رواية لم تكن خطيئتي بقلم سهام صادق

الفصل الرابع (4)

هتفت عبارتها الاخيره بآلم ينهش روحها تلتف نحوه بعدما مسحت دموعها بقوه واهيه

– لا ياقدر حياتنا مع بعض منتهتش… احنا نقدر نكمل سوا… وهيبقى عندنا ولد وانتي كمان هتكوني امه

” امه” كلمه لم تزدها الا آلماً.. لم تشعر بأقتراب كريم منها ولا بذراعيه وهو يطوقها اليه بتملك

– عمر وسافر وطنط الله يرحمها وخالك كل شهر بيكون متجوز واحده… قوليلي هتعيشي ازاي لوحدك

واردف وهو يضم وجهها بين قبضتيه ينظر إلى عينيها الشارده

– عذابنا وزن امي انتهى خلاص…

وبقوه استمدتها من كلماته التي كان يغرزها بقلبها دون رحمه دفعته عنها والآلم يُمزق روحها

– طلقني ياكريم… قولتلك حياتنا مع بعض انتهت..

– مش هطلقك ياقدر… مش هطلقك سامعه… وهتعيشي معايا برضاكي او غصب عنك

صاح بعلو صوته مما جعل والدته تصعد لأعلى تنصدم بمظهر كريم

– أنتي السبب… انتي السبب شوفتي زنك وصلنا لايه… اه دلوقتي انا مش فرحان ان هيبقى عندي عيل

 

****

القت هاتفها بغضب وهي تراه يتجاهل رنينها… دارت حول نفسها كالمجنونه تزفر أنفاسها حانقه.. لتتبدل ملامح وجهها وترتسم فوق شفتيها ابتسامه واسعه تُذكر حالها انها الان هي الفائزه وقد انتصرت على زوجته وحصلت على مرادها

 

 

 

 

جلست جانب خالها في السياره المحمله ب اثاثها تنظر إلى من كان زوجها بدموع صامته ليُدير خالها رأسها نحوه يضمها اليه متحسراً على حال ابنه شقيقته

وقف كريم يُتابعها بعينيه يضغط فوق شفتيه بقوه متماسكاً بصلابه واهيه

اقترب منه رائف يربت فوق كتفيه

– عين العقل اللي عملته ياصاحبي..

– كان عندك حق يارائف طول عمري مبعرفش اقدر النعمه غير بعد ضايعها

وابتسم ساخرا وهو يلتف نحو والدته التي تقف على أعتاب المنزل تبكي حسرة على اثاث ولدها في عتمة الليل

– كلها شهور وهبقي اب مش هو ده اللي كانت عايزه

وكانت هي تلك الجمله التي أصبح يُرددها كما كانت تُرددها والدته كل يوم فوق رأسه الي ان اصبح لا يرى الا ان زوجته امرأه ناقصه لا تعطيه السعاده كامله

 

******

 

 

وضع منير أمامها المال بعدما تم بيع أثاث زيجتها بأكمله

– اخدوا عرسان جداد على قد حلهم… وديه الفلوس

نظرت لخالها ودموعها عالقة بأهدابها تأبى السقوط.. فيقترب منها منير يضمها بين ذراعيه

– مدام متعلقه بالعفش اوي كده ياقدر بعتيه ليه يابنتي

– قلبي وجعني اوي ياخالي… حاسه بنار جوايا… هو انا استحق اللي حصل ده

بكت بمراره وآلم لم يفارقها منذ طلاقها

– لا ياحبيبت خالك انتي ست البنات… هو اللي واطي ميستهلكيش.. بكره ربنا يعوضك بواحد ابن ناس انتي لسا صغيره يابت

أبتعدت عنه تُلملم شتات نفسها تنظر اليه بحسرة

– مافيش واحد هيرضي يتجوز واحده مبتخلفش

– مين قال انك مبتخلفيش

ضحكت بمراره وهي تتذكر حديث حماتها فلو كان ابنها به عيبً ماكانت زوجته حملت بتلك السرعه

– كريم كلها كام شهر ويبقى اب ياخالي..

صمت منير واطرق رأسه حزناً عليها لا يعرف بما يُجيبها

– بقولك ايه انا عامل صنيه بطاطس بالفراخ تستاهل بؤك… اقفلي الشقه وتعالى يلا ناكل سوا

لم يترك لها منير فرصه تعترض ليسحبها خلفها نحو شقته بالأسفل

وهكذا كان “منير” رجل صاحب مزاج عالي محب للنساء والسلطنه الكل ينظر اليه انه بلا نفع ولكنه يحمل داخل قلبه حناناً كبيراً

 

******

 

مسح حبات العرق عن جبينه بعدما أنهى رياضته المفضله ..فأبتسم أدهم وهو يضرب كفه بمضرب التنس

– مبتقبلش الهزيمه ابدا ياكبير

دفعه شهاب برفق فوق كتفه مبتسماً

– شهاب العزيزي مبيسبش حقه

ضحك أدهم مما جعل قلب شهاب يرتاح وهو يرى ابن شقيقه قد عاد لمزاحه وحياته القديمه

– يبقى التحدي المره الجايه

اكملوا سيرهم بضحكاتهم التي جذبت أعين الكثير…لتتجمد ملامح شهاب وهو يرى القادمه نحوه… لم يُغيرها الزمن بل ظلت جميله وانيقه تخطف الانظار حولها ولكن تلك الهاله لم تكن الا إطار يحوي لوحة فارغه

تعلقت أعين أدهم بنظرات شهاب…فلم تكن القادمه الا ” شيرين ” زوجة عمه السابقه

تعلقت نظرت شيرين نحو أدهم الذي رمقها ببغض وهو يُغادر لتطرق عيناها حزناً.. فعائلة العزيزي لا تراها الا صفحة سوداء بحياتهم

– شهاب

خرج اسمه من شفتيها بتوتر وهي تري نظراته الجامده نحوها

– رجعتي ليه ياشيرين

– مش هفضل طول عمري بعيده ياشهاب

وتعلقت عيناها به بشوق

– طول السنين اللي فاتت كنت بتابع كل حاجه عنك… شهاب انا لسا بحبك

– بتحبيني ؟

استنكر عبارتها يرمقها بكرهه وذكريات الماضي تمر امام عينيه

– وانا منستش انك السبب في موت ابني

فتسقط دموعها تقبض فوق ذراعيه

– قولتلك ماليش ذنب..ماليش ذنب صدقتي

– ذنبك انك كنتي ام مهمله

دفعها عنه بعدما وجد أعين البعض تُحدق بهم بفضول

– اتمنى مشوفكيش تاني ياشيرين

أصابة كلماته قلبها فأطبقت جفنيها علي دمعة تنحدر من بينهما تتحسر علي ما اضاعته .

 

******

 

طالعها خالها وهو يدلف من الباب الشقه يحمل بعض أكياس الطعام

– وادي ياستي الخضار والفاكهه… خالك اه ليه نفع مش زي ما انتوا فاكرين

تأملته بحب فلن ولم تنظر اليه يوماً بتلك النظره التي وسمه بها الكثير حتى أصبح لا يهتم بشئ الا راحته

– ربنا يخليك ليا ياخالي

والتقطت منه الأكياس تضعها فوق الطاوله الصغيره التي كانت يوماً تضم أفراد العائله بدفئ

– خالي انا محكتش ل عمر عن طلاقي… وانت كمان متحكيش ليه

– ليه يا قدر.. المفروض نعرفه يابنتي… انا هكلمه واحكيله

اقتربت منه تمسك يديه راجيه

– عمر عنده لسا مشاكل هناك… انت عارف لو عرف هيرجع وانا مش عايزه اشيله همي.. ارجوك ياخالي خلينا منقولهوش لفتره بس لحد ما أموره تستقر

اصرت بشده ولم يجد منير الا ان يوافقها….

وضعت وجبة طعام الإفطار فوق الطاوله أمام منير الذي شرع في تناول الطعام بنهم يتلذذ من مذاق الفلافل والباذنجان المخلل.. أنهى طعامه ببطن منتفخ يربت فوق معدته

– الحمدلله

انتبه اخيراً علي ملامحها الشارده تُمضغ طعامها بمراره

 

*********

 

جلست شارده بعدما تصفحت الجريده التي أمامها وقد يأست من إيجاد وظيفه طرقات خالها المرحه فوق باب شقتها جعلتها تبتسم رغما عنها

– افتحي ياقدر… جبتلك شغل خلاص

التقط أنفاسه وهو يُطالعها كيف وقفت تنظر اليه بأبتسامه واسعه يدب فيها الأمل

– بجد ياخالي

– طب دخليني الأول اخد نفسي واقولك…

واردف وهو يزيحها من أمامه

– اعمليلي كوبايه عصير ليمون من ايديكي الحلوين قبل ما اقولك

– شوف البت سرحت تاني… فين الليمون

اتسعت ابتسامتها بعدما نفضت تعاستها تنطلق نحو المطبخ هاتفه بحماس

– احلى كوبايه عصير ليمون ليك ياسيدي

أمتلئ قلبه سعادة وهو يري ابتسامتها تُشرق وجهها من جديد

جلس فوق المقعد الخشبي متنهداً ينتظر كأس العصير الذي يعشقه من يديها

 

******

 

رفعت عيناها نحو اسم اللافته الموضوعه كوجهة لمكتب الإستشارات الهندسية الذي ستعمل به موظفة استقبال تستقبل العملاء… تجربه كانت جديده عليها مما جعلها تشعر برهبة الفشل… تقدمت نحو البناية تزفر أنفاسها تدعو داخلها ان يوفقها الله في حياتها الجديده

 

******

 

شهران مضوا على لقائها به.. اندمجت فيهم علي حياه سيدات الأعمال والمرأة العامله… من ندوة لأخرى ومن اجتماع لآخر هكذا أرادت ان تبدء حياتها الجديده التي كانت مؤهله لها فيما مضى ولكنها لم تكن ترى الا حياه اللهو والعبث

بدأت تتغير من أجله… لم تشعر بحبها له إلا عندما فقدته وانتهت رحلت حياتهم

وقفت امام مرآتها تعدل من هندام ملابسها العمليه تنظر بتعمق لملامحها

– هتغير عشانك ياشهاب… هكون شيرين جديده

 

*******

 

اندفع صائحاً لا يرى أمامه فمنذ ان علم خبر زواج شقيقته الذي تم منذ ثلاثه أشهر وهو كالمغفل في أعين الجميع لا يُصدق انهم خدعوه هكذا واستغلوا سفرته

– انا تعملوا معايا كده ياشهاب… تستغفلوني

تعلقت نظرات الجالسين في غرفة الاجتماعات التي يترأسها شهاب ويجلس على يمينه أدهم… اشاره من شهاب جعلت الجميع يجمع أوراقه وينصرف

– اقعد زي الرجاله نتكلم

صاح به شهاب بعدما نفذ صبره من صياحه ودفعاته لكل ماهو أمامه

– انا تطلعوني عيل… وانت يابيه ازاي تسمح بكده.. مش ديه برضوه خطيبتك ولا عيشتك في أمريكا نستك النخوه والرجوله

لم يشعر أدهم بنفسه الا وهو يمسك تلابيب قميصه

– النخوه والرجولة ديه اتعلمهم انت مش انا

– بس كفايه اخرسوا انتوا الاتنين… اظاهر ان اخواتي معرفوش يربوكم

– عرفت منين ان لبنى اتجوزت

التوت شفتي عاصم ساخرا وهو يتذكر كيف تلقى الخبر

– من السواق بتاعك … شوف الزمن اعرف ان اختي اتجوزت من واحد شغال عندنا

– لبنى اتجوزت الإنسان اللي بيحبها

هتف بها أدهم يرمق عاصم بنظرات ساخطه.. فتعلقت عيني عاصم به شزراً

– مش قولت قعدتك ف امريكا علمتك قله الرجوله

– عاصم… الكلام معايا انا

احتدت ملامح عاصم وهو يشعر بأستصغارهم له ولم يدرك معنى حديثه الا عندما وقع على رؤسهم

– ايه ياشهاب بيه ولا قولك ياعمي ياكبير العيله يلي الكل بيشهد بعقلك..هنعيد تاني تجربتك.. ما انت اتحديت الكل واتجوزت بنت الوزير وايه اللي حصل بعد كده

الصمت كبل افواههم.. فأرتسم الآلم فوق ملامح شهاب

صرخ به ادهم يدفعه بقوة نحو الجدار

– تصدق انك وقح وعايز تتربى

انتبه عاصم لفداحه ما نطق يقبض فوق كفوفه

– أدهم خلاص… مش هنقعد نجرح في بعض

واقترب من عاصم الذي لم تخمد ثورته رغم صمته

– اختك اتجوزت خلاص.. جوازها بقى امر واقع

تلاقت نظرات عاصم بنظرات شهاب الجامده وكأنه يُنهي حديثهم.. تحرك مندفعاً لخارج الغرفه يتوعد لذلك الطبيب

 

*******

 

مسحت دموعها بعدما شعرت بأستصغار مديرها لامكانيتها في التعامل مع الحاسوب بعد أن طلب منها تقريراً عن العملاء وطباعته… لم يكن هذا مجال تخصصها حتى عقلها تشعر وكأنه لم يعد يستعب شيئاً..اقتربت منها هناء زميلتها بالعمل

– متزعليش ياقدر…استاذ فهمي عايز كل واحد فينا يبقي اتنين في واحد ويشتغل اي حاجه

– انا عارفه اني مش مؤهله ياهناء… بس والله بتعلم بسرعه

– طب تعالي اوريكي تعملي ايه ونخلص التقرير سوا

انتهت هناء من كتابة بيانات العملاء وطباعه التقرير تهتف بحماس

– كده خلصنا… عشان نسكت بوز الأخص اللي جوه

 

******

 

زمجر بوحشيه وهو يدفع ما أمامه

– انا مشغل بهايم… ازاي متعرفوش سافر فين

اطرق رجله رأسه يستمع لتوبيخه

– عملتها ياشهاب .. انا عارف محدش هيعمل كده غيرك

– هو الدكتور ده مالهوش اهل

رفع الرجل رأسه متمتماً بخوف

– ليه اخت كانت متجوزه وأطلقت من جوزها ودلوقتي عايشه لوحدها وخاله راجل بتاع مزاج…

تجمدت نظرات عاصم وابتسامه شر شقت ملامحه.. اشاره واحده منه جعلت رجله يفهم ان وجوده انتهى

زفر أنفاسه وهو يشعل سيجارته

– اختك قصاد اختي يادكتور

 

********

 

صعدت الدرجات بأرهاق ظاهر فوق ملامحها ورغم ذلك كانت السعاده متوهجه في عينيها اليوم بدأت اول حصه لها في دورة الحاسوب وحينا تنتهي من تلك الدوره ستتقدم لدورة اللغه الانجليزيه.. خطط كثيره اردات فعلها ومع حماسها كان الأمل يغمرها

وقفت أمام باب شقة خالها تطرق الباب تنظر إلى الأكياس التي تحملها ورائحة الطعام تفوح منها..

دقائق مرت ولم تسمع صوت خالها لتقطب حاجبيها متعجبه.. فخالها دائماً موجود بالشقه بتلك الساعه

كادت ان تتحرك تصعد نحو شقتها الا ان الباب انفتح فتوقفت تنظر للمرأة الواقفه أمامها تلوك العلكه

– مين انتي ياحببتي

ارتفع حاجبي قدر تنظر لنظراتها التي تفحصها

– أنتي اللي مين

– نعم ياحلوه يعني احنا صحاب البيت وتسأليني انا مين… عجب

ارتدت قدر للخلف بملامح مصدومه بعدما أغلق الباب بوجهها تنظر حولها لتعيد طرق الباب ثانيه فتفتح المرأة الباب صارخه

– في ايه ماقولنا الشقه غلط

– فين خالي منير

– هو انتي قدر..

جذبتها لاحضانها تُقبلها

– ياختي قولي كده من بدري

ابتعدت عنها قدر تلتقط أنفاسها الهادره لتتعلق أعين ” سميرة” بالاكياس التي تحملها

– كلك ذوق والله ياحببتي وبتفهمي

والتقطت منها الأكياس فوقفت قدر مذهوله تبحث داخل الشقه عن خالها

– هو خالي فين

– بيريح ياحببتي شويه.. أصله تعبان

هتفت بها سميره تغمز لها بعينها لتتراجع بخطواتها للخلف

– اه.. طب انا طالعه شقتي

طالعتها سميره وهي تركض فوق درجات الدرج تمصمص شفتيها

– مالها وشها اتخطف كده… هو انا قولت حاجه مش ولا بد

 

*******

 

اتكأت بظهرها على باب شقتها بعدما اغلقته تضحك على زوجة خالها الجديدة… لا تعلم كم هو رقمها في زيجات خالها الكثيره

ازاحت حجابها من فوق خصلاتها لتُلقي متعلقاتها فوق الاريكة وهي تبتسم

– مش هتتغير ابداً ياخالي.. ياترى ديه العروسه رقم كام

قطبت ما بين حاجبيها وهي تعد زيجاته السابقه لتزفر أنفاسها من عدم تذكرهم

نفضت رأسها بأرهاق بعدما يأست من عدهم واتجهت نحو المطبخ

– وانا اللي كنت معشمه نفسي على الفراخ المشويه… الجبنه والبيض طلعوا من نصيبي

 

*******

 

وقفت كالتائهه تنظر حولها وشعوراً واحداً كان يملئ قلبها… وحيده في بيت والدها ويالها من كلمه ومعنى… والد عاشت سنين عمرها يُحملها غلطة ارتكبها هو وليست هي

– أنتي بقى بنت الرقاصه

ابتلعت غصتها تنظر في أعين المرأة التي أمامها

– انا مش بنت رقاصه انا بنت إبراهيم العزيزي

صفعة قويه هبطت فوق خدها لترفع عيناها نحو الواقفه

– وليكي عين تردي عليا

اتسعت عيني لطيفة ذهولاً وهي ترى عهد ترفع يدها لترد صفعتها

– وكمان بترفعي ايدك عليا

قبضت فوق معصمها ترفع صوتها عالياً

– أنتي هنا زيك.. زي الكرسي ديه أوامر اخوكي محدش طايقك ولا طايق نجستك… صبحه بت ياصبحه تعالي خديها من وشي

صوت واحد كان يتردد صداه في أذنيها يُخبرها بالحقيقه التي ستعيشها

” اهل ابوكي هيجوا ياخدوكي… خالتك وماتت خلاص معدش ليكي مكان هنا ”

 

********

 

تناول كأس الماء بأيد مرتعشه… المرض أرهق جسده واصبح يلزم فراشه… ابراهيم العزيزي بقوته انهكه المرض… يالها من حياه لا يُدرك المرء نعمه صحته وقوته الا بعد فوات الآوان

هكذا كان الحج ابراهيم شارداً وهو يبتلع حبة الدواء لتهتف المرأة المسنه التي قضت سنوات عمرها في خدمه هذا البيت

– بالشفا ياحج

– حامد جاب عهد

اماءت السيدة ” رسمية” برأسها فأتسعت ابتسامه الحج ابراهيم

– مدخلتيهاش على اوضتي ليه يارسمية زي ما قولتلك

– الست لطيفه ياحج هي…

ابتلعت باقي حديثها وهي ترى لطيفة تدلف للغرفه تتباطئ في خطواتها تضم بطنها بكفيها وكيف لا تضمها وهاهي ستنجب الولد الذي سيثبت اقدامها بالبيت وأمام عائله زوجها

– عامل ايه النهارده ياعمي

– الحمدلله

واردف بلهفة يتسأل

– فين عهد يالطيفه

وقفت قبالة رسمية تنظر إليها بتوعد

– اول ما جات دخلت اوضتها وقفلت على نفسها… اظاهر ياعمي كرها عيشتنا

سعل ابراهيم بشده وقد تبدلت ملامحه للحزن.. فماذا كان سينتظر حبها له بعد أن رماها لخالتها… ملئت الحسرة فؤاده يغمض عيناه شارداً في الماضي

انسحبت رسمية من الغرفه بعدما حملت صنية الطعام وداخلها يتآلم على تلك الفتاه التي لن ترى خيراً على يدي زوجة أخيها الحاقده

 

*********

 

كتمت ضحكتها بصعوبه وهي ترى خالها يُخلص ذراعه من زوجته يضرب كفوفه ببعضهم حانقاً

– ياساتر عليكي ست… متبته فيا ولا كأني ههرب منك

– صباح الخير

تعلقت نظرات منير بها مبتسماً

– عامله ايه ياقدر…معلش الوليه مكلبشه فيا بقالها يومين معرفتش اطلع اسأل عليكي

اماءت برأسها له متفهمه

– ايه رأيك في سميره

مال منير برأسه عليها يسألها عن ذوقه في اختيار زوجته لتبتسم مُتذكره لقائهم

– شكلها طيبه وبتحبك

تنحنح منير خجلاً يحك فروة رأسه التي غزاها الشيب

– هي فعلا بنت حلال وطيبه… اهي تاخد بحسي في الأيام اللي بقيالي

نفس العباره التي كان يقولها لهم دوماً وبعد شهراً يتم الطلاق ويتزوج من أخرى

– انت رايح فين على الصبح كده

– رايح اقابل فتحي صاحبي.. عقبال عندك شبكته النهارده

صباحاً كان جميلاً بنكهة خالها..مع حياة خالها التي لا تعرف منطق كانت تجد سعادتها التي تنتهي فور دلوفها من باب الشركه التي تعمل بها

 

*******

 

عيناه افاضت بحنان تمنت ان تراه منه منذ زمن… تمنت ان تكبر بين احضانه ترفع رأسها بأسمه ولكن كانت دوماً تعلم انه تخلي عنها لأنها جاءت غلطه من راقصه تزوجها على زوجته وأم أولاده

– قربي مني يابنتي… ولا بتكرهيني اوي كده

تساقطت دموعها وهي ترى ذراعيه الممدوده لها

– عندك حق تكرهيني… سامحيني

” تكرهه” كلمه كلما كانت تخرج من قلبها تموت قبلها… احبته بفطرتها احبته رغم تركه لها ونبذها عن حياته.. عاشت كاليتيمه في منزل خالتها ولم تلقي منه إلا المال وزيارات عابره كي يرضى بها ضميره

– كان غصب عني ابعدك عني…

ابتلعت غصتها وهي تغمض عيناها… هي أم اشقائها المجروحين على وفاه والدتهم وفي النهايه كانت هي بره الحسبه فالندم وظلمه لام أولاده جعله ينبذها فأبنة الراقصه كانت لا تستحق الا النبذ عقابً عن والدتها

نهض من فوق فراشه حتى يُقربها منه… تحرك بصعوبه نحوها يمد ذراعيه إليها.. أرادت ان تشعر بحضنه… ولكن قلبها ابي.. ركضت من أمامه تختلي بغرفتها لتجد زوجة شقيقها تفتح باب غرفتها

– تعالي اخوكي عايزك

نهضت من فوق فراشها تمسح دموعها… فالاخ الأكبر اليوم تذكرها ولكن بقية الاخوه لم تسمع عنهم الا حديث لطيفه بمدى بغضهم لها

صفعة قويه كانت أول ما تلقته من يد حامد الغليظه وهو يرمقها بوعيد

– اوعي تكوني فكره ان رجوعك هنا هيخليكي تاكلي بعقل ابوكي .. ولا قرش هتاخديه طول ما انا عايش

 

********

 

غادرت المركز الذي تدرس فيه دورة الحاسوب بعد مواعيد عملها لأيام محدده بالأسبوع.. كان الشارع المؤدي للطريق العمومي هادئ فلم تنتبه من اقتراب احدي السيارات منها وفي ثواني كانت حركتها مقيده بأيد أحدهم لم تستطع المقاومه فأعصابها بدأت ترتخي من أثر المخدر لتغلق عيناها ودموعها تتساقط من الخوف

فتحت عينيها بصعوبة بعد وقت لا تعلمه تنظر حولها بهلع ويديها تدور حول جسدها ، ثيابها كانت كما هي فوق جسدها مما جعلها تلتقط أنفاسها براحه ولم تكد تفوق من ثقل المخدر حتى هبت مفزوعة تنظر نحو الباب الذي فتح ثم دلوف أحدهم يفحصها بنظرات قاسية

– انت مين وجبتني هنا ليه

صرخت بهلع متسائلة ، فتعالت ضحكاته مستمتعاً بفزعها

– صوتي على كيف كيفك محدش هنا هينجدك

– عايزه تعرفي أنا مين… وماله اعرفك يا اخت الدكتور

– عمر أخويا حصله حاجه , أرجوك أتكلم

– شوفي انتي خايفه عليه إزاي وهو للأسف مفكرش فيكي

واحتدت نظراته وهو يقترب منها ونظراته توحي بالشر

– مع اني حذرته لو لمس اختي

– لبنى اختك..

نطقتها مصدومه مما سمعته ومع أقتراب خطواته منها جحظت عيناها من الفزع ، تراجعت للخلف تلصق جسدها بالجدار

– انا عاصم العزيزي ياريت تحفظي الاسم كويس عشان تبلغي اخوكي, إن عاصم العزيزي مبيتخدش منه حاجه غصب عنه

– لبنى مراته…

ابتلعت ريقها بخوف من نظراته بعدما نطقت بزواج شقيقها من شقيقته ، ومع أستمراره في الأقتراب منها تمالكت قوتها لتدفعه بقوه راكضه نحو الباب المغلق

تمزق ذراع ثوبها من جذبه ، فعلقت عيناه بذراعها العاري

– رجوعك لأخوكي قصاد طلاق اختي.. وزي الحلوه هتسجلي كل كلمه هقولها ليكي لا إلا

وتأملها كيف تُداري ذراعها المكشوف عن عينيه المتربصة

– هخلي واحد من رجلتي يبسطك اووي…

– ابعد عني ، يا ناس حد سامعني

تركها تدور حول نفسها يتمتع بهيئتها وصراخها ..، هكذا كان يشفي غليله من النساء.. فأكثر ما يكرهه بحياته بكائهن المزيف نحو الشرف والعفة

– قولتلك محدش هنا هيسمعك ولا يعرف ينجدك مني… ها اختاري

صمت اذنيها بأيديها تستجمع قوتها تندفع نحو الباب تطرقه لعلا أحداً يسمعها… الخوف كان يملئ قلبها تعلم أن لا أحد سيشعر بغيابها

– هنفضل كده كتير

واندفع نحوها بعد أن ضجر من صراخها

– هتسجلي لاخوكي وتقولي كل كلمه هقولهالك ولا نصورك كام صوره حلوه ف حضن واحد وأنتي عارفه الباقي

لم تتحمل جنونه ف “عاصم ” لم يكن أمامها الا رجلا افسده المال والسلطه.. بصقت بوجهه تدفعه عنها بكل قوتها

– انت مريض

لم تكن تعلم أن تلك الكلمه ستثير جنونه ، أنتفخت أوداجه من شدة الغضب فالحقيقه قالتها كما قالتها له أخرى من قبل

ارتفع كفه لأعلى ينوي صفعها ومشهد اخر كان يتجسد امامه ولا يعلم لما اليوم يتذكر تفاصيل تلك الليله

اجفله فتح الباب وصوت عمه ” شهاب ” يصدح بالمكان يلتقط أنفاسه بلهاث

– عاصم

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *