كل واحد ظلمته. صقر لف لنور، ونزل سلاحه، وقال قدام عمه وقدام الكل: من النهاردة، مفيش عداوة بين السلّام وصقر.. من النهاردة، نور في حمايتي، واللي يمسها بكلمة يبقى حكم على نفسه بالموت.بعد ما الحقيقة ظهرت وزلزال “العقرب” انتهى، القصر اللي كان سجن لنور اتحول لمكان تاني خالص. صقر أمر بنقل منصور (عمه) للمكان اللي يستحقه ورا القضبان، ورجع هو ونور للقصر، بس المرة دي وهما شايلين حمل تقيل من المشاعر المتلخبطة.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *