الفصل الأول الظلام الحالك يسود الأجواء، وقد رُفع أذان العشاء منذ ساعات، من المؤكد أن الناس نيام في هذه الأوقات، لإنها إحدى قرى الصعيد، بالتحديد داخل محافظة سوهاج. المعروف في صعيد مصر وبالأخص بتلك القرية، أن الناس يذهبون إلى أسرتهم بعد صلاة العشاء ليستيقظوا عند الفجر في كامل النشاط؛ مزاولين مهنة الزراعة والحرث التي تُمثل مهنة أغلب القانطين بها أو البعض الأخر فيما يخص الأثار والسياحة. تسللت فتاة تتشح بالسواد من أخمص قدميها إلى أعلى رأسها، تتلفت حولها بقلق لتتيقن من خلو الطريق ثم أسدلت وشاحها الذي به درجة من الشفافية يسمح لها برؤية موطئ قدميها، أغلقت باب المنزل الداخليخلفها بهدوء، تتوجس إيقاظ حارس البوابة الذي يغط في سبات عميق. حاولت أن تكتم ضحكاتها على صوت شخيره الذي ينافس صوت صافرة القطار في الإزعاج، تقدمت من البوابة الرئيسية وقبل أن تغادر توقفت لحظات ثم استدارت عائدة إلى الحارس، أسندت خصرها بيدها ولوت شفتيها من أسفل الحجاب قبل أن تبتسم ابتسامة خبيثة تعبر عن نيتها الطفولية، اقتربت منه على مهل رافعة طرف التلحيفة الموجودة حول عنقه ووضعتها على وجهه لتخفي كلا أنفه وفمه، رغم ثقلها إلا إنها بدأت بالإهتزاز إثر تأثير تتابع أنفاسه المصاحب لشخير مرتفع الضجة. تراجعت مسرعة قبل أن تخونها ضحكاتها فيلتغي الموعد الذي جازفت من أجله في الخروج من منزلها بتلك الساعة. عبرت البوابة الرئيسية وأغلقتها خلفها بهدوء ولكن تركتها مفتوحة قليلاً حتى تستطيع العبور إلى الداخل مجدداً حين عودتها، وبمجرد خروجها حثت قدميها على المسير بسرعة. *** فُتح باب الشقة بهدوء وتسلل الظل إلى الداخل على أطراف أصابعه محاولاً عدم إحداث أي ضوضاء أو جلبه قد تتسبب في إيقاظ حرمه المصون من نومها، فإذا حدث وأفاقت من سباتها سيقضي المتبقي من الليل في جدال عقيم ينتهي بغضب كل منهما من الأخر ويجعل حياتهما أكثر تعكيراً. انتشر الضوء في كل أنحاء الشقة معلناً فشله في التسلل خفية إلى الداخل دون أن تشعر به زوجته، فيبدو أنها كانت جالسة بانتظاره تتوعد له بليلة طويلة من الصراخ .. هذه هي عادتها منذ عدة أشهر، تجعل حياتهم كالجحيم في الأرض. تنهد بصوت مرتفع يحاول أن يستعد نفسياً لما هو قادم بينما نهضت من مقعدها ووقفت أمامه بملامحها الغاضبة التي تسببت في إختفاء أي أثر لجمالها البديع، فقد تحولت زرقة عينيها الرائقة إلى قطعة جليد يتوعد بالدمار كما جمعت شعرها فوق رأسها مبعثرة بضع خصلاته كأنها تعلن استعدادها لمعركة ضارية. بدأت الحديث مضيقة بين عينيها: كنت فين يا فادي ؟ أجابها بثبات: ف الشغل - لحد الساعة إتنين بعد نص الليل ؟ - الشغل عايز كدا أقول لا ؟ - أومال لو كنت موظف ف الشركة مش صاحبها كنت عملت إيه ؟ تنهد صابراً: ما هو عشان أنا صاحبها باتأخر فيها. تكلمت بسخرية: لما حضرتك تشتغل للساعة دي، يبقى بلاها موظفين أحسن وأشتغل فيها لوحدك. -نجلاء، اقصري الشر أحسن، أنا جاي تعبان ومافييش خُلق للخناق. -ومين قال إننا بنتخانق؟ دا بس مجرد كلام، هو أنت لسه شوفت خناق. -ما أنا بأمهدلك عشان ما تدخليناش في مرحلة الخناق دي . -طب شّغل واحد معاك تاني .. يشيل من عليك حمل الشغل دا كله ع الأقل يوفرلك ساعتين تلاته راحه. -أنا مش بآمن لأي حد وبعدين دا شغل مهم ما ينفعش حد غيري يعمله ... عن إذنك بقى أروح ارتاح شوية. - أه، عشان تنزل من النجمة وأصحى ماالاقكش كالعادة. زفر بقوة قائلاً بتعب: تصبحي على خير يا نجلاء. ابتعد عنها متجهاً إلى غرفة النوم لكنها أوقفته بكلماتها الجارحة التي تُذكره دائماً بأنها هي السبب فيما هو فيه الآن: أنا كتير بأندم إني خليت بابا يديك الفلوس اللي فتحت بيها الشركة دي. استدار إليها نصف إستدارة وحدثها من فوق كتفيه: أول ما الشركة تقف على رجلها ويبقى معايا سيولة هرجع لبابكي كل قرش أداهوني بالفايدة كمان لو تحبي. ابتسمت ساخرة: وهو أنت فكرك أنك لما ترجعله الفلوس يبقى خلاص مالوش جميل عليك ؟ بدأ الغضب البارد يلتمع في عينيه: ومين قالك إني ناكر للجميل ؟، إنتي اتكلمتي عن الفلوس وأنا بأطمنك أنها هترجعله تاني مش هأكلها عليه يعني. -أنت عارف كويس إن بابا مش بيفرق معاه الحاجات دي. ثم تابعت ببطء: مادام أنا مبسوطة. حدق بها بتركيز متسائلاً: وإنتي مش مبسوطة ؟ عقدت ذراعيها وأدرات ظهرها قائلة بحزن: وهتبسط إزاي يعني وأنت بتجيلي بعد نص الليل وبتمشي الصبح بدري ومش قادرة أقعد معاك ساعة على بعض. اقترب منها وأمسكها من كتفيها مديراً إياها لتواجهه، قال مبتسماً بحب: طب أنا مش بأشتغل عشان أظبط حياتي أنا وإنتي ؟، عشان تعيشي مرتاحه واللي تطلبيه يجيلك على طول. وضعت يديها على صدره العريض ونظرت إلى عينيه السود قائلة بدلال: أنا عايزاك أنت مش عايزة أي حاجه تانية. اتسعت ابتسامته وغمزها: يعني عندك استعداد ما تغيريش عربيتك كل سنة وتبطلي تروحي للكوافير 3 مرات في الأسبوع وما تشتريش كل شهر دولاب هدوم كامل وما تسافريش برا ؟ زمت شفتيها بطريقة جعلته يكتم ضحكته بصعوبة بينما أجابته على استحياء: بص العربية مش مهمه والسفر بردو مش ضروري أوي بس اللبس والكوافير أنا ما أقدرش أعيش من غيرهم .. أنا مش بأعمل حاجه في يومي غير إني أهتم بلبسي وشعري. أمسك ذقنها بين أصبعيه: يبقى تستحمليني شويه، أظبط الأمور وأثبت رجلي في العالم اللي أنا دخلته دا وبعد كدا هأفضل معاكي لحد ما تزهقي مني. تنهدت بقلة حيلة: وهو أنا في إيدي حاجه غير إني استحمل واستنى ؟ ضمها إلى صدره حيث أصبحت دقات قلبه تصل إلى مسامعها: أه لو تعرفي بحبك اد إيه .. عمرك ما هتقلقي للدرجة دي . لفت يديها بقوة حول عنقه وهي تدفن رأسها بين طياتها: أنا بحبك أكتر مما تتخيل، حبي ليك مالوش حدود وهو دا اللي بيخليني هاتجنن عليك، وبخاف عليك من أي واحدة ممكن تاخدك مني. قبل وجنتها النضرة هامساً: إنتي مافيش منك أصلاً، فيه حد يسيب الأصل وياخد صورة ؟ همست بحنق: فيه ناس بتحب الرمرمه ! ضحك مبعداً إياها عن صدره: وأنا ف نظرك رمرام يا ست نجلاء ؟ هزت كتفيها: مش عارفه بقى وضع يداً أسفل ركبتيها واليد الأخرى إلتفت حول خصرها ثم قام بحملها متجهاً إلى غرفتهما الخاصة، همس في أذنها هائماً: أنا بقى اللي هأعرفك. ابتسمت بخجل وقد عقدت ذراعيها خلف عنقه باحكام، هذا حبيبها الذي فضلته على جميع الرجال، فقط من دق قلبها من أجله. *** طرقت بالهاتف على كفها في قلق، رفع زوجها نظره من فوق أسطر الكتاب المشغول في قراءته متنهداً: أنا نفسي أفهم إنتي بتقلقي نفسك ليه ؟ الراجل بيتأخر ف شغله مش عيب وبنتك بتقلق زيادة عن اللازم ثم أضاف مازحاً: وحسب اللي أنا شايفه هي مش جايباه من برا تنهدت: ما أنت سمعت صوت البت كان عامل إزاي، فضلت تعيط لحد لما دموعها نشفت، أكيد في حاجه أكبر من إنه اتأخر عليها -يعني هيكون في إيه أكتر من كدا ؟ وضحت بهدوء قلق: يمكن يكون عارف واحدة عليها. اعتدل في جلسته وظهر على ملامحه الغضب: استغفري ربنا يا سمية، إن بعض الظن إثم، الواد ما شوفناش منه العيبة وقمة في الأخلاق، قوليلي حاجه واحدة عملها تخليكي تظني فيه كدا. أشاحت بيدها حيرة في أمرها: مش عارفه بقى أهو اللي جه ف بالي. عاد يستغرق في كتابه بعد أن قال لها: اهدي يا سمية وعقلي بنتك بدل ما تشعليليها أكتر، وبعدين إنتي عارفه بنتك أكتر من أي حد تاني، يعني دي تعمل العامله وتقول مش أنا .. فهميها تتعامل إزاي مع جوزها وسيبيهم سوا وياريت ما تتدخليش بأكتر من كدا خليها تعتمد على نفسها، هي هتفضل عيلة لحد امتى ؟، وكمان إحنا مش هنفضلها العمر كله. أومأت موافقة فكل كلمة قالها زوجها لديه بها كامل الحق، وضعت هاتفها على المنضدة المجاورة وأمسكت بالمصحف تتلو آياته لتهدأ قليلاً ويخف قلقها. بعد مرور دقائق معدودة، سمعت سمية المفتاح يدور في قفل الباب ويدخل ولدها الأكبر وقد ظهرت عليه ملامح الإعياء. شهقت بفزع واتجهت إلى ابنها بقلب مفجوع: مالك يا حمزه ؟، وشك مخطوف كدا ليه ؟ حاول أن يرسم ابتسامة وإن كانت باهتة على شفتيه، قال يُطمئن والدته: مافيش حاجه يا ماما، أنا بس ما نمتش من يومين فعشان كدا تعبان. اقترب الأب مردداً: حمدالله ع السلامة يا ابني ثم أضاف عندما رأى مظهره: بلاش تتعب نفسك زيادة في الشغل سمية بحنان: اطلع خد دوش سخن عقبال ما أجهزلك لقمة تاكلها. حمزه بإرهاق: لا ما تتعبيش نفسك هأنام على طول عشان مسافر الصبح بدري لقنا سمية بفزع: أنت لحقت ترجع من دمياط عشان تروح قنا !، يا حمزه مش كدا حرام عليك نفسك، ربنا هيحاسبك عليها وعلى اللي بتعمله فيها. لاحظ الأب إرهاق ولده وعدم قدرته على الحديث فأنهى الحوار: روحي إنتي حضري الأكل عشان ياكل وأنت روح استحمى وتعالى كُل ثم أضاف بحزم عندما لاحظ بوادر اعتراضهما: اعملوا اللي بأقولكوا عليه من غير مجادلة وكلام كتير تنهد حمزهثم إتجه إلى غرفته ينفذ أمر والده بينما نظرت سمية إلى زوجها في ألم: هو هيفضل يقتل ف نفسه كدا لحد إمتى ؟ - إدعيله إنتي بس إن ربنا يريح باله ويهدي سره. - ما أنا بأدعي دايماً بس من ساعة البت اللي ما تتسمى دي وهو حاله اتقلب وبقى بيشتغل كأنه بينتحر، ربنا ينتقم منها زجرها زوجها: خلاص يا سمية، ما تدعيش على حد كفايه إنك تدعيله هو بس. تنهدت متجهة إلى المطبخ: حاضر يا أحمد أديني سكت أهو. عاد أحمد إلى مقعده وتابع قراءة كتابه داعياً لابنه بصلاح الأحوال. *** وقف أسفل شجرة المانجو الضخمة يفرك يديه ببعضهما ثم يرفعهما بالقرب من فمه لينفث فيهما أنفاسه لعلها تبعث بعض الدفء، رأته من على بعد وهو يسير ذهاباً وإياباً، تبسمت وهي تقترب هامسة: أسفة لو اتأخرت عليك بس عقبال ما عرفت أخرج من البيت واتأكدت إنه الكل نام. اقترب منها متناسياً برودة الجو وابتسم: ولا يهمك أنا مستعد أقف 100 سنة من غير ما أزهق أو اشتكي المهم إني هأقابلك. ابتسمت بخجل،حاول أن يرفع الحجاب ليظهر وجهها لكنها نفرت إلى الخلف في فزع، قال مهدئاً: ما تخافيش أنا بس كنت عايز ارفع الطرحة دي عشان أشوف وشك .. ما تعرفيش وحشني قد إيه تلفتت حولها بقلق ثم رفعت الحجاب مظهرة وجهها الذي أضاء بسبب ضوء القمر المسلط عليه فبدت كحورية قد هبطت من الجنان، رغم أنها من أقصى الصعيد إلا أنها تمتلك بشرة بيضاء ناعمة كالأطفال بسبب قلة تعرضها لضوء الشمس - فمن غير المسموح لها الخروج إلا في أضيق الحدود- عيونها البنية تلألأت نتيجة للحب الممزوج بسحر ضوء القمر كذلك البسمة الناعمة على شفتيها الكرزيتين؛ كل ذلك أضفى عليها سحراً خرافياً. همس لها ولهاً: وحشتيني نظرت أرضاً بخجل قائلة بصوت بالكاد سمعه: بس ..، ماينفعش اللي أنت بتقوله دا ابتسم: طب طمنيني عنك .. أخبارك إيه ؟ هزت كتفيها: عادي زي كل يوم. أردفت بقلق: أنت طلبت تشوفني هنا وفي الوقت دا عشان تسألني على أخباري ؟ تنهد: لا، بس كنت عايز أقولك إني طلبت إيدك من أبوكي. لمعت عينيها بسعادة: وإيه اللي حصل ؟ -رفضني . سألته بحزن: ليه ؟ - عشان يتيم وماعنديش لا أب ولا أم، شغلي مش ثابت يعني إنهارده بأشتغل بس بكره يا عالم. - بس دي أرزاق بإيد ربنا، وأهلك مالكش يد في موتهم. -قولي لأبوكي الكلام دا مش ليا أنا. زفرت بقوة: دا على أساس إني لو قولتله هيغير رأيه يعني. تابعت وهي تنظر له برجاء: طب وهنعمل إيه دلوقتي ؟ اقترب منها ولكن عندما لاحظ تراجعها تنهد متوقفاً: مافيش غير حل واحد. سألته بلهفة: وإيه هو ؟ أجابها بلهجة قوية كأنه لا يوجد أمامهما حل أخر: إننا نهرب سوا يا حياه ! *** انهى عشاءه دون أن يشعر بأي مذاق خاص له، كل شيء أصبح بلا طعم منذ اكتشافه حقيقة من أحبها قلبه، تنهد بقوة لقد تسببت في كرهه لجنس النساء بأكمله، لم يعد يثق بأي امرأة سوى والدته .. حتى شقيقته لا يثق بها أيضاً مما يراه يحدث بينها وبين زوجها، يتعجب في كثير من الأحيان من قدرة فادي على تحمله لشقيقته، تلك المدللة التي ما تنفك تذكره بجميل والدها عليه، إذا كان في محله لكان تخلى عنها منذ أمد. أفاق من أفكاره على صوت دقات خجلى على باب غرفته، اتجه ليفتح الباب فوجد شقيقته الصغرى بملامحها الطفولية التي يشوبها بعض الخوف. نزل لمستواها وأمسك ذراعيها، ابتسم متسائلاً: إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي يا مي مي ؟ تجمعت الدموع في مقلتيها بغزارة وهي ترفع ذراعيها عالياً لتريه مدى كبر ما رأت عيناها الصغيرتين، فهم أنها رأت ما أفزعها فابتسم بحنان وضمها إلى صدره: ما تخافيش، أنا معاكي. نظرت إليه بشك ولاحظ هو نظرتها تلك فعقد حاجبيه متسائلاً: إنتي عندك شك إني أقدر أغلب العو وأخليه هو اللي يخاف مني ؟ أومأت مؤيدة لكلماته، أبعدها عنه واقفاً في مكانه واسند جبينه بقبضة يده كعارضين كمال الأجسام أو كما يفعل بعض المصارعين قبل صعودهم لحلبة المصارعة. نظر إليها وسألها بتحدي: لسه عندك شك بردو ؟ ابتسمت بسعادة وهزت رأسها مخرجة أي شك كان متواجداً بها، حملها بين ذراعيه وتوجه بها إلى خارج الغرفة ولكنها أبت ذلك متشبثة بباب غرفته. نظر إليها متعجباً سلوكها، تبادلا النظرات قليلاً فأدرك مدى خوفها الذي يشتعل بداخلها جاعلاً إياها ترفض النوم بمفردها، تنهد بثقل: عايزة تنامي جنبي يعني ؟ أومأت بتردد، قبل رأسها ووضعها في سريره ثم اندس إلى جوارها وظل يداعب خصلات شعرها الذهبية حتى غطت في سبات عميق. بعدما تأكد من استغراقها في النوم اعتدل في نومته عاقداً ذراعيه أسفل رأسه وعينيه تتأملان السقف في شرود، بدأ يتحدث بصوت مرتفع: - تعرفي إني بأثق فيكي إنتي كمان، يمكن عشان بريئة ولسه الدنيا ما لوثتكيش زي غيرك، يااااااه لو تفضلي بريئة ونضيفه من جوه كدا على طول ... ههههههههه بس دا مش ممكن، مافيش واحدة بريئة في الدنيا دي، كلكوا خاينين ومايهمكوش غير مصلحتكوا. ارتفع أذان الفجر معلناً اقتراب سطوع شمس يوم جديد، نهض ليتوضأ ويأوي إلى فراشه بعد أداء فرضه حتى يستطيع تحمل تلك المسافة التي تفصل بين القاهرة وقنا بالإضافة إلى بدأه العمل فور وصوله. *** دلفت حياه إلى غرفتها متنهدة فقد مرت هذه الليلة بسلام دون أن يتم اكتشاف أمرها، ولكن فرحتها لم تدم ... -كنتي فين يا حياه ؟ شهقت حياهفي فزع: زهرة ؟ نظرت إليها زهرة بحنق: أيوه زهرة، ما جاوبتنيش كنتي فين ؟ تنهدت حياه براحه فالحمدلله أنها شقيقتها زهرة وليست أي شخص أخر، إنها كاتمت أسرارها وصندوق أفعالها، بدأت في نزع الحجاب من فوق رأسها مظهرة شعرها المموج في حركات منتظمة، لقد كان شعرها يشبه شعر أغلب نساء الصعيد. كررت زهرة سؤالها غاضبة: ما تنطقي، كنتي فين؟ حياه بهدوء ولا مبالاه: كنت بأقابل شادي. استهجنت زهرة فعلتها وعبرت عن ذلك قائلة: بتقابليه ف ساعة زي دي ؟، دا الفجر أدن، لا دا إنتي أكيد اتجننتي ! لوت حياه شفتيها: اللي يشوف كدا ما يقولش إنك كنتي عايشه سبع سنين في القاهرة وإنك خريجة طب. ضحكت ساخرة: يعني اللي بتعمليه دا عمايل واحدة خلصت ألسن السنة اللي فاتت؟ -مالها تصرفاتي بقى ؟ -يعني إنتي مش شايفه عمايلك ؟ حد يعمل اللي إنتي عملتيه دا ؟ .. ما فكرتيش لو حد من أهل البلد ولا من إخواتك أو أبوكي شافك هيجرا إيه ؟ إرتمت على المقعد المجاور لها وقالت بحزن: طب كنت أعمل إيه ؟ كان لازم أشوفه. جلست زهرة على طرف الطاولة أمامها وأجابتها بتعقل: لو عايز يشوفك كان جه لبابا وطلبك منه مش يشوفك بالطريقة دي. -ما هو طلب يشوفني عشان كدا -إزاي يعني ؟ -بابا رفض أنه شادي يتجوزني. سألتها بهدوء: ليه ؟ إيه السبب ؟ أجابتها باستنكار: عشان شادي شغله مش ثابت ومش ف مكان واحد وكل يوم ف بلد شكل، كمان عشان أهله متوفيين. -إنتي مش ملاحظه إنك بتظلمي بابا ؟ .. إنتي عارفه كويس أوي بابا بيحبنا قد إيه ومستعد يعمل المستحيل عشان سعادتنا، كفايه إنه خاطر وخلانا نروح الجامعة ف القاهره وهو كان استحاله يخلينا نبات ليلة واحدة برا البيت حتى لو كان عند حد من أعمامنا. -طب ليه ؟ ليه مش عايزني أتجوز شادي ... أنا بأحبه يا زهرة. -وبابا يعرف منين إنك بتحبيه ؟ -يعني تفتكري أقوله ؟ -لا طبعاً ! إنتي اتجننتي ؟ .. مهما كان تحضر بابا بس ف الحاجات دي هيفضل صعيدي. -يووووه بقى، حيرتيني معاكي ! -طب إنتي وشادي بيه وصلتوا لإيه في الكلام ؟ ترددت حياه في أن تخبر شقيقتها الكبرى عن عرض شادي ولكنها حزمت أمرها بالنهاية وأطلعتها: عايزنا نهرب سوا. انتفضت زهرة صارخة: نعم ياختي ؟ لحقت بها حياه ووضعت يدها على فم شقيقتها متوسلة بصوت هامس: أبوس إيديك وطي صوتك. تمالكت زهرة نفسها وأزاحت يدها: وإنتي قولتيله إيه ؟ - قولتله مش هينفع، ما اقدرش أعمل كدا مع أهلي. -ومالك بتقوليها وإنتي زعلانه كدا ؟ .. ما دا الصح واللي المفروض يتقال. -ما هو زعل مني وافتكر إني مش باحبه وإني مع بابا ف رفضه ليه. -خلاص هو حر ف تفكيره، أصلاً واحد بالتفكير دا وبعد عرضه ليكي أنكوا تهربوا سوا يبقى ما يستاهلش ومش بيحبك أساسا.ً استنكرت حياه غاضبة: هو عشان عايز يتجوزني بأي شكل يبقى ما بيحبنيش ؟ ربتت على كتفها مهدئه: لا، عشان مش عايز يتعب ولا يواجه عشانك، لو بيحبك فعلاً هيبقى عايز ياخدك في النور وقدام كل الناس، هيحارب عشان يوصلك مهما كان التمن .. بس هو اختار الطريق السهل، بس سهل ليه هو ونسي إنه بكدا بيسوء سمعتك وهيضر عيلتنا والله أعلم ممكن يعمل إيه ف بابا .. -بس هو بإيده إيه يعمله يعني ؟ - بسيطة، يسيب الشغل اللي مش ثابت دا ويشوف شغلانه ثابتة وقتها بابا مش هيعترض. - طب وأهله؟، يستعير أهل مثلاً ؟ - لا يا ستي مش هتوصل لدرجة الإستعارة، هو بابا قصده بس إنه مالوش كبير يتكلم معاه يعني مين اللي هيتفق معاه ف أمور الجواز والذي منه. -هو يعني صغير ؟ -ماحدش قال إنه صغير بس هي الأصول كدا، وبعدين لما تحصل بينك وبينه مشكلة المفروض يبقاله كبير يتكلم بابا معاه وقتها، حد يعرف يجبلك حقك منه. - لا إن شاء الله مش هنحتاج حد، ومش هنزعل من بعض. ابتسمت شقيقتها بحنان: إنتي طيبة أوي يا حياه. شردت بعيداً وهي تتحدث كأنها تحادث نفسها: اسمك مش لايق عليكي، بريئة وطيبة أوي عكس الحياه اللي مليانه شر وكره وبلاوي. افاقت إلى نفسها وتابعت بجدية: الجواز مش كله عسل وحب زي ما إنتي فاكره، إنتي نسيتي ماما الله يرحمها وخناقها مع بابا كل فترة ؟ .. أهو بابا أطيب وأحن راجل في الدنيا وكان بيتخانق مع ماما اللي مافيش ست متفهمة زيها .. فما بالك إنتي الطايشة المتهورة وسي شادي بتاعك دا ! عقدت ذراعيها بضيق: قصدك إيه يعني بالكلام دا يا ست زهرة ؟ ضحكت زهرة ضحكة خافتة: قصدي أقولك إنه الحياه مش وردي زي ما إنتي فاكره نظرت زهرة إلى الساعة المعلقه على حائط الغرفة الزهري: يلا روحي صلي الفجر والحقيه بقى، أنا كنت جايه أصلاً عشان أصحيكي تصلي لثمت وجنتها بحب واحترام: ربنا يخليكي ليا يا زوزو ضحكت زهرة: ماشي يا بكاشه ..أوعي خليني أروح أحضر الفطار. - ماشي، هاصلي وأجي أساعدك. - طيب يا ستي كتر خيرك. كادت أن تغلق الباب خلفها عندما إلتفتت إلى حياه كأنها تذكرت شيئاً: حياه.. انهت لف حجابها استعداداً للصلاة ثم وجهت نظراتها إلى زهرة: نعم ؟ رفعت سبابتها محذرة: أوعي تفكري تسمعي كلامه والأحسن ابعدي عنه خالص .. أنا ماكنتش بارتاحله بس بعد اللي قاله دا أن مابقتش أطيقه. أضافت غامزة قبل أن تغلق باب الغرفة خلفها: ماتنسيش اللي بيحب بجد مش بيفكر حتى يأذي اللي بيحبه ... واقتراحه دا لو عملتي بيه هيدمرك مش هيأذيكي بس! .. خلي الكلام دا حلقة ف ودنك. شردت حياه حزينة، هي لم تحب غيره ويبدو أنها ستحرم منه، قررت أن تنفض هذه الأفكار خارج رأسها وقد صفت ذهنها ووقفت في خشوع بين يدي الله، فدائماً كانت زهرة تخبرها أن قلوبنا بيده وأرواحنا ملك له لذلك هو وحده القادر على إزالة همومنا وإرسال الراحة إلى بالنا. *** جلست قرفصاء على سجادة الصلاة بعد إنتهاءها من صلاة الفجر تحمل بين يديها كتاب الله تتلو آياته بصوت ترهف له القلوب، مظهرة روعة كلماته التي تجعل القلب يدق إما شوقاً لذلك النعيم المذكور والوصف البديع لجنة الصابرين المتقين أو رهبة وخوفاً من عذاب النار. ظلت على هذا الوضع حتى أشرقت الشمس، أغلقت مصحفها مصدقه ونهضت تؤدي ركعتي الشروق. بعد تسلميها رفعت يديها ابتهالاً لربها تقول بقلب خاشع ونفس مكلومة ولكنها راضية: يا رب، يا رب، أنا عارفه أنه كل اللي بيحصل معايا دا قدري ومشيئتك وأنا ما اعترضتش ولا هاعترض ف يوم، أنا عارفه أنه "لو علمتم الغيب لأخترتم الواقع"، كل حاجه بتحصلنا مكتوبة ودا قدرنا، كل حاجه بسبب ولسبب، يا رب أنا على طول باترجاك ترجعلي بنتي، بنتي اللي ما شوفتهاش من خمس سنين، اللي مش عارفه ليها مكان ولا عارفه عنها حال، بس أنا متأكده إنك مش ناسيني ولا ناسيها، يا رب أحميها وأحفظها، وقفلها ولاد الحلال وأبعد عنها ولاد الحرام، خليها تكون قريبة منك تحكيلك وتفضفضلك، احفظها من كل سوء وكل شر. توقفت أخر كلماتها على طرف لسانها فقد لجمتها عن الخروج تلك الدموع اللؤلؤية التي بدأت في الهطول؛ ليس اعتراضاً ولكن حزناً لذكرى ما حدث منذ خمس سنوات عندما فقدت ابنتها. دار مقبض الباب ليسمح بدخول سيدة قد بلغ منها الكبر عتياً وترك الزمن بمشاكله ومصاعبه أثره على ملامح وجهها ليخفي شبابها الذي كان في يوم من الأيام وترك محله تجاعيد وحزن تشفق عليه النفوس. -بتعيطي ليه بس يا حنان ؟ مسحت حنان دموعه ورسمت بسمة على ثغرها: مافيش يا تيته، تحبي تفطري جبنة قريش لوحدها ولا أحطلك عليها زعتر زي كل يوم ؟ تابعت ناهضة تطوي سجادة الصلاة: ما تنسيش تاخدي الدوا بتاعك عقبال ما أجهز الفطار. تنهدت الجدة وهي ترى حفيدتها تتجه إلى المطبخ، برغم ما حدث وما يحدث معها ما تزال كما هي، لم تقهرها الدنيا ولم تُركعها صدمات الحياة، وما يدل ذلك إلا على حسن تربية ابنتها الحبيبة لتلك الفتاة. تلاشت ابتسامتها التي ظهرت عند تذكرها لابنتها المتوفاة، لقد ظنت أنها وحيدة وقت وفاة ابنتها قبل سبعة عشر عاماً شعرت وقتها بالقهر والحزن، اعتقدت لفترة أنها اغضبت الله في شيء ما، اقترفت ما تسبب بحرمانها من ابنتها الوحيدة، لكنها فجأه أدركت أن الله لم يتركها وحدها تعافر في هذه الحياة بل مد عمرها لتبقى سنداً لحفيدتها حنان. كانت حنان في المرحلة الثانوية عندما فقدت والديها معاً في حادث غرق العبارة أثناء عودتهما من العمرة، قبلها رفضت حنان أن يؤجل والداها تلك الفريضة من أجل امتحانات الثانوية العامة التي تصادفت أن تكون في نفس الموعد، ظلت تحوم وتدور خلفهما تحاول اقناعهما حتى اقتنعا بالنهاية ورضيا بما شاءت، رفض الطبيب سفر الجدة لأي سبب فجاء ذلك راحة لوالدة حنان "فاتن"، فسوف يكون هناك من يهتم بحنان خلال سفرها. لكن شاء الله وأمره نافذ أن تغرق العبارة التي كانت تحمل فاتن وزوجها أثناء طريق العودة، أحست وقتها بأن الدنيا قد أنهرت ولن تعود كما كانت، أصابتها نوبة قلبية عند سماعها الخبر المفجع. لمع في ذهنها ثبات حنان وقتها، كانت تبكي بهدوء دون أن تصرخ أو تعترض حينها حسدتها على ثباتها وفي الوقت ذاته خافت عليها أن تكون الصدمة سبباً في وقوعها أسيرة المرض. بعد مرور أيام العزاء، استيقظت ليلاً لتتناول الدواء عندما سمعت صوت يخرج من الحجرة التي تقطنها حنان. اقتربت بهدوء ونظرت عبر فتحة الباب الذي لم يكن موصداً، وجدتها تجلس كما رأتها قبل لحظات ، تفترش سجادة الصلاة وبين كفيها المصحف تتلو آياته بصوتها العذب. دخلت إليها متسائلة: إيه اللي مسهرك لحد دلوقتي يا حنان ؟ - صدق الله العظيم .. مافيش يا تيته بأصلي قيام وقولت اقرأ قرآن وادعي لبابا وماما بالرحمة -تعيشي وتفتكري يا حبيبتي جلست بجانبها أرضاً وتابعت: إنتي بتكتمي جواكي ليه ؟ .. أنا عارفه إن موتهم صعب عليكي ومش عليكي لوحدك عليا أنا كمان بس طلعي اللي جواكي دا بأي شكل كسري أو صرخي .. أي حاجه بس بلاش اللي إنتي عاملاه ف نفسك دا! - طب دا هيفيدهم بإيه ؟، مش لما ادعيلهم هيبقى أحسن ؟ .. عارفه يا تيته .. ف مرة سمعت شيخ ف خطبة الجمعة بيتكلم عن تصرفات الناس بعد موت ناس عزيزة على قلبهم، وقتها قال إن الدموع والعياط دا بيفيدنا إحنا عشان بيطلع اللي جوانا بس هما هيستفادوا إيه ؟، مش لو دعينالهم أو عملنا صدقة جارية باسمهم أحسن ؟، كمان قال إنه الصويت وحالة الضياع اللي بتحصل لبعض الناس دي وخصوصاً من ولادهم دا بيكون سبب في عذابهم لإنه بكدا هما ما فهموش ولادهم معنى الموت وإنه لكل أجل كتاب .. وأنا مش عايزة أكون سبب في عذابهم. أكملت بتأثر: ماما كانت بتسمع معايا الخطبة دي وخلتني أوعدها إن لو حصلهم حاجه ما أعملش كدا وإني ادعيلهم كتير ويفضلوا على لساني ف كل دعاء. خجلت الجدة من نفسها؛ حفيدتها التي تعتبر طفلة تتصرف هكذا أما هي فشعرت بأن الدنيا قد انتهت ولن تستمر مجدداً. ربتت على كتفها سألتها بتردد: إنتي حاسه بالذنب إنك إنتي اللي أصريتي عليهم إنهم يسافروا ؟ أطرقت حنان قبل أن تقول بهدوء: أنا كنت حاسه بكدا ف الأول بس لما ماما جاتلي ف الحلم إحساسي دا راح بتعجب استفسرت: شوفتيها ف الحلم ؟ - أيوه، جات وقالتلي إني ما أزعلش وما أحسش بالذنب .. بالعكس إني المفروض أفرح لإني كنت السبب ف إنهم ماتوا بعد العمرة بعد ما غسلوا نفسهم من الذنوب وماتوا قبل ما يرجعوا يعملوا ذنوب تاني، قالتلي إنهم كانوا هيموتوا ف المعاد دا مهما اختلفت الطريقة، وإنها تموت بعد العمرة أحسن ما تموت وه في سريرها وذنوبها لسه على كتافها. أفاقت على الواقع حين نادتها حنان لتتناول فطورها، اتجهت إلى مائدة الطعام وهي تبتسم، لقد كانت حنان نعمة فاتن من بعد الله -عز وجل- إليها، عادت لوعيها وإدراكها ما تملك في مقابل ما خسرت، خسرت ابنتها ولكن عوضت بحفيدة بارة بها تحبها أشد الحب .. فالحمد لك يا الله كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. *** لحقت حياه بأختها في المطبخ، زهرة بالنسبة لها والدتها التي فقدتها منذ سنوات والأخت التي تحب مداعباتها والجدال معها بالإضافة إلى الصديقة التي تحمل أسرارها، إنها شقيقتها الكبرى ولكن لم تفكر في فارق السن بينهما فقد كانت دائماً كأنها توأمها. طلبت منها زهرة بينما تقوم بتقطيع الخضراوات أن تذهب لتتأكد من استيقاظ الجميع بداية من والدهم وصولاً لأصغر أشقائهم. همت بصعود الدرج عندما وجدت والدها يهبطه على مهل، ركضت في إتجاهه وقبلت وجنتيه باسمة: صباح الخير يا أحلى بابا ابتسم الأب بحنو: صباح النور يا حياه، أومال فين إخواتك ؟ - زهرة فالمطبخ بتحضر الفطار وأنا هاطلع أصحي الباقيين. -طيب يلا روحي صحيهم بسرعة عشان ورايا شغل كتير. - من عنيا، أنت تأمر بس يا روقه وأنا عليا أنفذ. ضحك قائلاً: إيه روقه دي يا بنت ؟، هو أنا من سنك ؟ تأبطت ذراعه وهبطت معه الدرجات المتبقية قالت بجدية: أنا أخاف أمشي معاك ف الشارع يفتكروك خطيبي يا روقه وتقطع نصيبي. سحب ذراعه منها قائلاً بصرامه: روحي صحي إخواتك. رفعت كفها في تحيه عسكرية وقالت بإقتضاب مصطنع: علم وسينفذ. انطلقت تصعد الدرجات بسرعة، ابتسم والدها بعد انصرافها لكنها تلاشت عند تذكره من طلب يدها قبل يوم. حدثت نفسها بصوت هامس أثناء صعودها: مش معقولة هأكلم بابا بزعل، أي نعم هو رفض إني أتجوز اللي بأحبه بس هو مايعرفش إني بأحبه، وبعدين لسه قدامنا فرص كتير مش من أول مرة هأزهق، كمان لو بابا عرف إني عايزاه ما أعتقدش هيرفض يعني دا بيحبني أوي وعايزني سعيدة بأي شكل .. يوووه بقى ربنا يستر ولساني ما يتسحبش من مكانه ويخليني أقول لبابا كلمة تزعله .. وهو اللي عمره ما زعلني قبل كدا! .. بس بقى بس، لما أروح أشوف الناس اللي نايمه دي وأنا اللي مانمتش ساعتين على بعض .. إهئ إهئ .. أنا بايني أتجننت ولا إيه ؟؟ هههه دفعت الباب على نحو مفاجئ وصرخت سائلة: ظبطك بالجرم المشهود، بتعمل إيه عندك يا عم أنس ؟؟ انتفض أنس على إثر الصدمة وعندما رأها هتف بغضب: يا بنتي إنتي مش هتبطلي الأسلوب بتاعك دا ؟؟ وضعت يديها في خصرها: ظلبنتك والأسلوب بتاعي ؟ .. أنت مش شايف إنك خدت عليا أوي يا سي أنس ولا إيه ؟ - أووووف بقى، إنتي إيه اللي جابك.. ؟ جيت أقولك إن الفطار جاهز عاد يجلس أمام حاسوبه قائلاً بعدم اهتمام: طيب طيب، روحي وأنا جاي وراكي. علقت مستهزئه: أه، على العشا مش كدا ؟ قال بملل وهو يضرب على لوحة المفاتيح كاتباً بضعة كلمات: يا ستي قولت جاي. اقتربت منه بهدوء وبدأت تقرأ ما كتبه من فوق أكتافه دون أن يشعر بها ظناً منه أنها غادرت الغرفة وأخيراً. هتفت بصدمة: أنت بتحب يا أنس ! ارتعشت يديها الممسكة بالفارة وأغلق الصفحة التي كان يجري بها الدردشة بسرعة لكن ظهره ظل في مقابل وجه شقيقته. أدارته ناحيتها وجلست على طرف الفراش تسأله بهدوء: مين دي ؟ لعلمه عن إصرار أخته وأنها لن تتركه حتى تعلم الحكاية بتفاصيلها وأيضاً خوفاً من إخبارها لوالدهما تحدث ببطء ونظره لا يتزحزح عن حذاءه المنزلي: واحدة. - ما أنا عارفه إنها واحدة، حد قالك إني فاكراها واحد ؟، قصدي عرفتها إزاي .. اسمها إيه .. تعرفها منين؟ -اسمها داليا وعرفتها من النت . -من النت ؟ إزاي يعني ؟ - عادي، اتعرفت عليها من الفيس، شوفتها ف جروب وكانت تعليقاتها وكلامها بيعجبني، حسيت تفكيرها نفس تفكيري بعتلها أدد وهي قبلته وبدأنا نتعرف على بعض. -إممممم ... قولتلي. وبعد صمت لثواني معدودة مرت على أنس كالسنوات، سألته: دي عندها كام سنة بقى ؟ تردد قليلاً قبل أن يقول باستسلام: 40. -نعم ؟؟؟؟ لوى شفتيه وقال هازئاً: أنا عارف إنك مش هتفهميني. -دي قد عمرك أربع مرات يا ابني، أفهم إيه بس ؟؟؟ توقفا عن الكلام عندما سمعت والدها يطلب منهم الإسراع حتى لا يتأخر عن عمله، نهضت من مكانها وأمرت أخيها: روح صحي محمود وأنا هاروح أشوف عصام تبعها للخارج وقبل أن تتركه لترى شقيقها الأخر نظرت إليه متوعدة: وهنتكلم في الموضوع دا تاني بس لما نبقى لوحدنا ابتعدت عنه، وجدت شقيقها عصام يقوم بفرز بعض الأوراق على الأرض، أخبرته أن موعد الإفطار قد حان فترك ما بيده ونزل بصحبتها. سألته بصوت يشوبه الحزن أثناء نزولهما الدرج: لسه مصمم تسافر ؟ ابتسم ولكن إذا تم اعتبارها ابتسامة من الأصل: فات الكتير ما بقى إلا القليل .. كلها كام شهر وأخد الدكتوراه وأجي أقعد على قلبكوا بعد كدا -يعني دي أخر مرة تسافر فيها؟ -قولي يا رب -أنت بتوحشني أوي يا عصام ضمها إلى صدره: وإنتي بتوحشيني أكتر، بس هانت إن شاء الله أبعدها رافعاً نظارته الطبية ويفرك عينيه ليمحو الدموع المتجمعة بداخلها: بس بقى، عجبك كدا ؟، هتخليني أعيط والحاج يفتحلي موال. مرت من أمامهما زهرة وهي تحمل طبقاً في يدها: حياه روحي هاتي طبق العيش والمخلل من المطبخ وأنت يا عصام يلا بسرعة بابا مستعجل. عصام: طيب، أديني رايح أهو. *** عندما لم يجدها تنام إلى جواره نهض يبحث عنها ، كانت تضع الطعام فوق المائدة وهي تتحدث إلى نفسها بصوت هامس لم يكد يتبين فحواه. أخذ يقلب كفيه: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنتي اتجننتي يا سمية ؟، بتكلمي نفسك ع الصبح كدا ليه ؟ ضغطت على أسنانها: وهو أنا طول ما ورايا ابنك وبنتك دول هارتاح أبداً، ما أنا لازم أتجنن. أمسك كفها وأجلسها على الأريكة جالساً بجوارها: إيه اللي حصل ؟ تنهدت: صحيت لاقيت حمزه مش ف أوضته ولا البيت كله ومي مي نايمة على سريره .. اتصلت بنجلاء مش بترد وقلقانه عليها -نفسي أعرف إنتي غاويه تقلقي نفسك ليه ؟، إحنا جوزناها عشان نقلق عليها أكتر م الأول ؟ - أنت ما كنتش شايف حالتها إمبارح كانت إزاي؟ - أيوه، بس مش يمكن تكون كلمت جوزها وعرف يهديها والموضوع اتقفل؟، هي بتكلمك عشان تفضفض عن اللي جواها لكن مادام المشكلة اتحلت تكلمك ليه؟ - عشان تطمني ع الأقل. - يمكن نايمة، ما إنتي عارفاها بتنام لحد الضهر ويادوب الساعة لسه 7 - معاك حق، طب والبيه التاني ؟ -ما هو قالك إنه هيسافر بدري. -كدا حتى من غير فطار ؟ - هو أصلاً واكل متأخر، لو جاع هيجيب حاجه ياكلها ابنك عنده 30 سنة يعني مش عيل صغير. -مالحقتش أشبع منه. - شغله وظروفه كدا، إدعيله إنتي بس. - هو بس لو يلاقي بنت حلال كدا وتدخل قلبه أكيد هيرجع يستقر تاني بدل ما هو كل يومين ف بلد شكل كدا - إن شاء الله هيلاقيها، بس لما يجي الأوان المناسب. ثم أضاف مازحاً: وبعدين مش كفايه عليكي أنا ومي مي ؟ .. دا أنا هاموت من الجوع، يلا بقى كملي الفطار بقى عشان هفتـــــــان . - طب اقرأ الجورنان عقبال ما أخلص. *** اجتمعت العائلة حول مائدة الإفطار ولكنها لم تكن مائدة السفرة بل "طبلية" الطاولة المعتادة في الريف والصعيد، توجد أثنتان ملتصقتان منها حتى تستوعبهم جميعاً. تنهد أنس بملل: أنا نفسي أفهم أنت ليه يا بابا بتحب تقعد ع الطبلية مالها تربيزة السفرة يعني؟، ع الأقل نبقى قاعدين مرتاحين بدل ما إحنا مزنقين ف بعض كدا فاروق: يا ابني مافيش أحلى م اللمه دي، أيام ما كنت عايش ف القاهرة عرفت قيمة الطبلية ولمت العيله دي وأنت مسيرك تحسها ف يوم من الأيام. محمود: معلش يا بابا سيبك منه دا عيل وما يفهمش حاجه، ربنا يهديه. أنس بغضب: مين دا اللي عيل يا سي محمود ؟ وضعت حياه قطعة جزر في فمه قائلة بنبرة تحذيرية: أنت تخرس خالص. نظر أنس في الطعام الذي أمامه صامتاً، تسأل فاروق: أومال فين عيشه يا محمود ؟ محمود: تلاقيها مع الولاد، صحيوا من تلاته الفجر وما ناموش لحد دلوقتي. فاروق: ربنا يكون في عونها حاكم العيال مش سهلة فما بالك بقى بتوأم. حياه ضاحكة: ومش أي توأم يا بابا، دول محمد ومصطفى، يعني الشقاوة كلها أقبلت عليهم عائشة متخذة مكانها إلى جوار زوجها: صباح الخير. ردد الجميع: صباح النور. ثم أضاف فاروق: ناموا ولا لسه ؟ تنهدت بتعب: أخيراً يا بابا، دول طلعوا عيني واحد ينام التاني يصحى لحد لما بجاش فيا حيل وهأموت من النُعاس. فاروق لائماً: ما إنتي اللي مش راضية تخلي حد ياخد باله منهم معاكي، يعني معاكي بنتين ف البيت ومش مخلياهم يساعدوكي. عائشة: أنا باحب أخد بالي من ولادي بنفسي، كنت فاكرة الموضوع هيبجى سهل بس شكلي إكده هأرچع ف كلامي ههههههه. محمود مقهقهاً: ما كان م الأول، لازم تعذبي نفسك يعني ؟ عائشة وهي تحاول فتح عينيها بصعوبة: بقالي كام يوم مش بأنام إلا ساعتين بس لحد ما خلاااص حاسه أنه هيچرالي حاچه. أسرعت حياه: بعد الشر عليكي يا عيوشه، بصي سلمى هتجيلي إنهارده هأخليها تاخد واحد وأنا أخد واحد ونريحك منهم شوية، وإنتي روحي ناميلك كام ساعة، إيه رأيك ؟ عائشة بفرحة: حبيبتي يا حياه، ربنا يخليكي ليا . زهرة: إيه وأنا ماليش ف الحب جانب ولا إيه ؟ محمود بحب: دا إنتي الحب كله، دا كفايه إنك شايله البيت على كتافك. نزع عصام نظارته الطبية وهو يدعي محو دمعة خيالية: ترى اتأثرت لحظة أبكي. وكزته زهرة في ذراعه: أنا اللي هأخليك تبكي بجد. عصام مقهقهاً: خلاص خلاص حرمت يا سيادة الريس. حياه: ألا صحيح يا عصام ... هو أخبار خديجة إيه ؟ تنهد بقوة وظهر الحزن على ملامحه: ربنا يستر ... مضايقه مني. فاروق بقلق: خير يا ابني ؟ عصام الدين: أبداً يا حاج، عشان موضوع السفر ودراستي بره. محمود: هانت كلها كام شهر وترجعلنا بالسلامة وماعدتش متعتع من هنا تاني. زهرة: ما تقلقش يا عصام، أنا هابقى أروح أزورها وأتكلم معها، ما تشلش أنت هم. قبل عصام يد أخته: ربنا يخليكي ليا يا أحلى أخت في الدنيا قطع تلك اللحظات العاطفية الحديث الذي دار بين حياه وأنس. أنس: سيبيها حياه مخرجة لسانها: لا مش هأسيبها .. سيبها أنت. أنس بعند: لا هتسبيها فاروق متعجباً: في إيه منك ليها ؟ حياه بنبرة طفولية وهي مقطبة الجبين: مش عايز يسيبلي أخر بططساية ف الطبق يا بابا ! أنس: ما إنتي اللي خلصتي البطاطس كلها أصلاً، مستكترة عليا بططسايه حياه باستفزاز: ما هو كان قدامك حد كان قالك ما تاكلش، أما عجيبة أنس: هو إنتي حد يقدر عليكي ف الأكل، دا إحنا قربنا نعيش في مجاعة بسببك حياه: سيب البططساية يا أنس أحسنلك ثم أضافت ببطء وهي تغمزه بعينيها: ولا أقوووول وأنت عارف هيحصل إيه لو قولت خشى أنس أن تفضح سره أمام والده وأشقاءه فسحب يده في خوف، تناولتها حياه أخيراً وبدأت تأكلها باستمتاع حقيقي وكأنها أجمل قطعة بطاطس في العالم، مستلذة بإغاظته أكثر من طعمها. تسأل عصام مستغرباً انسحاب أنس بتلك الطريقة: هو إيه اللي أنس خايف تقوليه ؟ توتر أنس بشدة ولكن حياه غمزته قائلة بلا مباله: أبداً، أصل قبل كدا أخدت منه أخر تفاحة بردو ... بس بطريقتي الخاصة، وهو ما كانش عايز حد يعرف ضحك الجميع على سلوكهما الطفولي، حياه في الثالثة والعشرين من العمر ومع ذلك تتصرف كطفلة في عقدها الثالث فقط، ومع ذلك تبقى هي قطعة من قلب كل واحد منهم. ظلوا يتناوشون سوياً، يضحكون ملئ أفواههم والفرحة تعشش فوقهم. ابتسم فاروق بسعادة فهذه هي عائلته التي سعى هو وزوجته -رحمها الله- إلى تأسيسها وجعلها يداً واحدة لا تفترق، نقل نظره بينهم في فخر، لقد أحسن تربيتهم وزرع في قلوبهم الأخلاق الحميدة، كان الدعاء الوحيد الذي يصر عليه في كل الأوقات وأثناء صلاته أن يبعد عنهم الشيطان ويظلوا متحدين دوماً.. (2) ________ انهى عشاءه دون أن يشعر بأي مذاق خاص له، كل شيء أصبح بلا طعم منذ اكتشافه حقيقة من أحبها قلبه، تنهد بقوة لقد تسببت في كرهه لجنس النساء بأكمله، لم يعد يثق بأي امرأة سوى والدته .. حتى شقيقته لا يثق بها أيضاً مما يراه يحدث بينها وبين زوجها، يتعجب في كثير من الأحيان من قدرة فادي على تحمله لشقيقته، تلك المدللة التي ما تنفك تذكره بجميل والدها عليه، إذا كان في محله لكان تخلى عنها منذ أمد. أفاق من أفكاره على صوت دقات خجلى على باب غرفته، اتجه ليفتح الباب فوجد شقيقته الصغرى بملامحها الطفولية التي يشوبها بعض الخوف. نزل لمستواها وأمسك ذراعيها، ابتسم متسائلاً: إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي يا مي مي ؟ تجمعت الدموع في مقلتيها بغزارة وهي ترفع ذراعيها عالياً لتريه مدى كبر ما رأت عيناها الصغيرتين، فهم أنها رأت ما أفزعها فابتسم بحنان وضمها إلى صدره: ما تخافيش، أنا معاكي. نظرت إليه بشك ولاحظ هو نظرتها تلك فعقد حاجبيه متسائلاً: إنتي عندك شك إني أقدر أغلب العو وأخليه هو اللي يخاف مني ؟ أومأت مؤيدة لكلماته، أبعدها عنه واقفاً في مكانه واسند جبينه بقبضة يده كعارضين كمال الأجسام أو كما يفعل بعض المصارعين قبل صعودهم لحلبة المصارعة. نظر إليها وسألها بتحدي: لسه عندك شك بردو ؟ ابتسمت بسعادة وهزت رأسها مخرجة أي شك كان متواجداً بها، حملها بين ذراعيه وتوجه بها إلى خارج الغرفة ولكنها أبت ذلك متشبثة بباب غرفته. نظر إليها متعجباً سلوكها، تبادلا النظرات قليلاً فأدرك مدى خوفها الذي يشتعل بداخلها جاعلاً إياها ترفض النوم بمفردها، تنهد بثقل: عايزة تنامي جنبي يعني ؟ أومأت بتردد، قبل رأسها ووضعها في سريره ثم اندس إلى جوارها وظل يداعب خصلات شعرها الذهبية حتى غطت في سبات عميق. بعدما تأكد من استغراقها في النوم اعتدل في نومته عاقداً ذراعيه أسفل رأسه وعينيه تتأملان السقف في شرود، بدأ يتحدث بصوت مرتفع: - تعرفي إني بأثق فيكي إنتي كمان، يمكن عشان بريئة ولسه الدنيا ما لوثتكيش زي غيرك، يااااااه لو تفضلي بريئة ونضيفه من جوه كدا على طول ... ههههههههه بس دا مش ممكن، مافيش واحدة بريئة في الدنيا دي، كلكوا خاينين ومايهمكوش غير مصلحتكوا. ارتفع أذان الفجر معلناً اقتراب سطوع شمس يوم جديد، نهض ليتوضأ ويأوي إلى فراشه بعد أداء فرضه حتى يستطيع تحمل تلك المسافة التي تفصل بين القاهرة وقنا بالإضافة إلى بدأه العمل فور وصوله. *** دلفت حياه إلى غرفتها متنهدة فقد مرت هذه الليلة بسلام دون أن يتم اكتشاف أمرها، ولكن فرحتها لم تدم ... -كنتي فين يا حياه ؟ شهقت حياهفي فزع: زهرة ؟ نظرت إليها زهرة بحنق: أيوه زهرة، ما جاوبتنيش كنتي فين ؟ تنهدت حياه براحه فالحمدلله أنها شقيقتها زهرة وليست أي شخص أخر، إنها كاتمت أسرارها وصندوق أفعالها، بدأت في نزع الحجاب من فوق رأسها مظهرة شعرها المموج في حركات منتظمة، لقد كان شعرها يشبه شعر أغلب نساء الصعيد. كررت زهرة سؤالها غاضبة: ما تنطقي، كنتي فين؟ حياه بهدوء ولا مبالاه: كنت بأقابل شادي. استهجنت زهرة فعلتها وعبرت عن ذلك قائلة: بتقابليه ف ساعة زي دي ؟، دا الفجر أدن، لا دا إنتي أكيد اتجننتي ! لوت حياه شفتيها: اللي يشوف كدا ما يقولش إنك كنتي عايشه سبع سنين في القاهرة وإنك خريجة طب. ضحكت ساخرة: يعني اللي بتعمليه دا عمايل واحدة خلصت ألسن السنة اللي فاتت؟ -مالها تصرفاتي بقى ؟ -يعني إنتي مش شايفه عمايلك ؟ حد يعمل اللي إنتي عملتيه دا ؟ .. ما فكرتيش لو حد من أهل البلد ولا من إخواتك أو أبوكي شافك هيجرا إيه ؟ إرتمت على المقعد المجاور لها وقالت بحزن: طب كنت أعمل إيه ؟ كان لازم أشوفه. جلست زهرة على طرف الطاولة أمامها وأجابتها بتعقل: لو عايز يشوفك كان جه لبابا وطلبك منه مش يشوفك بالطريقة دي. -ما هو طلب يشوفني عشان كدا -إزاي يعني ؟ -بابا رفض أنه شادي يتجوزني. سألتها بهدوء: ليه ؟ إيه السبب ؟ أجابتها باستنكار: عشان شادي شغله مش ثابت ومش ف مكان واحد وكل يوم ف بلد شكل، كمان عشان أهله متوفيين. -إنتي مش ملاحظه إنك بتظلمي بابا ؟ .. إنتي عارفه كويس أوي بابا بيحبنا قد إيه ومستعد يعمل المستحيل عشان سعادتنا، كفايه إنه خاطر وخلانا نروح الجامعة ف القاهره وهو كان استحاله يخلينا نبات ليلة واحدة برا البيت حتى لو كان عند حد من أعمامنا. -طب ليه ؟ ليه مش عايزني أتجوز شادي ... أنا بأحبه يا زهرة. -وبابا يعرف منين إنك بتحبيه ؟ -يعني تفتكري أقوله ؟ -لا طبعاً ! إنتي اتجننتي ؟ .. مهما كان تحضر بابا بس ف الحاجات دي هيفضل صعيدي. -يووووه بقى، حيرتيني معاكي ! -طب إنتي وشادي بيه وصلتوا لإيه في الكلام ؟ ترددت حياه في أن تخبر شقيقتها الكبرى عن عرض شادي ولكنها حزمت أمرها بالنهاية وأطلعتها: عايزنا نهرب سوا. انتفضت زهرة صارخة: نعم ياختي ؟ لحقت بها حياه ووضعت يدها على فم شقيقتها متوسلة بصوت هامس: أبوس إيديك وطي صوتك. تمالكت زهرة نفسها وأزاحت يدها: وإنتي قولتيله إيه ؟ - قولتله مش هينفع، ما اقدرش أعمل كدا مع أهلي. -ومالك بتقوليها وإنتي زعلانه كدا ؟ .. ما دا الصح واللي المفروض يتقال. -ما هو زعل مني وافتكر إني مش باحبه وإني مع بابا ف رفضه ليه. -خلاص هو حر ف تفكيره، أصلاً واحد بالتفكير دا وبعد عرضه ليكي أنكوا تهربوا سوا يبقى ما يستاهلش ومش بيحبك أساسا.ً استنكرت حياه غاضبة: هو عشان عايز يتجوزني بأي شكل يبقى ما بيحبنيش ؟ ربتت على كتفها مهدئه: لا، عشان مش عايز يتعب ولا يواجه عشانك، لو بيحبك فعلاً هيبقى عايز ياخدك في النور وقدام كل الناس، هيحارب عشان يوصلك مهما كان التمن .. بس هو اختار الطريق السهل، بس سهل ليه هو ونسي إنه بكدا بيسوء سمعتك وهيضر عيلتنا والله أعلم ممكن يعمل إيه ف بابا .. -بس هو بإيده إيه يعمله يعني ؟ - بسيطة، يسيب الشغل اللي مش ثابت دا ويشوف شغلانه ثابتة وقتها بابا مش هيعترض. - طب وأهله؟، يستعير أهل مثلاً ؟ - لا يا ستي مش هتوصل لدرجة الإستعارة، هو بابا قصده بس إنه مالوش كبير يتكلم معاه يعني مين اللي هيتفق معاه ف أمور الجواز والذي منه. -هو يعني صغير ؟ -ماحدش قال إنه صغير بس هي الأصول كدا، وبعدين لما تحصل بينك وبينه مشكلة المفروض يبقاله كبير يتكلم بابا معاه وقتها، حد يعرف يجبلك حقك منه. - لا إن شاء الله مش هنحتاج حد، ومش هنزعل من بعض. ابتسمت شقيقتها بحنان: إنتي طيبة أوي يا حياه. شردت بعيداً وهي تتحدث كأنها تحادث نفسها: اسمك مش لايق عليكي، بريئة وطيبة أوي عكس الحياه اللي مليانه شر وكره وبلاوي. افاقت إلى نفسها وتابعت بجدية: الجواز مش كله عسل وحب زي ما إنتي فاكره، إنتي نسيتي ماما الله يرحمها وخناقها مع بابا كل فترة ؟ .. أهو بابا أطيب وأحن راجل في الدنيا وكان بيتخانق مع ماما اللي مافيش ست متفهمة زيها .. فما بالك إنتي الطايشة المتهورة وسي شادي بتاعك دا ! عقدت ذراعيها بضيق: قصدك إيه يعني بالكلام دا يا ست زهرة ؟ ضحكت زهرة ضحكة خافتة: قصدي أقولك إنه الحياه مش وردي زي ما إنتي فاكره نظرت زهرة إلى الساعة المعلقه على حائط الغرفة الزهري: يلا روحي صلي الفجر والحقيه بقى، أنا كنت جايه أصلاً عشان أصحيكي تصلي لثمت وجنتها بحب واحترام: ربنا يخليكي ليا يا زوزو ضحكت زهرة: ماشي يا بكاشه ..أوعي خليني أروح أحضر الفطار. - ماشي، هاصلي وأجي أساعدك. - طيب يا ستي كتر خيرك. كادت أن تغلق الباب خلفها عندما إلتفتت إلى حياه كأنها تذكرت شيئاً: حياه.. انهت لف حجابها استعداداً للصلاة ثم وجهت نظراتها إلى زهرة: نعم ؟ رفعت سبابتها محذرة: أوعي تفكري تسمعي كلامه والأحسن ابعدي عنه خالص .. أنا ماكنتش بارتاحله بس بعد اللي قاله دا أن مابقتش أطيقه. أضافت غامزة قبل أن تغلق باب الغرفة خلفها: ماتنسيش اللي بيحب بجد مش بيفكر حتى يأذي اللي بيحبه ... واقتراحه دا لو عملتي بيه هيدمرك مش هيأذيكي بس! .. خلي الكلام دا حلقة ف ودنك. شردت حياه حزينة، هي لم تحب غيره ويبدو أنها ستحرم منه، قررت أن تنفض هذه الأفكار خارج رأسها وقد صفت ذهنها ووقفت في خشوع بين يدي الله، فدائماً كانت زهرة تخبرها أن قلوبنا بيده وأرواحنا ملك له لذلك هو وحده القادر على إزالة همومنا وإرسال الراحة إلى بالنا. *** جلست قرفصاء على سجادة الصلاة بعد إنتهاءها من صلاة الفجر تحمل بين يديها كتاب الله تتلو آياته بصوت ترهف له القلوب، مظهرة روعة كلماته التي تجعل القلب يدق إما شوقاً لذلك النعيم المذكور والوصف البديع لجنة الصابرين المتقين أو رهبة وخوفاً من عذاب النار. ظلت على هذا الوضع حتى أشرقت الشمس، أغلقت مصحفها مصدقه ونهضت تؤدي ركعتي الشروق. بعد تسلميها رفعت يديها ابتهالاً لربها تقول بقلب خاشع ونفس مكلومة ولكنها راضية: يا رب، يا رب، أنا عارفه أنه كل اللي بيحصل معايا دا قدري ومشيئتك وأنا ما اعترضتش ولا هاعترض ف يوم، أنا عارفه أنه "لو علمتم الغيب لأخترتم الواقع"، كل حاجه بتحصلنا مكتوبة ودا قدرنا، كل حاجه بسبب ولسبب، يا رب أنا على طول باترجاك ترجعلي بنتي، بنتي اللي ما شوفتهاش من خمس سنين، اللي مش عارفه ليها مكان ولا عارفه عنها حال، بس أنا متأكده إنك مش ناسيني ولا ناسيها، يا رب أحميها وأحفظها، وقفلها ولاد الحلال وأبعد عنها ولاد الحرام، خليها تكون قريبة منك تحكيلك وتفضفضلك، احفظها من كل سوء وكل شر. توقفت أخر كلماتها على طرف لسانها فقد لجمتها عن الخروج تلك الدموع اللؤلؤية التي بدأت في الهطول؛ ليس اعتراضاً ولكن حزناً لذكرى ما حدث منذ خمس سنوات عندما فقدت ابنتها. دار مقبض الباب ليسمح بدخول سيدة قد بلغ منها الكبر عتياً وترك الزمن بمشاكله ومصاعبه أثره على ملامح وجهها ليخفي شبابها الذي كان في يوم من الأيام وترك محله تجاعيد وحزن تشفق عليه النفوس. -بتعيطي ليه بس يا حنان ؟ مسحت حنان دموعه ورسمت بسمة على ثغرها: مافيش يا تيته، تحبي تفطري جبنة قريش لوحدها ولا أحطلك عليها زعتر زي كل يوم ؟ تابعت ناهضة تطوي سجادة الصلاة: ما تنسيش تاخدي الدوا بتاعك عقبال ما أجهز الفطار. تنهدت الجدة وهي ترى حفيدتها تتجه إلى المطبخ، برغم ما حدث وما يحدث معها ما تزال كما هي، لم تقهرها الدنيا ولم تُركعها صدمات الحياة، وما يدل ذلك إلا على حسن تربية ابنتها الحبيبة لتلك الفتاة. تلاشت ابتسامتها التي ظهرت عند تذكرها لابنتها المتوفاة، لقد ظنت أنها وحيدة وقت وفاة ابنتها قبل سبعة عشر عاماً شعرت وقتها بالقهر والحزن، اعتقدت لفترة أنها اغضبت الله في شيء ما، اقترفت ما تسبب بحرمانها من ابنتها الوحيدة، لكنها فجأه أدركت أن الله لم يتركها وحدها تعافر في هذه الحياة بل مد عمرها لتبقى سنداً لحفيدتها حنان. كانت حنان في المرحلة الثانوية عندما فقدت والديها معاً في حادث غرق العبارة أثناء عودتهما من العمرة، قبلها رفضت حنان أن يؤجل والداها تلك الفريضة من أجل امتحانات الثانوية العامة التي تصادفت أن تكون في نفس الموعد، ظلت تحوم وتدور خلفهما تحاول اقناعهما حتى اقتنعا بالنهاية ورضيا بما شاءت، رفض الطبيب سفر الجدة لأي سبب فجاء ذلك راحة لوالدة حنان "فاتن"، فسوف يكون هناك من يهتم بحنان خلال سفرها. لكن شاء الله وأمره نافذ أن تغرق العبارة التي كانت تحمل فاتن وزوجها أثناء طريق العودة، أحست وقتها بأن الدنيا قد أنهرت ولن تعود كما كانت، أصابتها نوبة قلبية عند سماعها الخبر المفجع. لمع في ذهنها ثبات حنان وقتها، كانت تبكي بهدوء دون أن تصرخ أو تعترض حينها حسدتها على ثباتها وفي الوقت ذاته خافت عليها أن تكون الصدمة سبباً في وقوعها أسيرة المرض. بعد مرور أيام العزاء، استيقظت ليلاً لتتناول الدواء عندما سمعت صوت يخرج من الحجرة التي تقطنها حنان. اقتربت بهدوء ونظرت عبر فتحة الباب الذي لم يكن موصداً، وجدتها تجلس كما رأتها قبل لحظات ، تفترش سجادة الصلاة وبين كفيها المصحف تتلو آياته بصوتها العذب. دخلت إليها متسائلة: إيه اللي مسهرك لحد دلوقتي يا حنان ؟ - صدق الله العظيم .. مافيش يا تيته بأصلي قيام وقولت اقرأ قرآن وادعي لبابا وماما بالرحمة -تعيشي وتفتكري يا حبيبتي جلست بجانبها أرضاً وتابعت: إنتي بتكتمي جواكي ليه ؟ .. أنا عارفه إن موتهم صعب عليكي ومش عليكي لوحدك عليا أنا كمان بس طلعي اللي جواكي دا بأي شكل كسري أو صرخي .. أي حاجه بس بلاش اللي إنتي عاملاه ف نفسك دا! - طب دا هيفيدهم بإيه ؟، مش لما ادعيلهم هيبقى أحسن ؟ .. عارفه يا تيته .. ف مرة سمعت شيخ ف خطبة الجمعة بيتكلم عن تصرفات الناس بعد موت ناس عزيزة على قلبهم، وقتها قال إن الدموع والعياط دا بيفيدنا إحنا عشان بيطلع اللي جوانا بس هما هيستفادوا إيه ؟، مش لو دعينالهم أو عملنا صدقة جارية باسمهم أحسن ؟، كمان قال إنه الصويت وحالة الضياع اللي بتحصل لبعض الناس دي وخصوصاً من ولادهم دا بيكون سبب في عذابهم لإنه بكدا هما ما فهموش ولادهم معنى الموت وإنه لكل أجل كتاب .. وأنا مش عايزة أكون سبب في عذابهم. أكملت بتأثر: ماما كانت بتسمع معايا الخطبة دي وخلتني أوعدها إن لو حصلهم حاجه ما أعملش كدا وإني ادعيلهم كتير ويفضلوا على لساني ف كل دعاء. خجلت الجدة من نفسها؛ حفيدتها التي تعتبر طفلة تتصرف هكذا أما هي فشعرت بأن الدنيا قد انتهت ولن تستمر مجدداً. ربتت على كتفها سألتها بتردد: إنتي حاسه بالذنب إنك إنتي اللي أصريتي عليهم إنهم يسافروا ؟ أطرقت حنان قبل أن تقول بهدوء: أنا كنت حاسه بكدا ف الأول بس لما ماما جاتلي ف الحلم إحساسي دا راح بتعجب استفسرت: شوفتيها ف الحلم ؟ - أيوه، جات وقالتلي إني ما أزعلش وما أحسش بالذنب .. بالعكس إني المفروض أفرح لإني كنت السبب ف إنهم ماتوا بعد العمرة بعد ما غسلوا نفسهم من الذنوب وماتوا قبل ما يرجعوا يعملوا ذنوب تاني، قالتلي إنهم كانوا هيموتوا ف المعاد دا مهما اختلفت الطريقة، وإنها تموت بعد العمرة أحسن ما تموت وه في سريرها وذنوبها لسه على كتافها. أفاقت على الواقع حين نادتها حنان لتتناول فطورها، اتجهت إلى مائدة الطعام وهي تبتسم، لقد كانت حنان نعمة فاتن من بعد الله -عز وجل- إليها، عادت لوعيها وإدراكها ما تملك في مقابل ما خسرت، خسرت ابنتها ولكن عوضت بحفيدة بارة بها تحبها أشد الحب .. فالحمد لك يا الله كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. *** لحقت حياه بأختها في المطبخ، زهرة بالنسبة لها والدتها التي فقدتها منذ سنوات والأخت التي تحب مداعباتها والجدال معها بالإضافة إلى الصديقة التي تحمل أسرارها، إنها شقيقتها الكبرى ولكن لم تفكر في فارق السن بينهما فقد كانت دائماً كأنها توأمها. طلبت منها زهرة بينما تقوم بتقطيع الخضراوات أن تذهب لتتأكد من استيقاظ الجميع بداية من والدهم وصولاً لأصغر أشقائهم. همت بصعود الدرج عندما وجدت والدها يهبطه على مهل، ركضت في إتجاهه وقبلت وجنتيه باسمة: صباح الخير يا أحلى بابا ابتسم الأب بحنو: صباح النور يا حياه، أومال فين إخواتك ؟ - زهرة فالمطبخ بتحضر الفطار وأنا هاطلع أصحي الباقيين. -طيب يلا روحي صحيهم بسرعة عشان ورايا شغل كتير. - من عنيا، أنت تأمر بس يا روقه وأنا عليا أنفذ. ضحك قائلاً: إيه روقه دي يا بنت ؟، هو أنا من سنك ؟ تأبطت ذراعه وهبطت معه الدرجات المتبقية قالت بجدية: أنا أخاف أمشي معاك ف الشارع يفتكروك خطيبي يا روقه وتقطع نصيبي. سحب ذراعه منها قائلاً بصرامه: روحي صحي إخواتك. رفعت كفها في تحيه عسكرية وقالت بإقتضاب مصطنع: علم وسينفذ. انطلقت تصعد الدرجات بسرعة، ابتسم والدها بعد انصرافها لكنها تلاشت عند تذكره من طلب يدها قبل يوم. حدثت نفسها بصوت هامس أثناء صعودها: مش معقولة هأكلم بابا بزعل، أي نعم هو رفض إني أتجوز اللي بأحبه بس هو مايعرفش إني بأحبه، وبعدين لسه قدامنا فرص كتير مش من أول مرة هأزهق، كمان لو بابا عرف إني عايزاه ما أعتقدش هيرفض يعني دا بيحبني أوي وعايزني سعيدة بأي شكل .. يوووه بقى ربنا يستر ولساني ما يتسحبش من مكانه ويخليني أقول لبابا كلمة تزعله .. وهو اللي عمره ما زعلني قبل كدا! .. بس بقى بس، لما أروح أشوف الناس اللي نايمه دي وأنا اللي مانمتش ساعتين على بعض .. إهئ إهئ .. أنا بايني أتجننت ولا إيه ؟؟ هههه دفعت الباب على نحو مفاجئ وصرخت سائلة: ظبطك بالجرم المشهود، بتعمل إيه عندك يا عم أنس ؟؟ انتفض أنس على إثر الصدمة وعندما رأها هتف بغضب: يا بنتي إنتي مش هتبطلي الأسلوب بتاعك دا ؟؟ وضعت يديها في خصرها: بنتك والأسلوب بتاعي ؟ .. أنت مش شايف إنك خدت عليا أوي يا سي أنس ولا إيه ؟ - أووووف بقى، إنتي إيه اللي جابك ؟ - جيت أقولك إن الفطار جاهز عاد يجلس أمام حاسوبه قائلاً بعدم اهتمام: طيب طيب، روحي وأنا جاي وراكي. علقت مستهزئه: أه، على العشا مش كدا ؟ قال بملل وهو يضرب على لوحة المفاتيح كاتباً بضعة كلمات: يا ستي قولت جاي. اقتربت منه بهدوء وبدأت تقرأ ما كتبه من فوق أكتافه دون أن يشعر بها ظناً منه أنها غادرت الغرفة وأخيراً. هتفت بصدمة: أنت بتحب يا أنس ! ارتعشت يديها الممسكة بالفارة وأغلق الصفحة التي كان يجري بها الدردشة بسرعة لكن ظهره ظل في مقابل وجه شقيقته. أدارته ناحيتها وجلست على طرف الفراش تسأله بهدوء: مين دي ؟ لعلمه عن إصرار أخته وأنها لن تتركه حتى تعلم الحكاية بتفاصيلها وأيضاً خوفاً من إخبارها لوالدهما تحدث ببطء ونظره لا يتزحزح عن حذاءه المنزلي: واحدة. - ما أنا عارفه إنها واحدة، حد قالك إني فاكراها واحد ؟، قصدي عرفتها إزاي .. اسمها إيه .. تعرفها منين؟ -اسمها داليا وعرفتها من النت . -من النت ؟ إزاي يعني ؟ - عادي، اتعرفت عليها من الفيس، شوفتها ف جروب وكانت تعليقاتها وكلامها بيعجبني، حسيت تفكيرها نفس تفكيري بعتلها أدد وهي قبلته وبدأنا نتعرف على بعض. -إممممم ... قولتلي. وبعد صمت لثواني معدودة مرت على أنس كالسنوات، سألته: دي عندها كام سنة بقى ؟ تردد قليلاً قبل أن يقول باستسلام: 40. -نعم ؟؟؟؟ لوى شفتيه وقال هازئاً: أنا عارف إنك مش هتفهميني. -دي قد عمرك أربع مرات يا ابني، أفهم إيه بس ؟؟؟ توقفا عن الكلام عندما سمعت والدها يطلب منهم الإسراع حتى لا يتأخر عن عمله، نهضت من مكانها وأمرت أخيها: روح صحي محمود وأنا هاروح أشوف عصام تبعها للخارج وقبل أن تتركه لترى شقيقها الأخر نظرت إليه متوعدة: وهنتكلم في الموضوع دا تاني بس لما نبقى لوحدنا ابتعدت عنه، وجدت شقيقها عصام يقوم بفرز بعض الأوراق على الأرض، أخبرته أن موعد الإفطار قد حان فترك ما بيده ونزل بصحبتها. سألته بصوت يشوبه الحزن أثناء نزولهما الدرج: لسه مصمم تسافر ؟ ابتسم ولكن إذا تم اعتبارها ابتسامة من الأصل: فات الكتير ما بقى إلا القليل .. كلها كام شهر وأخد الدكتوراه وأجي أقعد على قلبكوا بعد كدا -يعني دي أخر مرة تسافر فيها؟ -قولي يا رب -أنت بتوحشني أوي يا عصام ضمها إلى صدره: وإنتي بتوحشيني أكتر، بس هانت إن شاء الله أبعدها رافعاً نظارته الطبية ويفرك عينيه ليمحو الدموع المتجمعة بداخلها: بس بقى، عجبك كدا ؟، هتخليني أعيط والحاج يفتحلي موال. مرت من أمامهما زهرة وهي تحمل طبقاً في يدها: حياه روحي هاتي طبق العيش والمخلل من المطبخ وأنت يا عصام يلا بسرعة بابا مستعجل. عصام: طيب، أديني رايح أهو. (3) عندما لم يجدها تنام إلى جواره نهض يبحث عنها ، كانت تضع الطعام فوق المائدة وهي تتحدث إلى نفسها بصوت هامس لم يكد يتبين فحواه. أخذ يقلب كفيه: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنتي اتجننتي يا سمية ؟، بتكلمي نفسك ع الصبح كدا ليه ؟ ضغطت على أسنانها: وهو أنا طول ما ورايا ابنك وبنتك دول هارتاح أبداً، ما أنا لازم أتجنن. أمسك كفها وأجلسها على الأريكة جالساً بجوارها: إيه اللي حصل ؟ تنهدت: صحيت لاقيت حمزه مش ف أوضته ولا البيت كله ومي مي نايمة على سريره .. اتصلت بنجلاء مش بترد وقلقانه عليها -نفسي أعرف إنتي غاويه تقلقي نفسك ليه ؟، إحنا جوزناها عشان نقلق عليها أكتر م الأول ؟ - أنت ما كنتش شايف حالتها إمبارح كانت إزاي؟ - أيوه، بس مش يمكن تكون كلمت جوزها وعرف يهديها والموضوع اتقفل؟، هي بتكلمك عشان تفضفض عن اللي جواها لكن مادام المشكلة اتحلت تكلمك ليه؟ - عشان تطمني ع الأقل. - يمكن نايمة، ما إنتي عارفاها بتنام لحد الضهر ويادوب الساعة لسه 7 - معاك حق، طب والبيه التاني ؟ -ما هو قالك إنه هيسافر بدري. -كدا حتى من غير فطار ؟ - هو أصلاً واكل متأخر، لو جاع هيجيب حاجه ياكلها ابنك عنده 30 سنة يعني مش عيل صغير. -مالحقتش أشبع منه. - شغله وظروفه كدا، إدعيله إنتي بس. - هو بس لو يلاقي بنت حلال كدا وتدخل قلبه أكيد هيرجع يستقر تاني بدل ما هو كل يومين ف بلد شكل كدا - إن شاء الله هيلاقيها، بس لما يجي الأوان المناسب. ثم أضاف مازحاً: وبعدين مش كفايه عليكي أنا ومي مي ؟ .. دا أنا هاموت من الجوع، يلا بقى كملي الفطار بقى عشان هفتـــــــان . - ههههههههههههه طب اقرأ الجورنان عقبال ما أخلص. *** اجتمعت العائلة حول مائدة الإفطار ولكنها لم تكن مائدة السفرة بل "طبلية" الطاولة المعتادة في الريف والصعيد، توجد أثنتان ملتصقتان منها حتى تستوعبهم جميعاً. تنهد أنس بملل: أنا نفسي أفهم أنت ليه يا بابا بتحب تقعد ع الطبلية مالها تربيزة السفرة يعني؟، ع الأقل نبقى قاعدين مرتاحين بدل ما إحنا مزنقين ف بعض كدا فاروق: يا ابني مافيش أحلى م اللمه دي، أيام ما كنت عايش ف القاهرة عرفت قيمة الطبلية ولمت العيله دي وأنت مسيرك تحسها ف يوم من الأيام. محمود: معلش يا بابا سيبك منه دا عيل وما يفهمش حاجه، ربنا يهديه. أنس بغضب: مين دا اللي عيل يا سي محمود ؟ وضعت حياه قطعة جزر في فمه قائلة بنبرة تحذيرية: أنت تخرس خالص. نظر أنس في الطعام الذي أمامه صامتاً، تسأل فاروق: أومال فين عيشه يا محمود ؟ محمود: تلاقيها مع الولاد، صحيوا من تلاته الفجر وما ناموش لحد دلوقتي. فاروق: ربنا يكون في عونها حاكم العيال مش سهلة فما بالك بقى بتوأم. حياه ضاحكة: ومش أي توأم يا بابا، دول محمد ومصطفى، يعني الشقاوة كلها أقبلت عليهم عائشة متخذة مكانها إلى جوار زوجها: صباح الخير. ردد الجميع: صباح النور. ثم أضاف فاروق: ناموا ولا لسه ؟ تنهدت بتعب: أخيراً يا بابا، دول طلعوا عيني واحد ينام التاني يصحى لحد لما بجاش فيا حيل وهأموت من النُعاس. فاروق لائماً: ما إنتي اللي مش راضية تخلي حد ياخد باله منهم معاكي، يعني معاكي بنتين ف البيت ومش مخلياهم يساعدوكي. عائشة: أنا باحب أخد بالي من ولادي بنفسي، كنت فاكرة الموضوع هيبجى سهل بس شكلي إكده هأرچع ف كلامي ههههههه. محمود مقهقهاً: ما كان م الأول، لازم تعذبي نفسك يعني ؟ عائشة وهي تحاول فتح عينيها بصعوبة: بقالي كام يوم مش بأنام إلا ساعتين بس لحد ما خلاااص حاسه أنه هيچرالي حاچه. أسرعت حياه: بعد الشر عليكي يا عيوشه، بصي سلمى هتجيلي إنهارده هأخليها تاخد واحد وأنا أخد واحد ونريحك منهم شوية، وإنتي روحي ناميلك كام ساعة، إيه رأيك ؟ عائشة بفرحة: حبيبتي يا حياه، ربنا يخليكي ليا . زهرة: إيه وأنا ماليش ف الحب جانب ولا إيه ؟ محمود بحب: دا إنتي الحب كله، دا كفايه إنك شايله البيت على كتافك. نزع عصام نظارته الطبية وهو يدعي محو دمعة خيالية: ترى اتأثرت لحظة أبكي. وكزته زهرة في ذراعه: أنا اللي هأخليك تبكي بجد. عصام مقهقهاً: خلاص خلاص حرمت يا سيادة الريس. حياه: ألا صحيح يا عصام ... هو أخبار خديجة إيه ؟ تنهد بقوة وظهر الحزن على ملامحه: ربنا يستر ... مضايقه مني. فاروق بقلق: خير يا ابني ؟ عصام الدين: أبداً يا حاج، عشان موضوع السفر ودراستي بره. محمود: هانت كلها كام شهر وترجعلنا بالسلامة وماعدتش متعتع من هنا تاني. زهرة: ما تقلقش يا عصام، أنا هابقى أروح أزورها وأتكلم معها، ما تشلش أنت هم. قبل عصام يد أخته: ربنا يخليكي ليا يا أحلى أخت في الدنيا قطع تلك اللحظات العاطفية الحديث الذي دار بين حياه وأنس. أنس: سيبيها حياه مخرجة لسانها: لا مش هأسيبها .. سيبها أنت. أنس بعند: لا هتسبيها فاروق متعجباً: في إيه منك ليها ؟ حياه بنبرة طفولية وهي مقطبة الجبين: مش عايز يسيبلي أخر بططساية ف الطبق يا بابا ! أنس: ما إنتي اللي خلصتي البطاطس كلها أصلاً، مستكترة عليا بططسايه حياه باستفزاز: ما هو كان قدامك حد كان قالك ما تاكلش، أما عجيبة أنس: هو إنتي حد يقدر عليكي ف الأكل، دا إحنا قربنا نعيش في مجاعة بسببك حياه: سيب البططساية يا أنس أحسنلك ثم أضافت ببطء وهي تغمزه بعينيها: ولا أقوووول وأنت عارف هيحصل إيه لو قولت خشى أنس أن تفضح سره أمام والده وأشقاءه فسحب يده في خوف، تناولتها حياه أخيراً وبدأت تأكلها باستمتاع حقيقي وكأنها أجمل قطعة بطاطس في العالم، مستلذة بإغاظته أكثر من طعمها. تسأل عصام مستغرباً انسحاب أنس بتلك الطريقة: هو إيه اللي أنس خايف تقوليه ؟ توتر أنس بشدة ولكن حياه غمزته قائلة بلا مباله: أبداً، أصل قبل كدا أخدت منه أخر تفاحة بردو ... بس بطريقتي الخاصة، وهو ما كانش عايز حد يعرف ضحك الجميع على سلوكهما الطفولي، حياه في الثالثة والعشرين من العمر ومع ذلك تتصرف كطفلة في عقدها الثالث فقط، ومع ذلك تبقى هي قطعة من قلب كل واحد منهم. ظلوا يتناوشون سوياً، يضحكون ملئ أفواههم والفرحة تعشش فوقهم. ابتسم فاروق بسعادة فهذه هي عائلته التي سعى هو وزوجته -رحمها الله- إلى تأسيسها وجعلها يداً واحدة لا تفترق، نقل نظره بينهم في فخر، لقد أحسن تربيتهم وزرع في قلوبهم الأخلاق الحميدة، كان الدعاء الوحيد الذي يصر عليه في كل الأوقات وأثناء صلاته أن يبعد عنهم الشيطان ويظلوا متحدين دوماً. *** استيقظت حوالي الساعة الحادية عشر والربع، تحسست النصف الأخر من السرير الذي يحتله زوجها لكنها لم تجده كما أن المكان بارد يدل على نهوضه منذ زمن. تمطأت بشدة وهي تنهض من السرير بكسل، اتجهت إلى طاولة التزينة وجلست أمامها تعيد ترتيب شعرها، لاحظت تورم بسيط في شفتيها مما جعلها تتذكر ما حدث بينها وبين زوجها الليلة الماضية. ابتسمت بسعادة، ففادي هو حب عمرها ولكن في الفترة الأخيرة بدأت تشك في تصرفاته نتيجة ما اكتشفاه منذ عدة شهور، بعد زواج لم يدم أكثر من ثلاث سنوات لم يرزقهما الله خلالهم بأطفال؛ اتجهت نجلاء إلى الأطباء لتكتشف أنه ليس باستطاعتها الإنجاب ... على الأقل خلال الفترة الحالية. تذكرت رد فعل فادي وقتها، لقد ضمها قائلاً أنه لا يهتم ما دامت هي معه، عرضت عليه تطليقها والزواج بأخرى فنهرها قائلاً ماذا يفعل بطفل لا يحمل دماءها. رغم وقوفه بجانبها وصبره على عقمها، إلا أنها بدأت في تناول بعض العقاقير التي وصفها الطبيب، وكان الشك يأخذ منها مأخذه، تحبه لدرجه جنونية لا تتخيل معها أن يكون لغيرها حتى عندما عرضت عليه الزواج بأخرى كان تدعو داخلها أن يرفض بشدة فمهما كان هو حب عمرها، قد يكون تصرفها فيه أنانية ولكن الحب في نظرها لا يخلو منها. استيقظت من عالم ذكرياتها على رنين هاتف المنزل، ركضت مسرعة علّه يكون حبيب قلبها، لكن لم تستطع إخفاء الخيبة في صوتها عندما سمعت صوت والدتها القلق. -آلو .. يا نجلاء -أيوه يا ماما -فينك يا بنتي قلقتيني عليكي، مش بتردي على موبايلك ليه ؟ -معلش يا ماما كنت نايمه ولسه صاحيه دلوقتي - طب طمنيني، حصل إيه مع جوزك؟ -الحمدلله يا ماما ، كله تمام - الحمدلله طمنتيني .. طب مش ناوية تيجي ؟ - مش عارفه .. هاشوف ظروفي كدا وأقولك - ماشي يا حبيبتي، خلي بالك من نفسك أغلقت الخط مع والدتها واتجهت إلى المطبخ تعد كوباً من الكابتشينو الذي تعشقه، ثم عادت به أمام طاولة الزينة تتفحص ملامح وجهها. إنها ذات بشرة بيضاء كالحليب الصافي، عيونها زرقاء كزرقة السماء في صباح يوم رائق أما شعرها فكان يميل إلى الإشقرار مع حفاظه على درجة من البني الفاتح، كان اهتمامها الأكبر منصباً على رأسها فهي لا تحب النظر إلى جسدها لأنه ممتلئ بعض الشئ مما يجعلها تشعر بالخجل منه. وقفت أمام المرأة تتأمل شكلها في ثوب النوم وكيف يبدو جسدها، كانت تبدو به فاتنة لكنها لم تعترف بذلك بل تنهدت بحزن وفتحت خزانتها. استعدت للخروج وارتدت حجابها الأنيق وملابسها المحتشمة ثم تناولت مفاتيحها وهاتفتها ووضعتهم في حقيبة تحمل نفس لون ملابسها، وانطلقت في طريقها خارج المنزل. *** سار على أطراف أصابعه متلفتاً حوله في قلق، تطلع على الدرج ولم يجد أحداً فبدأ يتسحب رويداً رويداً يحاول ألا يصدر صوتاً يلفت إليه الانتباه. فجأه شعر بيد توضع على كتفه والصوت الذي كان يحاول الهرب من سماعه يسأله: على فين ؟ التفت إليه بتوتر: أبداً كنت بأتمشى حياه بسخرية: بتتمشى وأنت بتستخبى ورا الكراسي والستاير ؟ وعلى طراطيف صوابعك ؟ سعل قليلاً حتى يجعل كلماته تخرج من جوفه واضحة: دي طريقة جديدة - إممممم قولتلي .. طب يا أبو طريقة جديدة في كلام بينا لازم يخلص، قدامي على أوضتك أشارت له حتى يسير أمامها فإنصاع مجبراً ... جلسا متجاورين وحياه تنظر إليه بينما ينظر هو أرضاً. بدأت تنهال عليه باسألتها مستقصية عن معلوماته التي يملكها عن تلك السيدة الأربعينية، أخبرها أنها مطلقة ولديها طفلان أحدهما في سنه والأخر في بداية الثانوية. -يعني عمرها يخليها تنفع تبقى مامتك، أنت إيه اللي خلاك تعمل ف نفسك كدا ؟ أنت فاكر أنك كدا بتحبها ؟ -أومال إيه ؟ - أنس يا حبيبي، أنت أصغر واحد فينا وأقل واحد أتمتع بحنان ماما –الله يرحمها-، ماما ماتت وأنت عندك ست سنين، أنت ما حبتهاش الحب بتاع واحد وحبيبته لا أنت حبيتها حب الابن ومامته بس عشان سنك صغير فمش قادر تفرق بين الإتنين. -طب لو زي ما إنتي بتقولي كدا دي مشاعري طب وهي ؟ -هي ولادها معاها ولا مع طليقها ؟ -لا معاه لكن بيزوروها كل فترة - أديك قولتها بنفسك، هي كمان ولادها مش معاها ومش عارفه تديهم الحنان دا لكن أنت موجود فبتديهولك أنت -مش عارف بقى صفعته على وجهه مازحة: ما تلويش بوزك دا ف وشي -ما أنا مش عارف أعمل إيه دلوقتي - اللي تعمله إنك تبعد عنها، لإنك طول ما أنت موجود هتبعد عن ولادها لإنها لاقت اللي يكون محتاج لحنانها وحبها فمش هتدور على ولادها اللي أكيد هي حاسه إنهم مش محتاجينها، خليها تدور عليهم بدل ما تحس بعد كدا بالذنب إنها بعدت عنهم وتشيل نفسك الذنب دا. أكملت: وأنت ركز في دراستك عشان تدخل ثانوية عامة زي ما أنت عايز ومنها على كلية هندسة زي ما مخطط، بلاش التعارف بتاع النت دا يا أنس، الله أعلم الناس اللي فيه بيبقوا إزاي وغرضهم إيه -ماشي يا ست حايويه -إيه حايويه دي ؟ - دلعك، ما إنتي اسمك مالوش دلع بقى، والجيش قالك اتصرف! نظرت له بمكر: بقى الجيش قالك اتصرف ها ؟ رأى بريق عينيها ففهم مقصدها، بدأ بالركض في جميع أنحاء المنزل وهي تلاحقه، خرجت زهرة تصرخ بكليهما. - بس بس إيه الدوشه دي ؟؟، دلوقتي محمد ومصطفى يصحوا وهيبقى يوم مش فايت توقف أنس عن الركض، ضرب رأسه بكفه: أوبس، تصدقي نسيت لا أنا مصدع لوحدي مش ناقص حياه بصوت هامس: معلش يا زيزا العتب ع الذاكرة بقى أنس مداعباً: بقى بتعيبي على حايوية وبتقولي زيزا ! .. ربنا يشفي - ماله زيزا يعني ؟؟؟، اسم الله على اسمك اللي مقطع الدلع ياخويا زهرة: بس منك ليها، أنتوا ناقر ونقير على طول كدا ؟ ثم التفتت إلى حياه: أنا هاروح أشوف خديجة وأجي، وإنتي خلي بالك من محمد ومصطفى هما نايمين بس خلي عينيك عليهم عشان عيشه بتريح شويه حياه: ما تخافيش، سلمى زمانها جايه وهنقعد معاهم لو صحيوا ما تخافيش استدارت زهرة إلى أنس: وأنت يا أنس روح ذاكر بقى وسيبك من اللعب دا، أنت ناسي إنك إعدادية ولو ما جابتش مجموع مش هتدخل الثانوية. أنس: طيب طيب، أنتوا هتذلونا ولا إيه، أديني طالع نادته حياه: ما تنساش اللي اتفقنا عليه ... ها ؟ أومأ موافقاً ثم صعد إلى غرفته، غادرت زهرة المنزل، واتجهت حياه إلى غرفتها تحاول الإتصال بحبيبها فقد بات الجو هادئاً. *** دلفت حنان إلى الفصل المسئولة عن تدريسه مادة التربية الدينية، هي لا تلقنهم الدين فحسب ولكن تعلمهم كيف يكون الدين جزء لا يتجزأ من حياتهم؛ شاملاً ألفاظهم وسلوكهم. لقد تخرجت من كلية التربية لتصبح معلمة، هذه كانت أمنيتها حتى تُحول التعليم من عقوبة يهابها الأطفال إلى فسحة ينتظرونها من وقت إلى أخر، فالتعليم متعة لمن عرف كيفية تحويله من مجرد مواد دراسية مملة رتيبة إلى مواد شيقة تلتصق بالأذهان بمجرد سماعها لا أن تتحرر من العقل بمجرد كتابتها في ورقة الإمتحان. كانت ترتدي ثوباً أبيض يعلوه سترة رمادية وحجاب أبيض، ترتدي في أغلب الأوقات نفس ألوان ملابسهم حتى يشعروا أنها قريبة منهم وإليهم. ما إن دخلت حتى توقفوا عن الحديث ووقفوا في احترام لدخولها، وضعت دفاترها فوق الطاولة المخصصة لها ورسمت ابتسامة غاية في الجمال تحمل لهم الكثير من الحب والحنان. ألقت السلام وبعد أن ردوه، جعلتهم يجلسون وبدأت في دخولها بموضوع اليوم لكن بطريقة مختلفة كعادتها في كل مرة. - قبل ما أدخل كنتوا بتتكلموا مع بعض، صح ؟ أومأ الجميع في موافقة، تابعت: كل واحد بالدور كدا يقولي كان بيتكلم ف إيه .. هنبدأ بيك أنت يا وائل وقف ونظر حوله في توتر ملحوظ فهمت سبب توتره؛ فطلبت منه الجلوس وانتقلت إلى الذي يليه وهكذا. وقفت فتاة ذات ضفائر بنية وقالت: كنت بأقول لنسمة إن ماما هتعملنا إنهارده بط وأنا مش بأحبه وهي قالتلي إنه مامتها هتعملها فراخ وأنا باحبها، وكنا عايزين نبدل سوا إنهارده عشان كل واحدة تاكل اللي بتحبه. انتاب الجميع موجه من الضحك مما جعل الفتاة ورفيقتها تشعران بالخجل، أوقفت الضحك بحزم قائلة: أنا مش شايفه حاجه تضحك بالعكس، هما حلوا المشكلة بطريقة حلوة جداً، يعني بدل ما يقولوا إحنا مش هناكل اتفقوا يبدلوا سوا بحيث كل واحدة تاكل اللي تحبه، بجد أحييكوا يا بنات على فكرتكوا وبدأت بالتصفيق يلحق بها البقية بعد أن حولت سخريتهم إلى إعجاب، شعرت الفتاتان بالفخر وجلست كل منهما مرفوعة الرأس. عادت المعلمة حنان إلى الحديث: اللي نسمة وألاء قالوه دا مش عيب، بس العيب على اللي ما اتقالش نظرت إلى وائل وكل من لم يستطع الإجابه: أنت ما جاوبتش ع السؤال تحب أقولك ليه ؟ ... عشان كنت بتتكلم عن غيرك صح ؟ نظر وائل إلى يديه المضمومتين وقد أحمر وجهه خجلاً، أكملت بهدوء: مش وائل بس اللي عمل كدا، كل واحد قام واتكسف يتكلم أكيد كان بيتكلم عن حد غيره إلتفتت إلى السبورة وتناولت قطعة طباشير، كتبت بخط كبير يراه الجميع "الغيبة" بينما تتابع حديثها: ودي يعني تتكلموا عن حد مش موجود وفيه فرق بينها وبين النميمة ثم أضافت "النميمة" إلى جوار الأخرى واتجهت إلى شرح الحديث لتستوعبه عقولهم: الرسول ﷺسأل الصحابه إذا كانوا يعرفوا معنى الغيبة .. فقالوا إن الله والرسول هما اللي يعرفوا .. فشرحلهم الرسول ﷺ أنك تتكلم عن أخوك وحش وتقول عيوبه والأخ هنا يعني مش أخوك من باباك ومامتك لا الأخ يعني أي حد بس قال عليه أخ عشان يوضح أنه حتى لو أقرب الناس ليك وتربطك بيه أي صلة ما ينفعش تعمل كدا. رفع وائل يده مستأذناً بالحديث، سمحت له فقال: بس أنا ما اتكلمتش عنه بكلام مش فيه أنا كنت بأتكلم عنه بحاجه الكل عارفها فيه يعني مش حاجه جديدة ابتسمت بهدوء وأجابته: نفس سؤالك دا الصحابه سألوه للرسول ﷺوقتها رد عليهم وقال: لو كانت فيه يبقى أغتبته يعني اتكلمت عنه في غير وجوده ولو ماكانتش فيه تبقى بهته يعني اتكلمت عليه بالباطل وافتريت عليه وفي الحالتين أنت ارتكبت ذنب كبير. سألتها ألاء: هي الغيبة وحشة أوي كدا يا أبلة حنان ؟ ردت عليها بهدوءها: ربنا شبه اللي بيغتاب حد كأنه ماسك اللي بيتكلم عنه دا وعمال ياكل في لحمه وهو ميت رأت الاشمئزاز على وجوههم فتابعت: شوفتوا عملتوا إزاي؟، أنتوا بقى كل مرة بتتكلموا عن حد وتغتابوه كأنكوا بتعملوا كدا. سألها طالب أخر محتاراً: وطب العمل دلوقتي يا أبله ؟ نسمة: طب يا أبله ربنا هيسامحنا ؟ ردت عليها زميلتها: إن الله غفور رحيم ابتسمت حنان: صح يا ندى، ربنا فعلاً بيغفرلنا، مش إحنا اتفقنا قبل كدا إنه ربنا بيحبنا أوي وبيخاف علينا خالص؟، يبقى أكيد هيسامحنا وائل: طب وأعمل إيه عشان يسامحني ؟ حنان: تستغفر ربنا وأهم حاجه ما ترجعش تعمل كدا تاني هتفت طالبة أخرى: أومال هنتكلم ف إيه يا أبله ؟؟ ضحكت حنان: هو مافيش حاجه تتكلموا فيها غير أنكوا تجيبوا سيرة الناس ؟، ممكن تتكلموا ف مادة من المواد، أو تقولي مثلاً طريقة جديده لعلاج مرض، أو العلماء وصلوا لإيه، تعلمي غيرك إنه يذكر الله فيه مليون حاجه غير الغيبة. أضافت مكملة شرح الدرس: بس فيه ست مواقف ما تعتبرش غيبة الأول: التظلم، يعني تروح وتشتكي للقاضي أو في البوليس مثلاً إن فلان عمل فيك كذا، أوسرق منك كذا التاني: المساعدة في تغيير حاجه غلط، يعني تروح لفلان تقوله دا فلان بيعمل كذا وكذا وأنت اللي ف إيدك تساعده وتبعده عن دا التالت: الاستفتاء، يعني تطلب النصيحة من حد فتروح تحكيله دا حصل كذا كذا .. أعمل إيه ؟ الرابع: التحذير، يعني سمعت مثلاً واحد بيقول إنه هيروح يضرب فلان، فتروح أنت لفلان دا وتقوله خلي بالك دا عايز يضربك، أو تروح لفلان دا وتقوله بلاش تشتري من الراجل الفلاني أصل حاجته وحشه، أو لما يسأل الأب مثلاً عن واحد عايز يتجوز بنته ساعتها تقوله الحقيقة عشان ممكن حياة البنت توقف على كلمة منك بس تقول كلمة الحق. الخامس: إنه يكون الشخص دا بيعمل الحاجه الوحشه دي في العلن وقدام الناس، يعني مثلا بيضرب الفقرا وقتها ممكن تذكره بده بس ما تقولش صفة تانيه مش معروفة فيه السادس: التعريف، يعني تقول فلان الأعمى أو الأحول، بس تكون صفة فيه وما تكونش بتقولها عشان تتريق عليه أو تقلل من قيمته في الحالات السته دول ما تعتبرش غيبة سأل أحد الطلاب: طب إيه هي النميمة يا أبله ؟ -النميمة بقى إنه الواحد ينقل كلام سمعه من واحد للتاني عشان يوقع بينهم، يعني مثلا أنت سمعت إنه وائل بيقول إن سعيد دا كداب فروحت لسعيد تقوله دا وائل بيقول إنك كداب ساعتها سعيد هيروح لوائل ويتخانق معاه عشان قال عنه كدا وتوقعهم ف بعض نسمة: ودا عقابه إيه يا أبله ؟ حنان: مش هيدخل الجنة عشان الرسول ﷺقال: "لايدخلالجنةنمام" سفقت بيديها قائلة بنشاط: يبقى إنهارده هنبطل نعمل إيه ؟ قال الجميع في نفس الوقت بحماس: هنبطل غيبة وهنبطل نميمة هتفت حنان سعادة: شاطرين، يلا بقى نقرأ الحديث اللي بيمنعنا عن الغيبة بدأت تقرأ والأطفال يرددون خلفها:- "قال رسول الله ﷺ: أتدرونماالغيبة؟قالوا: اللهورسولهأعلم،قال: ذكركأخاكبمايكره،قيل: أفرأيتإنكانفيأخيماأقول؟قال: إنكانفيهماتقولفقداغتبته،وإنلميكنفيهفقدبهته." *** جلست حياه إلى جوار صديقتها سلمى التي جاءت لزيارتها والكدر يعلو وجهها، سألتها سلمى عن سبب حزنها فروت لها ما حدث بينها وبين شادي ثم حديثها مع شقيقتها زهرة. نصحتها سلمى أن تتبع نصيحة أختها مضيفة: زهرة معاها حق وبعدين هي أكبر منك وتعرف عنك تنهدت حياه: شادي زعلان مني عشان رفضت، ولما جيت أكلمه قفل معايا بسرعة بس وعدني هيجرب مع بابا تاني سلمى بغضب: وإنتي تكلميه ليه أصلاً؟ دا لو خطيبك ما ينفعش، إنتي أكيد جرا لعقلك حاجه يا حياه ! حياه بحنق: أوف بقى، سيبك مني، المهم إنتي عامله إيه ؟ سلمى مدعية عدم الفهم: الحمدلله سخرت منها: ما أنا عارفه ياختي، قصدي على عريس الغفلة، جه ولا لسه ؟ -أه جه إمبارح -اتكلمتوا ؟ -أيوه -يا بنتي ما تنطقي مرة واحدة إنتي لازم تنقطيني! تنهدت وبدأت تروي لها ما حدث، علقت حياه عندما انتهت من الحديث: يعني متجوز واحدة تانية ؟، وإنتي هتبقي رقم إتنين ف حياته، ووافقتي على كدا؟ سلمى شاردة: لا ما وافقتش، بابا رافض أصلاً لحد دلوقتي بس هو لسه عندنا لحد ما يديه بابا رأيه النهائي وكمان أخته ناهد بتحاول هي وصاحبه محمد مع بابا نظرت لها حياه بترقب: وإنتي إيه رأيك ؟ أدارت رأسها بعيداً: مش عارفه -إزاي يعني ؟ سلمى: أنا صليت استخارة قبل ما أقبله بس ... نهضت من مكانه وجلست أمام صديقتها متسائلة بفضول: بس إيه ؟ - بس أول ما شوفته ما أعرفش حصلي إيه، حسيت إنه قلبي أتاخد مني، كأنه طار وسابني وراح له، اتكلمت معاه قليل وما كنتش عايزة الوقت يفوت أطلقت حياه صفيراً مرتفعاً: أوعى بقى، وقعتي يا سلومتي ولاحدش سمى عليكي ضربتها سلمى على ذراعها: بس بقى، إنتي بالذات ما أسمعش حسك قاطعهما صوت بكاء التوأمين، تنهدت حياه: يلا قدامي ياختي ، أهو تدربي ع العيال شويه سلمى: فزي قدامي، صحوبيه تقصر العمر صحيح صعدتا وقد استولى عليهما الضحك. (4) غادرت حنان الفصل بعد إنتهاء وقت حصتها، قابلتها صديقتها ورفيقتها في المدرسة وسارتا سوياً في اتجاه غرفة المعلمات. - الأطفال بيحبوكي أوي يا حنان، تقريباً ماحدش بيغيب ف الفصل يوم حصة الدين بتاعتك ابتسمت حنان: عشان أنا كمان بأحبهم، ما تنسيش يا هالة إن الأطفال بيحسوا باللي يحبهم ضحكت هالة: قصدك إننا مش بنحبهم ؟ حنان مسرعة لإصلاح سوء الفهم: مش قصدي والله، بس ما تنكريش إنكوا - مش هأقول كلكوا- لكن أغلبكوا بيجي المدرسة ويدخل الحصص بس عشان المرتب بتاع أخر كل شهر مش عشان عايز الولاد يتعلموا وأنهم يحبوا المدرسة. هالة: خلاص يا نونه مالك اتعصبتي كدا ليه ؟، أنا كنت بأهزر معاكي وصلتا إلى غرفة المعلمات، اتجهت كل منهما إلى مكتبها، سحبت حنان كتاباً من درج مكتبها وفتحته أمامها دون أن تقرأ منه حرفاً، لقد اتخذته وسيلة تخفي شرودها. إنها تحب الأطفال لأنها تراهم تعويضاً عن ابنتها المفقودة، لقد منعها زوجها من العمل فهو لا يحب أن تعمل زوجته، أطاعته لأنها أحبته بعمق تخلت عن حلمها بأن تصبح معلمة من أجله ولكن بعد فقدانها لطفلتها كذلك إنفصالها عنه عادت تبحث عن حلمها من جديد كطريقة تخرج بها من قوقعة حزنها وقسوة آلامها. نفست في طلابها الصغار الحنان والحب الذين كانا من حق ابنتها، بدأت تشعر بالراحة وكذلك التعويض عن جرحها. تنهدت خارجة من ذكرياتها واستجمعت شتات أفكارها لتصب تركيزها على الكتاب الممسكة به وانشغلت بقراءته حتى انتهى اليوم الدراسي فضبت أغراضها وغادرت منطلقة إلى منزلها. *** طلبت المصعد وانتظرت هبوطه، رأها حارس البناية فاقترب منها وألقى التحية، ابتسمت وردت تحيته وسألته عن أخباره وأخبار زوجته وأيضاً أطفاله. شكى لها من شقاوة الأطفال وعدم اهتمامهم بدراستهم كذلك المعلمين الذين لا يهتمون سوى بمن يأخذ معهم دروساً خصوصية مهملين البقية، كاد أن يبكي ولكنه تماسك على قدر مستطاعه. - والله يا ست حنان لو معايا ما كنت اتأخرت واصل .. بس دول سبع عيال ومش ملاحج شعرت بالحزن على حاله: معلش يا عم إسماعيل، لو الولاد محتاجين أي حاجه خليهم يطلعولي وأنا مش هاتأخر صمتت قليلاً ثم أضافت: وأبقى ابعتلي صفوت عايزاه .. ماشي؟ حاول تقبيل يدها ولكنها تراجعت: ربنا يخليكي يا ست هانم، حاضر أول ما يرچع هاخليه يطلع - طب عن إذنك بقى يا عم إسماعيل كادت أن تصعد عندما أوقفها مسرعاً: صحيح يا ست حنان، فيه ظرف چـه لشجة چـنابك وكنت لسه هأطلعه للحاچـة استلمت منه الظرف وحيته صاعدة إلى شقتها. دلفت إلى الداخل وقلبت الظرف بين كفيها لتجده يخص زوجها السابق. جاءت الجدة ورأت ما تحمله في يدها: إيه الظرف دا ؟ - دا جاوب كان جاي لخليل تأففت الجدة: يووووووه بقى، إحنا مش هنخلص؟، دا بقاله أربع سنين ناقل من هنا ولسه بيجيله جوابات ؟؟ تأملت الظرف ثم فتحته لتتأكد: دا تقريباً يخص الشركة اللي كان عايز يشتغل فيها في السعودية ودي كان باعتلها من زمان ودا الرد بتاعها .. كانوا قايلين إنهم هيبعتوا له لما يبقى فيه مكان فاضي عندهم نظرت لها جدتها وحذرتها: أوعي تقوليلي إنك هتروحي تديهوله ! - أومال فتحته ليه ؟، ما هو ما دام مهم هاوديهوله لو كان مالوش لازمه كنت طنشت أو قولتله على التليفون - طب اتصلي بيه خليه يجي ياخده ولا إنتي غاوية حرقة دم ؟ - عادي يا تيته، أنا كدا كدا خارجه هأروح أودي الشهرية بتاعت الصدقة - تعيشي وتفتكري يا حبيبتي تمعنت في ملامحها ثم قالت بحنو: وحشك ؟ أدارت حنان ظهرها وقالت بتوتر: إيه اللي بتقوليه دا يا تيته، دا واحد متجوز ومخلف من مراته كمان أمسك جدتها بذراعها: بس دا ما يمنعش إنك لسه بتحبيه ووحشك تجمعت الدموع بين جفنيها وقالت بصوت متهدج: ما بقاش ينفع يا تيته ضمته جدتها إلى حضنها وشاركتها دموعها: معلش يا حبيبتي ... إن الله مع الصابرين، ربنا هيعوضك خير قريب ظلت على هذا الحال حتى هدأت، استحمت وبدلت ملابسها ولكنها قررت سماع نصيحة جدتها وهاتفت خليل ليأتي ويأخذ رسالته، أخبرها أنه سيمر عليها بعد أن يُنهي عمله. سمعت طرقاً على الباب أرتدت إسدالها وفتحت لفتى في السابعة عشر من عمره ببشرة قمحية: أهلاً يا صفوت أخبارك إيه ؟ - الحمدلله يا ست حنان ... أبويا قالي إنه حضرتك عايزاني خير ؟ - عايزاك تكتبلي أسامي المدرسين اللي عايز تأخد عندهم درس - ليه ؟ - بص يا صفوت أنت مش عيل وأبوك كمان مش صغير وكفايه عليه هم لحد كدا، أنا هأكلم المدرسين وأتفق معاهم على دروسك والفلوس من جيبي حاول الإعتراض ولكنها أوقفته: عارفه هتقول إيه، بس اعتبرهم سلفه، أنت ثانويه عامة وكلها سنة وتدخل الجامعة ولما تشتغل بشهادتك هاخد منك الفلوس دي، اعتبرها دين يا سيدي ماشي؟ - بس ... - ما بسش، أبوك قلقان عليك وهو كفايه عليه اللي هو فيه فخلينا نخف عنه حملك ع الأقل، أنا كلمتك أنت عشان أنت راجل والموضوع يخصك، أبقى قول لأبوك بمعرفتك بقى ولا تحب أنا أقوله ؟ - لا أنا هأقوله .. كتر خيرك يا ست حنان مش عارف أشكرك إزاي - يلا يلا، ركز في مذكرتك وجيب مجموع كبير وبكدا تكون شكرتني فعلاً - حاضر، مش هأخلي حضرتك تندمي إنك ساعدتيني - إن شاء الله - عن إذن حضرتك - اتفضل أغلقت الباب ودخلت لتستعد للذهاب إلى الجمعية الخيرية التي تدفع بها صدقة جارية لوالديها عن طريق كفالة الأيتام وغيرها من دروب الخيرالتي تشارك فيها باسمهم أو باسم ابنتها. *** كانت الساعة تقترب من السابعة مساءً عندما دق الباب فاتجهت الجدة لتفتحه هاتفة: كل دا يا حنان ؟؟ أنا القلق كان هيموتني توقفت عن الكلام عندما رأت ذلك الرجل الذي بدأ يخالط شعره الكاحل بعض البياض، صاحب بنية قوية وعيون سوداء، سألها متعجباً: هي حنان مش هنا ؟ عقدت ذراعيها: وأنت مالك ومالها ؟، أظن كل اللي بينكوا أنتهى من أربع سنين من ساعة ما طلقتها وأتجوزت غيرها تنهد خليل محاولاً تفادي الجدال مع السيدة العجوز: هي راحت فين ؟ تناولت الظرف من فوق الطاولة المجاورة للباب وسلمته إليه قائلة: أنت جاي عشان دا وأديني أدتهولك خده وروح بقى أضافت: وياريت تبقى تقولهم إنك غيرت عنوانك، عشان مش كل شوية يجلنا جواب لحضرتك عند تلك اللحظة وصل المصعد لتهبط منه حنان ضاحكة برفقة جارهم وطفله الذي لم يتجاوز الخمس سنوات. داعبت حنان خصلات شعره الناعمة: ما تنساش تشرب اللبن وما تتعبش بابي معاك طلب منها الجار برجاء: أه وصيه عليا يا حنان عشان مطلع عيني نظرت إلى الصغير قائلة: لا نادر شطور وبيسمع الكلام ومش هيزعلك، صح يا ندوره ؟ أومأ نادر بطاعة: أيوه يا ماما حنان ضمته حنان عندما سمعت كلمة "ماما" من فمه الصغير: حبيبي يا نادر، يلا روح مع بابي بقى حيا والد نادر برأسه جدتها وكذلك ضيفها الذي مازال واقفاً على الباب رغم استغرابه من رؤيته فهو يعرف أنه زوج حنان السابق. أمسك بيد ابنه ودخل شقته، ألتقت نظرات حنان مع الشرارات الصادرة من عيني خليل، اقتربت منه وحيته بابتسامة صغيرة: أهلاً ... إزيك يا خليل ؟ أطلعتها جدتها: أنا اديته الجواب بتاعه خلاص أومأت حنان وقالت لخليل: طب عن إذنك همت بالدخول إلى الشقة ولكنه أمسك ذراعها بإحكام وقال من تحت ضروسه: مين دا ؟ نظرت إلى يده الممسكة بذراعها مندهشة: سيب إيدي تركها مكرراً سؤاله: مين دا ؟ نظرت إلى باب الشقة المقابلة حيث أشار: دا جارنا، دكتور بدر - وسكن من إمتى ؟ أجابته مستغربة أسئلته: بقاله 3 سنين من ساعة ما مراته ماتت نقل هنا تحدث بسخرية: ااااه قولتيلي، يعني بيدور على عروسة هتفت بغضب عندما فهمت تلميحاته: لا ما قولتش حاجه، أنا وهو جيران وبس، كمان بأحب نادر ابنه جداً ثم أضافت: وحتى لو فيه حاجه كدا دا شيء ما يخصكش، أنت بنيت لنفسك حياة جديدة ومستخسر فيا أعمل زيك ؟؟؟ خليل غاضباً: وهو أنا اللي كنت دمرت اللي ما بينا يعني؟؟ ... ولا إهمالي هو اللي ضيع بنتنا مننا ! ... ما تردي ! ترقرت الدموع بعينيها لم تجب على أسئلته بل دلفت إلى الشقة وأغلقت الباب في وجهه بقوة، انزلقت أرضاً تبكي وجدتها تنظر إليها في شفقة؛ فما تكاد تبدأ جروحها في الإلتئام حتى يظهر ما يعيد فتحها من جديد كأن لا فكاك لها من مخالبها. غادر خليل نادماً على ما قال، ولكن ماذا يفيد الشاه سلخها بعد ذبحها ؟؟! *** مرت عدة أشهر، تزوجت صديقتها المقربة سلمى من ياسين وغادرت معه إلى القاهره حيث يسكن، متقبلة العيش مع زوجته الثانية، أهٍ كم يجعلنا الحب نتقبل أمور لم تكن تخطر بالبال، لم نكن لنقبل بها إذا سمعنا عنها .. نستهجنها إن أخبرونا أننا سنفعلها. كرر شادي تقدمه للزواج من حياه لكن والدها كرر رفضه، حاولت زهرة معه لكنه لم يقتنع بأن هذا هو الزوج المناسب لابنته بينما خافت حياه أن تحدثه فيفهم أن هناك إتفاق بينها وبين شادي أو علاقة ما .. فقررت الإنتظار في حين تدفع شقيقتها للحديث معه لكن بلا أمل. فقدت حياه بعد فترة قدرتها على الصبر والتحمل وتحدثت مع والدها ليتأزم الوضع بينهما وترتفع أصواتهما في المنزل مما جعل الجميع يجتمعون ليروا ما يحدث. - يعني إنتي تعرفيه!، خرجتي معاه من ورايا يا حياه ؟؟ توترت حياه ولكنها أجابته بصراحة: أعرفه يا بابا، بس ما قبلتوش غير مرتين تلاته بس زاد غضبه: والله عال وعملتي إيه تاني يا بنت يا محترمة - والله يا بابا ما فيه حاجه إحنا بس اتكلمنا كلمتين وهو قال إنه هيجي يطلبني منك مش أكتر صفعها والدها بقوة لدرجة أسقطتها أرضاً وأدمت شفتيها: بقى بعد التعب اللي أنا وأمك تعبناه فيكي تيجي إنتي تمرمغي اسمنا ف الطين ؟؟؟ ركضت زهرة تمسك يده باكية تحاول أن تكبح غضبه: يا بابا والله ما حصل حاجه إلتفت إليه والدها بغضب: وهو إنتي كمان كنتي عارفه ؟؟ ... يعني أنتوا شايفني كيس جوافة بقى وما بقاش ليا لزمه أقبل عليهم محمود: مين قال كدا يا حاج ؟، إيه اللي جرا ؟ نظر إليه والده: أنت كنت تعرف إن أختك على علاقة بالواد بتاع فوج البحث العلمي عشان الأثار اللي في الجهة القبلية من البلد ؟؟ نظر إلى والده وأخته بعدم فهم: لا أبداً، هو في حاجه زي كدا ؟؟ هتف بصوت أرتجت له أركان المنزل: دا اللي قالته الهانم بلسانها دلوقتي لم يستطع محمود التماسك أيضاً أمام ما سمع فأتجه إليها وهي مازالت مطروحة أرضاً وجذبها من شعرها: بقى إنتي يا حياه اللي تعملي كدا ؟؟؟ ركضت إليه زوجته عائشة تحاول إبعاده عنها ولكن قبضته كانت تشتد أكثرعليها، صرخت حياه متألمه: والله مش زي ما أنتوا فاكرين، أنا كلمته كلام عادي والله صرخ بها محمود: وكنتي بتقابليه إمتى وإنتي أصلاً ما بتخرجيش من البيت ؟؟ أكمل: كنتي بتنيمينا في العسل وتخرجي من ورانا تقابليه يا هااااانم ؟؟؟ صفعها: ما تردي !! أجابته بصوت متهدج يحمل الكثير من الألم: كنت .. كنت بأقابله ... بالليل بعد ما تناموا رفعت ذراعيها أمام وجهها متفادية الصفعة القادمة، قبل أن يتفوه أياً منهم بكلمة وضع الأب يده فوق قلبه متألماً وأوشك على السقوط. صرخت زهرة: بااااااااابااااااااا ترك محمود أخته وأتجه إلى والده يسنده إلى أقرب مقعد بينما انتلقت زهرة تهاتف الطبيب وعائشة تعاون حياه على النهوض وتقودها إلى غرفتها. دخل عصام عائداً للتو من منزل خطيبته بعد أن أخبرته زهرة بأن الأمور أصبحت على ما يرام وقد تفهمت خديجة موقفه. دلف خلفه أنس فبعد أن انتهى من درسه اتجه إلى أصدقائه ليلعب كرة القدم مما جعله يتأخر عن موعده. كانت تمر بهذا البيت عاصفة شديدة، ظنها الجميع وقتها أكبر المصائب فلم يعلم أحد منهم أن القادم أعظم بل يجوز أنه الأسوء على تاريخ هذه الأسرة التي كانت -يوماً ما- من أسعد الأسر مجازياً، لأن السعادة أمر نسبي يختلف من أسرة إلى أخرى بل من شخص إلى أخر، فالبعض يجدها في المال والبعض في راحة البال وغيرها من وجهات النظر. *** انهارت في غرفتها تبكي سوء ظن عائلتها بها، نسيت أن والدها رغم دراسته بالقاهرة وإقامته هناك عدة سنوات إلا أن دمه ما يزال دماً صعيدياً أصيلاً، رجل شرقي يقتله أن يُطعن في شرفه، هذا الشرف الذي يحيا ويموت حفاظاً عليه. لقد ضغطت على موطن ألم كل رجل ليس فقط صعيدياً بل أيضاً شرقياً مسلماً، ما جرحها حقاً أن والدها وشقيقها ظنا بها السوء، لقد انعدمت ثقتهما بها تماماً. دخلت عليها عائشة والحزن يبرز من ملامحها: إنتي كويسة ؟ اتجهت إليها حياه بلهفة: بابا عامل إيه دلوقتي؟ - الضاكتور لسه ماشي من عنده، صحته مش عال واصل، كانت هتچيله چلطة بس الحمد لله الضاكتور لحجُه هو محتاچ راحه وإن مافيش حاچه تزعچه مش أكتر وهيبجى كويس إن شاء الله. جلست حياه على طرف فراشها تبكي بحرقة، ضمتها عائشة تحاول التخفيف عنها، اندفع الباب مفتوحاً على مصرعيه نتيجة دفع محمود له بشدة أوشكت على كسره، دلف وعينيه تقدحان شراً. أمر عائشة بالخروج وقال لحياه: إنتي هتفضلي محبوسه هنا وحسك عينك تفكري تخرجي وإلا قسماً بالله العظيم لأكسر رجلك وأرميكي لكلاب السكك اللي عشقتيلي واحد منهم ! غادر ساحباً زوجته معه بعد أن أخذ منها هاتفها وأي وسيلة قد تحاول الوصول بها إلى شادي، سمعت حياه دوران المفتاح في الباب، لقد انتهى بها الأمر سجينة غرفتها. *** مرت أربعة أيام، بدأ فيها فاروق يتعافى ولكن ببطء شديد لا يلحظ، كان البيت يسوده الحزن على ما وصل إليه الأمر. توقفت حياه عن الحياة، لا تتناول إلا بضع لقيمات تساعدها على العيش لعدة دقائق وربما ساعات لا غير. أشفقت زهرة على عذاب أختها لكن لم تستطع فعل شئ، أضطر عصام أن يسافر إلى أمريكا كما رتب حتى ينهي موضوع رسالته أملاً في إنتهاء الوضع قبل أن يستطيع أخذ أجازة. دخلت عائشة إلى غرفة حياه تحاول أن تشجعها على تناول غداءها بينما حياه لا تفكر إلا بالغضب مما يفعله والدها وشقيقها بها. ظلت تفكر أن الجحيم أفضل مما هي فيه، لم يحاول أياً منهما التحدث إليها أو فهم حقيقة الأمر منها، غضبها وحنقها عليهما يزداد يوماً عن يوم. سمعت عائشة بكاء الصغيرين فتركت حياه متحسرة على حالها، لم تلحظ أنها نسيت هاتفها المحمول فوق الفراش فقد كانت تتحدث به قبل أن تدلف إلى حجرة حياه وذهب ولديها بعقلها وتركيزها. لمعت عيني حياه ببريق مفاجئ وأمسكت الهاتف تدق أزراره متصلة بمن فرقوها عنه وقد حفظت أرقامه عن ظهر قلب: ألو أتاها صوته ليعيد الدموع إلى عينيها بعد أن ظنت أنه أصابها الجفاف: ألو - حياه ؟ - أيوه أنا، إزيك ؟ ضحك بسخرية: دا قصدك بعد ما أخوكي هددني إني لو ما مشتش من هنا هيقتلني ولا بعد ما ضربني علقة لسه خارج بسببها من المستشفى؟؟ صرخت بفزع: إيييه؟؟ هو عمل فيك إيه ؟ - لا أبداً ضربني علقة موت بس - أنت كويس ؟ - لسه أهو شوية رضوض بس، قولتلك مافيش فايده وإننا نهرب دا أحسن حل ما صدقتنيش ! - أنا أسفة - المهم إنتي عملوا فيكي إيه ؟ - حبسوني في الأوضة مش بيخرجوني منها - صحيح دا تليفون مين ؟ - دا موبايل عيشه مرات أخويا - أها، طب هتعملي إيه دلوقتي؟ - مش عارفه - أنا هأقولك عرضي دا لأخر مرة .. أهربي معايا - بس ... - أنا مش هأصر عليكي أصلاً الكلام بعد اللي حصل دا مالوش داعي، لو عاجباكي أوي بهدلة أهلك ليكي وحبستك دي براحتك، بس ع العموم إنهارده الساعة 9 بالليل أنا راجع القاهرة تاني، لو غيرتي رأيك إنتي عارفه مكاني ... سلام - ألو ... ألو ... شادي ! نظرت إلى الهاتف بعد أن أدركت إغلاقه للخط، ظلت تفكر مرراً في عرضه، هل تقبل أم لا؟، لقد ظن بها أهلها الأسوء رغم أنها رفضت الهروب معه ولكن ما جدوى رفضها، لقد أبى والدها إعطاءه فرصة كما منعها شقيقها أن تمارس أبسط الأمور مكتفين بحبسه فقط، لا يخاطبها في حبسها سوى عائشة التي تأتي إليها خلسة في عدم وجود محمود حيث يمنعها من الحديث إليها .. وزهرة التي ما عاد حديثها يُترك أي أثر في نفسها، وأنس ذلك الطفل الذي يدخل ليرى حالتها فيسرع بالمغادرة مخفياً الدموع التي تتجمع في مقلاتيه. حزمت قرارها، سترحل عن هذا المنزل حيث لا يقدرها أحد، لقد أصبح هذا المنزل كالجحيم، لم يراعِ أحد مشاعرها ولا سعادتها فلماذا تراعيهم هي؟، نهضت تضب بعض الأغراض في حقيبة صغيرة وتفكر في طريقة للتغلب على أسرها. لم تعلم ما ينتظرها من هوان، وأن الجحيم في منزل أهلها أفضل من الجنة في بعدهم، لم تفكر لحظة في قرارها وأن الجحيم الحقيقي هو ما تستعد له الآن بكل حماس، أهٍ لو يسبق الإنسان الحاضر بعقله مُفكراً بعواقب الأمور قبل إرتكابها لكان وفر على نفسه عذاباً وحمى نفسه من مُر الهموم، لكن بالنهاية يحدث ما كُتب له الحدوث فلا يقف أمام القدر مخلوق، فقد شاء الله وأمره نافذ لا نملك أمامه شيئاً سوى أن يجنبنا الله الندم الملعون. *** تقلبت حنان في سريرها لا تستطيع النوم، تحارب الأرق منذ ساعات ولكنه يأبى الإنهزام، جلست في فراشها وبدأت تسرح في ذكرياتها التي لا تتوانى عن العودة إليها بكل فرصة. كانت في السنة النهائية عندما حضرت زفاف صديقة لها، هناك في ذلك الزفاف حيث قابلت خليل، حاول التقرب منها ولكنها صدته، حادثها دفعته، تغزل بها فنهرته، كل ذلك وهي تخفي عنه بين ثنايا قلبه أنها عشقته. ظل يحوم ويدور حولها حتى علم عنها كل صغيرة وكبيرة، في النهاية تقدم لخطبتها وعندما أطلعتها جدتها على طلبه كادت تفقد وعيها من السعادة. وافقت عليه بعد أن استخارت ربها، فهي تستخيره في كل صغيرة وكبيرة في حياتها؛ فكيف لن تفعل في أهم قرار مر عليها في ذلك الوقت ؟!، إزداد حبها له كلما عرفته أكثر، تزوجا وعاشا في منزل منفصل عن جدتها وكان هو يتيم الأبوين. بعد زواجهما بعدة أشهر تعبت جدتها من الوحدة وعدم وجود من يتابعها وتثق به، حينها أقنعت حنان زوجها بالإنتقال والعيش مع جدتها وبعد ذلك بفترة اكتشفت حملها. كادت أن تحلق .. لا لا إنها حلقت بالفعل عندما تأكدت من الخبر، سترزق بمولود من حبيبها، ذلك الذي سرق قلبها سيهبها الله منه ذرية ونسخة عنه، صلت عدة ركعات شكراً لله على هبته لم يوقفها سوى إرهاق قدميها وإجبار خليل لها على إلتزام الراحة التامة والهدوء اللازم. لقد غمرته السعادة الشديدة، لم تره يوماً بهذه السعادة، يا تُرى هل شعر بذلك أيضاً عندما علم بحمل زوجته الأخرى؟ تذكرت كيف مرت الأيام سريعة وأنجبت طفلتها، مرت أربعة أعوام حتى أتى ذلك اليوم المكلوم .. يوم عيد ميلاد صغيرتها. صحبتها معها لتشتري ما يخص الحفلة فجدتها أصابها الزكام ولا تستطيع رعاية نفسها فكيف بطفلة صغيرة .. توسلت لخليل أن يحضر هو الأغراض لكنه رفض. - طب خد إنهارده أجازة وجيب الحاجه مافيهاش حاجه يعني دا يوم - عندي شغل كتير يا حنان مش فاضي أنهى إرتداء حذاءه واتجه للخارج حيث تلعب طفلته، قبلها بحب ونظر إلى حنان مقترحاً: خديها معاكي، بنوتي حبيبتي مش بتتعب ماما مش كدا ؟ هزت رأسها نفياً بحركة طفولية: تؤ ... مامي حبيبتي أنا ضحكا معاً، قبلته حنان مودعة: أصلاً شكله مافيش حل غير كدا ألبستها وأخذتها برفقتها إلى التسوق، بدأت تختار الأشياء وهي تجلس في عربة التسوق حتى وصلت إلى قسم المحاسبة وقفت تحاسب الموظف، سلمته المبلغ المطلب واستدارت تحمل الأغراض وتنظر إلى المكان الذي كان ابنتها تحتله ولكنها لم تجدها ! ظلت تبحث عنها حولها بعينيها ولكنها لم ترها، سألها الموظف إذا كان هناك خطب ما، فأخبرته عن إختفاء ابنتها .. أسرع يطلع الأمن وظلوا يبحثون عنها. اتصلت بخليل باكية تسرد عليه ما حدث وفقدانها أثر ابنتهما، أتى إليها مسرعاً لكن لم يضف مجيئه شيئاً سوى اللوم والضغط على أعصابها أكثر. عادا إلى المنزل بعد ساعات من البحث المتواصل دون أدنى نتيجة، تكاد هي تنهار من الحزن، صرخ بها: إنتي إزاي تسيبيها تغيب عن عينيك ؟ - والله يا خليل هما 3 دقايق بس والله - 3 دقايق لطفلة كانهم 3 ساعات، دا إهمال منك - طب كنت هأعمل إيه يعني ؟، ما أنا كان لازم أحاسب الكاشير - المفروض إنك أم ومتعودة تتصرفي، أومال الأمهات اللي في الدنيا بيعملوا إيه وبيحفظوا على ولادهم إزاي ؟!؟ - ما أنت لو كنت قعدت معاها اليوم دا أو كنت جبتلي الطلبات ما كانتش حاجه من دي حصلت ! - إنتي عايزة تلبسيني أنا المسئولية يعني؟ - لا عايزه ألبسهالك ولا حاجه بس عايزاك تعرف إني زي ما غلطت أنت كمان غلطت نظر إليها بغضب ثم تركها ورحل. ظلت بينهما حالة من الصمت حتى مر عام على إختفاء ابنتهما ولم يتم العثور على أي أثر لها، كانت تقضي يومها في الدعاء لها، تطلب من الله أن يحميها ويحفظها، يوقعها بطريق من يحبها ويخاف عليها. وفي يوم جاء خليل طالباً منها إجراء حوار عاجل، أخبرها أنه لم يعد يستطيع، لقد تعب من حياته معها، لا يقدر على النظر في وجهها دون أن يتذكر ما حدث لطفلتهما، أنها السبب في ضياعها. أنتهى الحوار بإطلاقه عليها يمين الطلاق لتصلها في اليوم التالي ورقة طلاقها مؤكدة ما حدث في قبلاً. بكت وأنهارت أكثر .. عاونتها جدتها على الخروج من الأزمة، شجعتها على البحث عن حلمها الذي تخلت عنه بإرادتها، كان حسناً أنها طاوعتها؛ لقد وجدت ملجأها بين الأطفال فكانت ترى في كل طفلة ابنتها وفي كل طفل الولد الذي تمنت أن تنجبه في وقتٍ لاحق. سمعت بعدها بحوالي الشهر أنه تزوج، ضحكت وقتها ساخرة، لقد رتب حياته من جديد، نسي ابنتهما فلم يعد يحرك ساكناً في القضية الخاصة بها، رغم جرح قلبها لزواج من أحبت من غيرها وكذلك إنجابه منها إلا أنها تمنت له السعادة، ووهبت حياتها للدعاء حتى يدلها العالم الخبير على مخبأها، فثقتها بالله كبيرة وأنه سيرد لها فتاتها يوماً ما. مسحت دمعة فرت من عينها ونهضت تتوضأ وتصلي قيامها كما اعتادت. الفصل الخامس دخل أنس الغرفة يزور شقيقته ويرى كيف صار حالها، رأت فيه فرصتها في الهروب، أقنعته أن يساعدها بالحصول على المفتاح الخاص بغرفتها دون توضيح الغرض من ذلك. رفض في بادئ الأمر ولكنها أقنعته بطريقتها الخاصة وبإصرارها المستمر، استسلم في النهاية وأخبرها أنه سيحاول لكنه لا يعدها بالنجاح. رضيت هي بذلك متأكدة من نجاحه، فلا أحد من عائلتها يحاول في أمر ويتركه دون أن ينجح به؛ فإما أن يناله وإما لا يحاول من الأساس؛ هم لا يقبلون الفشل. في تمام الثامنة والثلث، دخل إليها أنس وقد حصل على المفتاح، قبلته شاكرة وتناولت حقيبتها الصغيرة التي سبق وأن أعدتها فور انصرافه؛ فلقد خاف من بطش أخيه إن رأه. تسللت إلى الخارج فقد اعتادت على ذلك، وانطلقت تركض بعباءتها السوداء والحجاب الأسود، تقاوم كلما تعثرت حتى تلحق به قبل أن يرحل. وصلت إليه وكان على وشك الرحيل، رأها فترجل من سيارته وانتظرها حتى وصلت إليه، رأى الحقيبة التي تملكها فعلم أنها قررت أن تختاره أخيراً، ابتسم في سعادة وحاول أن يضمها لكنها دفعته بعيداً بغضب. - لا أومأ متفهماً وحمل عنها حقيبتها وساعدها على الصعود إلى مقعدها بجواره، انطلق بسيارته الجيب ينهب الطريق بسرعة، كان ذهنها مشتتاً رغم وثوقها في صحة قرارها في البداية إلا أنها الآن تشعر أن ما أقدمت عليه سيجعلها تندم لما بقي لها من حياة .. مما جعل الخوف يتسرب إلى قلبها ولكن هيهات فهي لم ترجع عن قرار أتخذته من قبل ولن تتراجع الآن. توقف شادي في استراحة على جانب الطريق ليعيد تعبأة الخزان بالوقود وانتهز الفرصة لإحضار بعض الطعام فمازال أمامهم الكثير قبل الوصول إلى القاهرة. رأته يتحدث إلى الهاتف ولكنها لم تهتم فقد عادت تشرد فيما فعلت، ظلت تطرح على نفسها العديد من الأسئلة دون أن تجد لها إجابة شافية، هل علموا بغيابها الآن ؟، ما رد فعلهم على إختفاءها ؟، هل سيحزنون لفراقها أم سيعتبرونها كأنها لم تكن؟ ... أفاقت عندما وضع شادي أكياس الطعام والشراب فوق فخذيها طالباً منها تناول بعضها فيبدو أنها لم تذق الطعام منذ عدة أيام. تنهدت بقوة وبدأت تأكل رويداً رويداً ولكن المحصلة في النهاية أنها أنهت كل الطعام؛ كأنها تعمل على تخزينه ليفيدها خلال الأيام المقبلة. *** دخل إلى الغرفة المخصصة له في السكن، ألقى جسده فوق الفراش لا يستطيع حتى نزع حذاءه، اتجه إليه شريكه في السكن فزعاً من مظهره وحالته التي تتدهور يوماً عن يوم. - إيه اللي حصلك يا حمزه ؟؟ أجابه بتعب دون أن يفتح عينيه: مافيش حاجه .. مجرد إرهاق نهره صديقه بغضب: دي مش طريقة شغل، أنت لو عايز تنتحر مش هتعمل ف نفسك كدا أولى ظهره إلى صديقه قائلا بتأفف: يوووه أنت وماما عليا يا مُسعد ! - ما هي ليها حق طبعاً، أومال لو شافتك كدا دلوقتي هتعمل فيك إيه ؟؟ - طب سيبني أنام دلوقتي - يا ابني أنت لا أول ولا أخر واحد ف الدنيا خطيبته هتسيبه عشان لاقت واحد تاني معاه فلوس وجاهز أكمل: طب أحمد ربنا إنها جت على قد خطوبة وما وصلتش للجواز انتفض حمزه ونسي النوم الذي كان مسيطراً عليه، هتف بغضب: أنا كنت قتلتها ربت مُسعد على كتفه: طب الحمدلله إن ربنا نجاك منها بسرعة، بلاش تعاقب نفسك على حاجه مالكش ذنب فيها فرك وجهه ورأسه: المشكلة إني كان ممكن أبقى جاهز من أول يوم شوفتها فيه بس أنا مكنتش حابب أعتمد على أبويا، كتر خيره إنه علمني وكبرني كمان هو اللي هيجوزني زي البنات ؟؟، أساساً حمل نجلاء مش سهل، لحد دلوقتي بابا بيساعدهم من وقت للتاني، كنت عايز ابدأ حياتي معاها بمجهودنا إحنا بس هي ما قدرتش واختارت الطريق السهل. - ما تندمش أنك عرفت شخص وطلع مش قد توقعاتك وثقتك فيه ... لإنه دا هينمي عندك خبرة في الحكم على الناس ع المدى الطويل، يا سيدي أديك كسبت معرفة الشخص الواطي بيبقى عامل إزاي !، وعلى فكرة الحكاية دي مش بالساهل ها ! أضاف بجدية: وخلاص زي ما باعتك بعها والبادي أظلم زي ما بيقولوا ولا إيه يا باشمهندس؟ ابتسم حمزه بهدوء: معاك حق يا صاحبي - يلا بقى قوم خد دوش عشان الساعة داخله على أربعه الفجر، وعقبال ما تخلص يكون الفجر أدن نصليه مع الجماعة بره وبعدين نريحلنا ساعتين قبل الشغل نهض ينفذ ما أخبره به صديقه وبينما يضع رأسه أسفل الماء المتدفق من الكوب حيث لا يوجد في موقع العمل ذاك نفس الرفاهية المتاحة بالمدن والقرى عقد العزم على أن يخرجها من عقله نهائياً فهي حقاً لا تستحق أن يفكر بها حتى ولو بالسوء. *** كانت الساعة تدق الخامسة صباحاً عندما وصلوا إلى القاهرة، انطلق إلى المنزل حيث يعيش وكانت حياه قد هيمن عليها سلطان النوم فلم تستطع منه فراراً. كان المنزل ليس مجرد شقة بل إنه يمثل فيلا تحتل قطعت أرض ليست بالصغيرة بل متوسطة لكنها تقع في منطقة معزولة ... فلا يحيطها سوى حديقة يبدو من مظهرها أنه يتم الإعتناء بها جيداً، وأقرب منزل مجاور على بعد لا يُستهان به. لم يرد إيقاظها بعد أن صف سيارته في جراج المنزل الخاص؛ فحملها بهدوء إلى الداخل وجعلها ترقد على أحد الأسرّه، لم تشعر بشئ بل استمرت في نومها هانئة. *** انتهى الطبيب من فحص الطفلة مبتسماً بحنان، ناولها قطعة حلوى صغيرة لتتسلى بها في الخارج مع الممرضة بينما ينتهي من حديثه. سأله أحمد: خير يا دكتور ؟ تنهد الطبيب: مع الأسف لسه مافيش تحسن ف حالتها سقطت دمعة من عين سمية وهي تسأل: يعني مافيش أمل ترجع تتكلم تاني ؟ - الأمل مش بيموت يا مدام سمية، وطول ما في رب اسمه كريم يبقى أكيد فيه أمل، بس الفرق إنه التحسن دا هيحصل إمتى ... فالله به أعلم سمية: بس مش طبيعي لطفلة ف سنها إنها ما تتكلمش، تروح المدرسة وترجع مش بتحكي إيه اللي بيحصلها، ولا صوت ضحكتها بنسمعه لخص زوجها ما تريد قوله: يعني من الأخر البنت عايشه سن مش سنها، وشايله هموم أكبر من عمرها نهض الطبيب من مقعده خلف المكتب ووقف يحدثهما مفكراً: اللي البنت مرت بيه نفسه كبير على عمرها، رد فعلها جه بردو كبير، بس أرجع وأقول الحمدلله فيه حالات تانية بيحصلهم رد فعل أفظع من كدا، فعلاً حالات لا يعلم بيها إلا ربنا. تمتمت سمية: ربنا يشفي كل مريض ويصبر أهله رددا خلفها: أمين سأل أحمد: طب والعمل دلوقتي يا دكتور ؟ الطبيب: هي محتاجه حب وإهتمام، كمان محتاجه حاجه تقدر تخرجها من الحالة اللي هي فيها ويكسر القوقعة اللي محاوطه نفسها بيها تساءل الزوجان في عدم فهم: إزاي يا دكتور؟ - الحاجه إيه هي بالظبط مش عارفها، بس حاجه أو حدث يخليها تتخلى عن موقف عدم الكلام اللي واخداه حاجز بينها وبين اللي حواليها، حاجه ما ينفعش تتحل إلا لو اتكلمت - ودا نعمله إزاي؟ عاد إلى مقعده وأمسك قلمه يخط بعض أسماء أدوية: خلوها تاخد العلاج دا بانتظام وربنا يسهل، لما يجي أوان شفاها أكيد هتلاقوا الحاجه دي حصلت تلقائي تناول أحمد الورقة من يد الطبيب ونهض برفقة زوجته، اتجها إلى الممرضة شاكرين لها اهتمامها بالطفلة ثم صحبوها معهم عائدين إلى المنزل. *** تقلبت في نومها وفتحت عينيها على مهل، رأت سقفاً مزخرفاً وحوائط عاجية اللون، انتفضت .. هذا ليس بمنزلها فأين هي ؟؟؟، تحسست رأسها لتجد حجابها الأسود كما هو؛ لقد انزاح قليلاً جراء نومها لكنه ما زال فوق رأسها، نهضت ترتدي خفيها خارجة لتبحث عن شادي فهو أخر من كانت معه. تلمست طريقها إلى الغرفة التي سمعت صوت التلفاز يصدر منها، رأت شادي يجلس أمام الشاشة مستمتعاً بالفيلم الكوميدي المعروض لكن ما أدهشها أن هناك ثلاث فتيات يجلسن إلى جواره، إحدهن ملتصقة به ويدها تسريح على كتفه قطبت جبينها متسائلة عن هوية تلك الفتاة. لاحظت فتاة من الأخرتين وقوفها على الباب فنادت على شادي لتلفت نظرها إليها. نهض شادي فور رؤيته لها دافعاً بيد الفتاة بعيداً: أخيراً صحيتي ؟؟ كل دا نوم يا مفترية ؟ سألته بهدوء: هي الساعة كام ؟ أجابها بعد أن نظر إلى ساعة معصمه: الساعة 3 العصر فغرت فمها في دهشة: أنا نمت كل دا ؟؟ ابتسم: ما يهمكيش، المهم إننا مع بعض دلوقتي هبت الفتاة التي كانت تجلس إلى جواره وقالت ساخرة: مش هتعرفنا يا شادي؟ قدمها لهم وبدأ بتعريفهم عليها، أشار إلى من شغلت بالها أكثر: دي جميلة أختي التوأم، فعشان كدا هتلاقينا قريبين من بعض جداً نظرت إليها حياه مستغربة، كيف تكون توأمه وليس بينهما أي وجه للتشابه فهي ذات شعر أشقر وإن كان مصبوغ عيون خضراء ولكنها أيضاً صناعية، نفضت عن رأسها هذه التساؤلات فلا يبدو أن ما تراه هو حقيقتها لتستطيع الحكم .. كما أن أغلب التوائم لا يشبهون بعضهم فعلياً. أشار إلى التي تليها وكانت فتاة بيضاء الوجه سوداء الشعر والعينين، شعرها شديد النعومة والإنسياب على عكس شعرها المجعد، لم يدهشها إعلانه أن نيفين هي شقيقته الوسطى لكن ما أدهشها حقاً نظرة الشفقة الممزوجة بالحزن التي رأتها في عينيها. نزعت عينيها عنها قصراً لترى أخته الثالثة والصغرى إنها فتون وكانت حقاً تحمل من اسمها الكثير فعينيها رمادية كعيون القطط البرية ورموشها طويلة تضيف إلى جمال عينيها سحراً لا يقاوم، كل هذا يصحبه بياض البشرة وشعر بني في جذوره ويميل إلى الذهبي عند أطرافه. هؤلاء هن شقيقاته، لم يخبرها عنهن من قبل لكن لم يجمعهم شيء مشترك، فلا واحدة تشبه الأخرى ... لا بل يتشابهن، فثلاثتهن يرتدين ملابس قصيرة تستحي هي من التفكير في شراءها حتى، فواحدة تلبس فستان لا يصل إلى منتصف ركبتيها والأخرى ترتدي قميصاً صبيانياً فقط، أما أكثرهن احتشاماً فكانت نيفين حيث كانت ترتدي بنطال يتجاوز ركبتيها بقليل وفوقه تي شيرت بنصف كُم. أشار لها لتجلس قائلاً: بصي بقى إنتي هتفضلي قاعدة هنا معاهم لحد ما نشوف حل ماشي؟ نظرت إليه مستفسرة: أنت لسه هتشوف حل ؟، ما الحل موجود سألتها جميلة بسخرية: وإيه هو بقى يا سنيورا ؟؟ تجاهلت سخريتها مجيبة: إننا نتجوز صرخت جميلة: نعم ياختي ؟؟ أومأ لها شادي أن تهدأ والشرار يتطاير من عينيه لتصرفها: استني يا جميلة، بصي يا حياه الجواز مش بالسهولة اللي إنتي فكراها دي تحدثت بتحدي: ليه يعني ؟ أنا عندي 23 سنة يعني مش قاصر وأقدر أتجوز اللي أنا عايزاه وموافقة بظروفك إيه اللي يمنع بقى ؟ - اللي يمنع إنك لسه ما تعرفنيش كمان لسه ما رتبناش أمورنا ولا اتعودتي ع الجو اللي هنا، كمان عندي شغل ضروري لازم اعمله شعرت بالمهانة وأن كبرياءها قد اندهس فنهضت من مقعدها، قائلة بتماسك: خلاص يبقى أنا ماشيه من هنا ولما بتبقى تخلص اللي وراك، واللي يمنعنا من الجواز يختفي أبقى دور عليا أمسكها من ذراعها ضاغطاً على أسنانه: هتروحي فين ؟ هزت كتفيها بلا مبالاة: ف أي حته مش فارقه نظر شادي إلى فتون لتتحدث وتحاول إقناعها، أومأت واتجهت إلى حياه مبتسمة: طب وليه ما تقعديش معانا هنا يا حياه ولا إحنا مش عاجبينك ؟ - لا طبعاً، هأقعد معاكوا إزاي وفي واحد غريب هنا ؟ شادي مدعياً الحزن: بقى أنا غريب يا حياه ؟ أومأت بثقة: مادام مافيش رابط حقيقي بيني وبينك تبقى غريب أمسكت جميلة بذراعه: خلاص روح خلص شغلك أنت يا شادي ولما ترجع تبقوا تتجوزوا، وأهو إحنا بنات بس اللي هنا هترفضي تقعدي معانا بردو ؟ أسرع شادي: هما يومين .. أظبط الشغل وأرجع نتجوز على طول فتون بتوسل: يلا بقى يا حياه بلاش تزعلينا منك مررت نظراتها بينهم بالتساوي حتى توقفت عند تلك العيون الصامتة التي تنصحها بأن ترفض بل تخرج من هذا المكان فوراً، ألا تستسلم لتوسلاتهم، لكنها لم تفهم كل تلك الكلمات فليس لديها الخبرة الكافية في لغة العيون كل ما استطاعت رؤيته تلك النظرة الحزينة المشفقة عندما نطقت بموافقتها على عرضهم. تهلل وجه شادي بالأخص وقرر أن يحضر غداءاً فخماً للأحتفال بهذه الليلة، معتبرها حفلة خطبتهما. *** أسرعت الخطى في طريقها إلى المدرسة، إنها المرة الأولى التي تتأخر فيها إلى هذه الساعة فالساعة الآن تتجاوز الثامنة والنصف، لقد تأخرت في نومها بسبب انشغال بالها مما جعل النوم لا يصل إلى جفونها حتى وقت متأخر من الليل. حيت الحارس، الذي يحمي أعراض الكثير من العائلات بدءاً من الطالبات وصولاً إلى المعلمات، مع ذلك يتقاضى مجرد فتات، بل يصل ببعض الأهالي أن يلقوا عليه بعض الكلمات الحادة والحديث الذي يسم البدن كما يقولون. سخرية القدر هي أن يكون شخص مثله يتقاضى بضعة قروش نهاية كل شهر، بل إنه إذا مرض أو لم يتواجد ليوم واحد خُصم ذلك من راتبه الذي لا يرقى ليكون راتباً من الأساس بينما أخر وظيفته أن يجلس خلف مكتبه دون فعل شيء في مكان كان غيره أولى به لكنه حصل عليه بالوساطه وتدخل أصحاب النفوذ الذين يعرفهم فيتقاضى أجراً بالألاف إن لم يكن أكثر على عمل يكلف به غيره ليقوموا به. طرقت على باب غرفة المديرية لتعتذر لها عن التأخير، لكنها وجدتها تقف أمام طفلة وتقوم بتقريعها على تأخرها المستمر. - أنا مش عارفه أهلك فين، لا حد بيسأل عنك ولا حاجه، كل يوم تأخير مافيش يوم تيجي ف معادك وقفت الطفلة تضم كفيها وتنظر أرضاً قائلة: أسفة يا أبله مش هأكررها تاني المديرة بصرامه: كل مرة تقولي كدا وترجعي تتأخري، كل مرة باعديها لكن المرة دي مش هتعدي ، اتفضلي روحي بيتك ولو باباكي أو مامتك ما جوش مش هترجعي هنا تاني، إنتي فاهمه ؟؟؟ بكت الطفلة متوسلة: والله يا أبله أخر مرة، عشان خاطري مش هأعملها تاني أشفقت حنان على الطفلة فتدخلت: خلاص يا مدام سناء، هي مش هتكررها تاني نظرت لها المديرة بتعجب: هو إنتي تعرفيها يا حنان ؟، بعدين البنت دي من أول السنة وهي ع الحال دا حنان مبتسمة: على ضمنتي المرة دي يا مدام سناء نظرت المديرة لوجه الطفلة الغارق بالدموع وطلب حنان الأول منها، وافقت فهي تحترم حنان بشدة وترى فيها نفسها أيام الصبا. أومأت حنان للمديرة شاكرة ثم تناولت يد الطفلة وصحبتها معها، أوقفتها على باب فصلها الذي أخبرتها عنه ثم هبطت لمستواها تمسح الدموع من فوق وجنتيها الشاحبتين. ابتسمت: ادخلي احضري الحصة بتاعتك وف الفسحة تعاليلي الأوضة بتاعت المدرسات ماشي؟ أومأت الطفلة في صمت وتركتها، نظرت إليها حنان بحزن فيا ترى ما سر الحزن الدفين في عينيها اللوزيتين .. فمن المفترض ألا تعرف سوى الفرح والمرح. *** ليس كل ما يهواه المرء يناله، تأكد لها هذا عندما أخبرها الطبيب بأنها ليست حاملاً، وأن العلاج لم يؤثر بها حتى الآن، جلست على مقعد في حديقة عامة ترى الأطفال يركضون هنا وهناك، لقد حرمها الله من نعمة الأمومة، لم يكن لها ذنبها ولكنها تخاف أن يحملها زوجها حملاً أكبر من قدراتها على الاحتمال. هو الآن لا يعترض لا يلومها لكن في المستقبل عندما يبدأ التعب في التمكن من جسده والمرض يظهر على السطح وعمله يزداد اتساعاً، وقتها هل حقاً لن يتمنى أن يرزقه المولى تعالى بطفل حتى وإن كان من غيرها؟ عند هذه الخاطرة شعرت بالغيرة تنهش قلبها، لا يمكنها أن تتحمل امرأة أخرى في حياة زوجها، أن تلمسه ويلمسها، تقبله ويقبلها، يضحك لها وتبادله الضحك، إنه زوجها هي من حقها وحدها. نهضت بتكاسل فيجب عليها العودة لتستعد لاستقبال زوجها، ستوليه المزيد من العناية حتى لا تدع له مجالاً للتفكير بالزواج من أخرى. في خضم ظنوننا ننسى مشاعر غيرنا، أن ما نظن أنه سيعجبه في الحقيقة قد لا ينال رضاه، فاذا كان الحب عامراً بينهم يبدأ الكتمان والصبر في الظهور، ليتحولا في وقت لاحق إلى ضغط، ولكن لن يستمر الضغط والكبت طويلاً حتى يولدا الإنفجار لكن ليس كأي انفجار، إنه انفجار يتحول فيه الظالم إلى مظلوم والغالب إلى مغلوب. *** مر أسبوع كامل على غياب شادي، كانت تفكر في عائلتها وما يحدث لهم الآن لكن ما الجدوى لقد ظنوا بها ما ظنوه فلا إختلاف الآن. الشك تسرب إليها، شادي يتهرب من الزواج بها، لم تحب يوماً أن تحكم على الشخص بدون دليل، اتخذت قرارها ستتحدث إليه عندما يعود اليوم مساءاً فإذا لم يعد يرغب في الزواج منها فلترحل عنه. نظرت في المرآة متعجبة، إنها لا تهتم إذا تزوجها أما لا، كيف ذلك وهي من المفترض أنها تحبه. جلست على الأريكة الموجودة إلى جوار النافذة، لقد قرأت أن من يحب لا يستطيع العيش بعيداً عن حبيبه، كم من بطل وبطلة قاموا بالانتحار عندما فقدوا من يحبون، لماذا هي لا تشعر بأنها إذا ابتعدت عنه ستختنق أو كأن روحها ستقتلع من داخلها. "يبدو أني لم أكن أحبه من الأساس، نعم .. لقد كان تحدياً لأن أبي رفض أي علاقة تربطني به وسجنني أخي في غرفتي يمنعني عن رؤيته، إذا تركا لي مطلق الحرية لكانت فسخت خطبتي لشادي الآن". لقد اتفقت كل من حياه وسلمى على زواج الحب، ليس زواجاً تقليدياً كما حدث للعديد من صديقاتهم، حققت سلمى ذلك بغض البصر عن طريقته وزواجه الأخر. يجب أن تحادثه بجدية، ستخبره حقيقة مشاعرها، لم تعد ترغب في الزواج منه، فليعيدها إلى عائلتها أو يسمح لها بالرحيل .. هم بالنهاية أهلها سيغضبون منها في البداية لكن سيسامحونها بالأخير. ابتسمت بسعادة عندما فكرت بعودتها إلى منزلها، حقاً لم يكن يجب عليها الرحيل، ما كان هناك من داعي للعناد ووضع تحديات ليس لها أساس من الصحة، أعدت حقيبتها وقد أحكمت فكرة العودة برأسها ثم جلست تنتظر عودته. *** رفعت حنان نظرها عن الدفاتر التي تقوم بتصحيحها، وجدت الطفلة التي قابلتها في غرفة المديرة تقف على بُعد خطوات من مكتبها مترددة في التقدم أكثر. تركت ما بيدها ونادتها لتقترب، سألتها: قبل ما نتكلم ف أي حاجه مش تقوليلي اسمك بقى عشان أعرف أنادي عليكي ولا إيه ؟ همهمت الفتاة: سمر ابتسمت حنان: عاشت الأسامي يا سمر .. ممكن بقى تقوليلي إيه اللي بيخليكي تتأخري دايماً ع المدرسة ؟ تجمعت قطرات الدمع في عيني الصغيرة ولم تجب، أشفقت عليها حنان وحاولت أن تساعدها على الحديث: تعرفي، أنا إنهارده اتأخرت على المدرسة بردو، أول مرة أعملها .. عارفه إيه السبب ؟ نظرت لها سمر بحيرة وترقب فتابعت شاعرة بالإنتصار لأنها لفتت ذهن الطفلة إليها: عشان تيته اللي كانت بتصحيني كل يوم إنهارده راحت عليها نومه هي كمان وعشان أنا نمت متأخر بليل مش زي كل يوم بدري تمتمت الفتاة بحزن: ما أنا ماما ماتت فمافيش حد بيصحيني بردو كأن قبضة حديدية اعتصرت قلب حنان حتى أدماه، لا يا صغيرتي ماتزالين صغيرة على هذا الحزن وهذه الفرقه. تمالكت دموعها وهمسن بحنان دفاق: أنا ماما ماتت بردو وأنا صغيرة بس ما زعلتش .. عارفه ليه ؟ سألتها سمر بتعجب: ليه ؟ ربتت على شعرها: عشان أنا عارفه إن هي راحت عند ربنا، وربنا هيخلي باله منها أكتر مني ويدخلها الجنة، هتبقى مرتاحه من المشاكل والزعل، هتبقى قاعدة ف مكان كله أخضر من الشجر والزرع وحواليها ورد في كل مكان ومعاها الناس الكويسين بس وكمان هتكون مع باباها، ومش هتزعل تاني أبداً أبداً - أيوه، بس هي بتوحشني – ما هي بتوحشني بردو، بس لما بتوحشني أوي أوي بأقعد ادعي ربنا عشان يخلي باله منها واقرالها قرآن وأصلي كتيررر وقعد أقول يا رب ماما وحشتني أوي صبرني يا رب - وإيه اللي بيحصل؟ - بأحس إني مبسوطة خاالص، وقلبي بيرتاح لإن ربنا بيحسسني إنها مرتاحه كمان كأنه ربنا بيطبطب على قلبي ويقولي ما تخافيش هي كويسة وأنا معاكي كمان ومش هنخلي حد يزعلك ولا يضرك ثم أضافت وهي تغمزها بمرح: لما تحسي إنها وحشتك .. اعملي زيي وشوفي هتحسي بإيه وابقي تعالي قوليلي .. إتفقنا ؟ أومأت الفتاة باسمة، تجرأت حنان وسألتها: بس هو مش بابا معاكي عشان يصحيكي للمدرسة ؟ عاد الحزن يتجلى في عينيها، همست: بابا مسافر نظرت إليها بتعجب: أومال قاعدة مع مين ؟ لم تستطع حنان سماع ما همهمت به فطلبت منها أن تعيد ما قالت، كررت الطفلة برهبة: مع مرات بابا سألتها بتردد: مش بتحبيها ؟ حمدت حنان الله على عدم وجود باقي المعلمات في الغرفة لتتحدث معها بحرية دون أن تشعر الفتاة بالخجل، أضافت بابتسامتها الحنون: ما تخافيش مش هأقول لحد أي حاجه تقوليها، دا هيبقى سر بيني وبينك شعرت سمر بالراحة لهذه المعلمة، لقد استطاعت حنان أن تدخل إلى قلبها دون مجهود يذكر، حدثتها الفتاة بما تحمله في قلبها الصغير: طنط مش بتفضالي، مشغوله على طول - يعني مش بتصحيكي للمدرسة ؟ - لا، هي بتقولي لو عايزة تروحي مدرسة ابقي صحيّ نفسك شعرت حنان بالحنق على تلك المرأة ولكنها قالت: طب ما تظبطي المنبه نظرت أرضاً مرة أخرى: رن مرة وأنا ما صحتش على طول راحت كسرته وقالتلي إن مش عشان أنا هأصحى لازم البيت كله يصحى معايا صمتت حنان تحاول الوصول لحل فعال فإلقاء اللوم على الأب أو تلك الزوجة ليس حلاً عملياً بل إنه لن يحل المشكلة، خطرت ببالها فكرة: إنتي ساكنه فين يا سمر ؟ أخبرتها سمر بعلامة مميزة في طريقها، هتفت حنان: إيه دا !، دا إنتي ساكنه قريب مني بقى، بصي يا سوسو أنا بأكون في المدرسة هنا الساعة 7 ونص، بس مافيش مشكلة لو جيت بعدها بشوية يعني .. أنا هأعدي عليكي في البيت قبل المعاد بتاع المدرسة بوقت كافي عشان تلبسي ونيجي المدرسة سوا وتلحقي الطابور كمان إيه رأيك ؟ لم تصدق سمر نفسها: بجد يا أبله ؟ - بجد يا حبيبتي، على الأقل مش هأمشي الطريق دا كله لوحدي ولا رأيك إيه ؟ عقدت الطفلة ذراعيها خلف عنق حنان: أنا بحبك أوي يا أبله ضمتها حنان بقوة إلى صدرها وهي تشتم عبيرها: وأنا بحبك أكتر قبل أن تخرج الدموع من محجرها أبعدت سمر عنها قائلة: يلا روحي كُلي سندوتشاتك بقى عشان الفسحة قربت تخلص لم ترد، قلقت حنان فسألتها عن سبب صمتها، أجابت: أصل أنا مش معايا سندوتشات - ليه ؟ - أصل .. أصلي نسيتهم لما كنت نازله بسرعة علمت حنان أن الفتاة لم تخبرها الحقيقة ولكنها تجاهلت الأمور حتى لا تسبب المزيد من الحرج، قالت باسمة: طب أنا معايا سندوتشات بزيادة ناكلها سوا بقى إنتي واحد وأنا واحد .. كفايه عطلتك عن الفسحة وافقت سمر صامتة وتشاركتا الوجبة سوياً، لقد كانت الطفلة شديدة الجوع لم تشعر أنها التهمت جميع الشطائر في ذات الوقت الذي تناولت فيه حنان شطيرة واحدة، حزنت على حالها فيبدو أن لا أحد يهتم بها ولا يتأكد من حصولها على الغذاء الكافي. عندما أنهت سمر أخر شطيرة بيدها طلبت منها حنان: سمر، أنا هأطلب منك طلب ويا ريت ما تكسفنيش ... كل ما تضايقي أو تحصل معاكي مشكلة تعالي واحكيلي، اعتبريني زي ماما –الله يرحمها-. تبسمت الفتاة وقبلت معلمتها: حاضر يا أبله حنان: يلا بقى روحي الفصل عشان جرس الفسحة ضرب ركضت سمر إلى فصلها مسرعة، فكرت حنان بأن تخبر والد سمر عن حالة الفتاة ولكنها تذكرت أمر سفره فقررت تأجيل ذلك إلى وقت أخر. أصبح الناس قساه، تحجرت القلب وتيبست كجذوع الأشجار؛ ليستبدل الحنان بالقسوه، الحب بالكره ، الشفقة باللامبالاة، الإيثار بالأثره .. مما حول المجتمع إلى غابة يجور فيها القوي على حق الضعيف. رواية رزقت الحلال. بقلم سارة محمد سيف. الفصل السادس ********** جلست مع أخواته يتسامرن حتى عودته، جميلة ما زالت تنظر لها بكره لا تعلم سببه ونيفين الشفقة لا تفارق عينيها بينما فتون أكثرهن قرباً منها، تحدثها وتداعبها باستمرار. وصل شادي أخيراً، استقبلوه بترحاب، بعد بعض الوقت طلبت منه حياه أن تحادثه على إنفراد. صحبها إلى غرفة المكتب، وقف ينتظر حديثها لكنها شعرت بهروب الكلمات من فوق لسانها كلما جمعت بضعة كلمات حتى قالت: شادي .. أنا ... - إنتي إيه ؟ - أنا مش عايزه أكمل معاك انتصب في وقفته مرهفاً مسامعه وسألها بهدوء حذر: إزاي يعني مش فاهم ؟ ضمت قبضتيها بشدة قائلة بارتباك: بص يا شادي .. أنا كنت فاكره نفسي بحبك بس .. بس قعدت مع نفسي وفكرت كتير لاقتني مش كدا بغضب مكتوم سألها: وإنتي قدرتي توصلي لكدا إزاي ؟ بين ليلة وضحاها ؟ - لا أنا كنت بأقول لنفسي إنك لو مش عايز تتجوزني أنا هأمشي ومش هأتقل عليك أكتر من كدا .. يعني فكرت ف الفراق ومع ذلك... هزت كتفيها متابعة: ماحستش بحاجه .. ماحستش إني ممكن أموت لو بعدت عنك أو إني مش هأتحمل بُعدك ضيق عينيه بشدة وهو يكز على ضروسه: والعمل دلوقتي ؟ قالت بحماس دون أن تلحظ ردود أفعاله: ترجعني البلد عند أهلي تاني، ولو مش هتقدر وصلني لأقرب محطة وأنا هأتصرف اقترب منها رويداً بخطوات هادئة متساوية كما يفعل الأسد قبل الإنقضاض على فريسته وعينيه تطلق شراراً أصابها بالشلل، همس: إنتي فاكره إنه دخول الحمام زي خروجه ؟ .. ولا فاكره إني ممكن أسيبك تطلعي م البيت دا ؟؟؟ نظرت إليه برعب حقيقي لأول مرة تشعر به في حياتها، تمتمت بصوت متحشرج: قصدك إيه ؟ أغلق باب الغرفة بالمفتاح ثم استدار إليها مقترباً منها: قصدي إن إنتي خلاص بقيتي ملكي، بتاعتي وبس .. دا بيتك من هنا ورايح هزت رأسها بهستيرية وهي تتراجع للخلف: بس أنا مش عايزه قبض على ذراعيها بقوة، رجها بشدة قائلاً بعنف: ما هو مش بمزاجك يا قطة ! جذبها إليه بعنف وبدأ في تقبيلها بأماكن مختلفة من وجهها، حاولت دفعه ولكن هيهات أن يتأثر الثور الهائج بخربشات قطة. نزع عنها حجابها بالقوة، أمسكته تكافح للتشبث به لكنه بالنهاية استطاع أن ينزعه، دفعها أرضاً مثبتاً ذراعيها فوق رأسها، تصرخ بأعلى صوتها وما من مجيب. ضحك بقوة ووحشية: مهما صرختي ماحدش هيساعدك، كل اللي هنا ماحدش منهم يقدر يقولي لا .. ولا حد فيهم يقدر يمنعني عنك .. فالأحسن تقبلي بمزاجك بدل ما يبقى غصب عنك ! تضرعت إليه باكية دون التوقف عن المقاومة: حرام عليك، سيبني .. بص خليني أمشي وأنا هاعتبر إنه مافيش حاجه حصلت ومش هأقول لحد على حاجه .. بس سيبني سجن فكها بين أصابعه وقال مشدداً على كل حرف من كلماته حتى يضمن أنها استوعبت حديثه بشكل كامل: إنتي خلاص ما بقالكيش خروج من هنا تابع ما كان يفعله وعاد صرخاتها للتصاعد من جديد، مزق ملابسها وهي تحاول الفكاك من بين قبضته. بدأ جسدها يتهالك من المجهود الذي مارسته عليه ولكنها أبت التوقف عن المقاومة، دموعها تزداد إندفاعاً وظلت تردد بقلبها كلمة "يا رب" حتى لم يبق في وسعها قوة لتمتمة خافتة حتى... استجمعت بعض قوتها وضربته بساقيها بينما يحبس ذراعيها في كفه، ما من جدوى مما تفعله فقد سيطر عليه الشيطان وجعله لا يتأثر ولا يشعر، يحاول الوصول لهدفه فقط. تعالت صرخة مدوية على حين غرة ... فلقد تم الأمر ولم يعد هناك من مرجع. *** رصت طعام العشاء تتشاركه مع جدتها لكن عقلها مازال شارداً في تلك الطفلة التي جار عليها الزمان، تتجرع كؤوس الوجع قبل أن تتعلم طريقة إمساكه بكفوفها الدقيقة. لاحظت الجدة شرودها ولكنها لم تحاول الاستفسار منها عن السبب، إذا أردت ستأتي لتروي لها دون ضغط. كانت خيالاتها تأخذها إلى أي مدى ستعاملها زوجة والدها بقسوه، لِمَ توقف القوي عن رحمة الضعيف والكبير عن العطف على الصغير؟، صار الظلم منطق الحياة والقهر سر لذتها. لقد قرأت ذات مرة أن الظالم يظلم لأنه يحس بالمتعة في ظلمه كهتلر الذي كان عاشقاً للسيطرة والتحكم. عندما توقف الناس عن استشعار مراقبة الله في كل عمل يقومون به، انتشرت جميع الصفات التي جعلت مجتمعنا في طريقه أن يصبح شبيهاً بديستوبيا .. هذا إذ لم يكن قد صار بالفعل. خطر على عقلها فجأة .. ماذا إذا كانت ابنتها تشعر بنفس تلك المعاناة، تحيا الآن بين أشخاص فاسدون، تتجرع الظلم وتتذوق مرارة الألم. لحسن الحظ أنهم انتهوا من العشاء، هربت لغرفتها تعبث بأحد الأدراج تخرج منه ثوباً زهري اللون، ضمته بشوق ولوعه إلى صدرها، تتلمس رائحة صغيرتها بين أنسجته، انكبت دموعها تغرقه وقلبها يتضرع إلى ربها .. "فلتحفظ طفلتي أينما كانت، أرزقها من يحبها ويحميها، يحنو عليها ويسقيها العاطفة التي لم أستطع أن أمنحها إياها". لماذا يا الله تحرمني من طفلتي بينما الآخرين ينعمون بدفئ ضمتهم، لقد تزوج خليل بأخرى لما هي تقبل خد صغيرتها كلما شاءت وأنا حُرمت من بهجة رؤيتها ؟؟ استفاقت إلى حالها، استغفرت ربها راكضة مسرعة إلى حمامها تتوضأ والاستغفار لا يترك لسانها، سجدت إلى ربها باكية متأسفة، تتوسل إلى ربها أن يسامحها، لقد أضعفها شيطانها ولكنها قفزت عائدة لرشدها. بدأت تدعو متضرعة: أسفة يا ربي ... سامحني وأغفر ذلتي، لا أعترض على مشيئتك فأنت أرحم الراحمين، أرؤف بقلب أم مكلومة حزينة لفراق طفلتها، فتك الشوق بقلبها الضعيف. أنتهت راقدة على سجادة صلاتها وثوب صغيرتها يستكين بين أحضانها كأن الملابس تعبر عن شوق صاحبتها في الحصول على هذا الحضن الدافئ. *** التوتر يملئ جو الحجرة كذلك الصمت هو السائد، استمر شادي في الذهاب والمجئ ثم توقف فجأة قائلاً: أنا هأدخل أشوفها اندفعت نيفين ناهضة: لا خليك أنت .. أنا هاروح جميلة: ما تخليه هو يروح يشوف البرنسيسة وضحت نيفين: هو لو راح هترجع تتعصب ومش هنقدر نهديها .. علينا من دا بإيه ؟ أيدتها فتون وسمح لها شادي بالدخول إليها. طرقت الباب عدة طرقات بهدوء لكن ليس هنالك من رد، دفعت الباب متمهلة، نظرت حولها ولم تجد حياه بالغرفة، اشعلت النور لتتأكد فزعة وأعدت تمر ببصرها في أنحاء الغرفة. وجدتها متكومة في ركن بعيد تضم ركبتيها إلى صدرها، الدموع تنهمر بلا توقف وجسدها يهتز ويرتعش .. اقتربت منها ولكن أبقت على مسافة ضيقة بينهما سألتها: عامله إيه دلوقت ؟ لم تجبها حاولت تتبع اتجاه نظراتها لتجدها تنظر لنقطة ما على الجدار المقابل، نقطة واهية .. لمست كتفها وكان ذلك كأنها اضرمت فيها اللهيب، بدأت تصرخ وتزيد انكماشها. ابتسمت نيفين قائلة: ما تخافيش، دا أنا ... أنا نيفين هدأت قليلاً ولكنها حافظت على صمتها، تنهدت نيفين واستندت ظهرها إلى الحائط بجوارها جالسة وبدأت تتحدث: ما تفتكريش أنك لوحدك اللي حصلك كدا، كلنا مرينا بنفس لحظتك دي أضافت ضاحكة: إلا جميلة طبعاً، كله كان بمزاجها إلتفتت إليها حياه بانتباه لكن ما تزال تحافظ على صمتها، تشجعت نيفين لمتابعة الحديث لعله يخفف عنها ولو القليل، شردت في نقطة أخرى على نفس الجدار الذي شردت فيه حياه. - هابدأ بحكايتي أنا، أصل الواحد مش بيعرف يحكي صح إلا الحكايات اللي تخصه، أنا كنت عايشه لوحدي أبويا وأمي ماتوا وأنا عندي خمس سنين وخالي هو اللي خدني قال إيه عشان يراعيني، ما كانش عندي أعمام لإنه أبويا وحيد وأصلاً كل أهله ماتوا ... مقطوع من شجرة يعني، المهم خالي أصلاً ماكانش تمام، كنت بأشك فيه ساعات كتير، شغله مش معروف له قرار ... يوم يغيب وعشرة قاعد ف البيت، عدت السنين وأنا يادوب أخدت الثانوية وقعدني في البيت .. قالي كفايه عليكي علام لحد كدا يعني اللي اتعلموا كانوا خدوا إيه، طبعاً ما قدرتش أقوله لا ... دا هو اللي بيصرف عليا وكفايه حملي كل دا عليه ... ما كنتش أعرف أنه بيفكر ف حاجه تانيه ... إنه يجوزني لحد عشان يرتاح من مصروفي ويلاقي حد يديه كل فترة قرشين، والله ما كنت بأكل أيام عشان ما أحسسوش إني حمل تقيل لكن نقول إيه! ... فعلاً كان هيجوزني لواحد متجوز تلاته وأنا الرابعة .. عنده منهم تلاتاشرعيل وعمره فوق الستين، كتمت ف قلبي وعيطت على أحلام طفولتي ودعت الفارس وحصانه الأبيض ... بس ف أخر لحظة جت مراته التالته وقلبت الجوازه، وقتها حسيت إنه أخيراً خلصت ... بس خالي هو اللي ما هديش، حاول يجوزني كذا مرة بعد كدا لكن للحظ السئ أو الكويس ما بقتش فارقه ... ما نفعش، اللي ما أجيش على هواه واللي تحصل حاجه معاه فيلغي الجوازه كدا يعني ... خالي بقى يشرب حشيش والذي منه .. اتقلب حاله والقرشين اللي كان بيجبهم بقوا يطيروا ع الكيف، أخرت ما زهق مني جه وسلمني لشادي، قاله أهي عندك أعمل فيها اللي يريحك ضحكت بوجع: وأهو عمل فيا اللي يريحه ... قال إيه يقولك الخال والد .. قطيعه سألتها: يعني أنتوا مش أخواته زي ما قولتولي ؟ نظرت لها نيفين بجدية: وإنتي لسه ما فهمتيش؟ .. لا إحنا مش أخواته، هو إحنا لو كنا إخواته كان عمل فينا زي ما عملك فيكي من شوية ؟ سالت الدموع على وجنتيها متسائلة بألم: طب وهو ليه بيعمل كدا ؟ - عشان ينفع يشغلك رفعت رأسها بحيرة: يشغلني إيه ؟ تحسرت على براءتها لكنها أجابتها لتفهم حقيقة الحياة التي ستعيشها الآن: بنت ليل يا حياه ... *** ألم الفراق لا يصيب فقط من فارق محبوبته، إنه يكون أكبر وأعظم عندما يفارق الأب ابنه والأم طفلها، الأخ أخاه أوأخته .. لكننا اعتدنا أن نحصر بعض الكلمات على الحب فقط .. فعند ذكر كلمة فراق أول ما يخطر ببالنا هو فراق المحبوب وعندما نذكر الشوق نقصرها على شوق الحبيب لحبيبته؛ كأن الشوق لا يصير إلا لهما وليس من حق غيرهما .. فالأم تشتاق لولده بل إن القلب ليشتاق لقاء ربه والروح تشتاق للسلام النفسي .. وهناك الكثير من الكلمات الأخرى التي تخضع لنفس القاعدة لدى البعض. كانت جدران المنزل تضخ حزناً كحزن أهل البيت، لقد أختفت الضحكة ورحلة الحياة عن المنزل مع رحيل حياه، من يرى المنزل يعتقد أن لا أحد يقطنه لكن ما يدل على وجود من يسكنه هو صراخ التوأمين الذي لا ينقطع منذ رحيلها كأنهما يعبران عن فهمهما لما يدور. زهرة بعد انتهاءها من أعمال المنزل اليومية وإعداد الطعام الذي لا يمسسه أحد تتجه إلى غرفتها وتغلق على نفسها، تدعو وتبتهل أن يصون الله شقيقتها ويحميها من كل سوء لكن الأجل مكتوب ولا يرده إلا علام الغيوب .. أما الدعاء فيخفف وطأة الأقدار على صاحبها، فيشتد بأسه وتقوى عزيمته. استمر محمود في حياته اليومية معتبراً شقيقته في عداد الأموات، لقد أساءت لسمعتهم بين الناس وكسرت كلمتهم ولم تقم لهم مقام، عائشة مشتتة تخفف عن هذا وتحاول أن تزرع العطف في قلب هذا بدلاً من القسوه كما أن حمل الوليدين ليس بالهين. انزوى أنس بعيداً، لا يخاطب أحد إلا لماماً، شعر بالذنب عندما ساعدها فأخبر زهرة التي أطلعت محمود ليتصرف، أسرع إلى حيث يقطن شادي لكنه لم يجده لقد سافر ... توقف عن متابعة الأمر ولم يحاول اللحاق بهما، لقد شاءت الذهاب إذا فلتذهب لم يعد لها مكان بينهم، حاولت زهرة أن تقنعه بالبحث عنها لكنه لم ينصع لتوسلاتها، إن رأسه يابسة كالحجر الصوان وإذا وضع شيئاً برأسه لا يزحزحه أحد. أما كبير العائلة فاروق فقد شعر أن تربيته قد ضاعت هباءاً، لقد كانت أقرب أولاده إلى قلبه لذا فإن خطأها ترك أثراً ليس في نفسه فقط بل في صحته، تدهورت صحته يأكل ما يقيم صلبه، يتناول الدواء قهراً نتيجة لإصرار زهرة عليه دون رغبة في الشفاء. هكذا صار الحال بين مدعيّ اللا مبالاة وبين الحزين المشتاق، تابينت المشاعر ولكن الأثر واحد فلا يمر يوم دون بكاء ولا تمر ساعة دون ألم وأنين .. لكن إلى متى سيستمر هذا الحال ؟؟ *** بعد أن غطتها بمفرش لطاولة في المكتب لتخفي ثيابها الممزقة أو بالأصح لتداري عريها، أوصلتها إلى غرفتها وتركتها ترتاح كما طلبت منها، تشعر بالشفقة عليها فقد مرت بما مرت هي به من قبل. تقوقعت حول نفسها تنتحب، لم تصدق أذنيها عندما أخبرتها عن غايته منها، إذا لم يكن للحب بينهما وجود، أراد استغلالها فحسب لكن أن تكون نهايتها العمل كعاهرة ! إزداد بكاءها، لا .. لا تريد أن تكون زانية، أن تكون ملعونة تُطرد من رحمة الله، أن يتمتع أي كان بملامسة جسدها .. لقد كانت تصون نفسها لتهبها لمن يستحقها لكنها توقفت عن ذلك منذ عرفت شادي، كيف تكون صائنة لذاتها وقد قابلته سراً خفية عن الأعين المتلصصة دون علم أهلها .. لقد بدأت هي في إضاعة نفسها وما كانت النتيجة إلا ما تعيشه الآن .. "لكني لا أريد أن يكون هذا مصيري .. ماذا أفعل؟؟" فكرت وفكرت حتى تذكرت .. لقد أخبرتها والدتها ذات مرة عندما أفاقت ليلاً مرعوبة من أحد الكوابيس أنها إذا شعرت بالخوف والفزع، وأن الدنيا بدأت تضيق من حولها وتكتم على أنفاسها تذكر الله وتسجد له، تتلو آياته وقتها ستحصل على السلام الداخلي الذي يجعلها ترى الأمور على حقيقتها ويلهمها التدبر في حل كربتها ومقاومة مخاوفها. نهضت مسرعة تستحم وتغتسل مما أجبرت على تحمله، أبدلت ملابسها الممزقة بعباءة وحجاب، صلت وصلت حتى لم تعد قدميها قادرة على حملها فأنتهت ساجدة تبكي وتدعو الله أن يمنع عنها شر هذا البلاء، أن يبدلها خيراً. فُتح الباب ودخل شادي ناظراً لها بسخرية: إزيك دلوقتي يا ستنا الشيخة ؟؟ نهضت من سجودها ونظرت له بعيون مغروقة بدموع الظلم مرددة: حسبي الله ونعم الوكيل فيك، حسبي الله ونعم الوكيل فيك كز على أسنانه بقوة واقترب قابضاً على ذراعها يرجها بعزم ما فيه: بتحسبني ف مين يا بنت الـ ... اندفعت نيفين إلى الغرفة تشد يده ليفلت ذراعها صارخة: سيبيها يا شادي .. سيبها شادي بغضب جامح: خليني أعرف هي بتحسبن على مين بنت الـ... دي ! حاولت نيفين إمتصاص غضبه: يا شادي هي لسه مصدومة وبعدين ما تقنعنيش أنك متأثر أوي بالدعوة دي .. ما اعتقدش أنك أول مرة تسمعها يعني حول نظره إليها ونفض ذراعها التي كانت تتشبث بها لتمنعه من التفكير في ضرب حياه، اندفعت أرضاً من قوته بينما غادر لا مبالاياً: إلهي تولعوا أنتوا الإتنين .. بلا قرف استقبلته جميلة بدلالها على باب الغرفة فقد كانت تتابع الموقف بصمت منذ بدايته: معلش يا حبيبي سيبك منهم .. تعالى أن هابسطك وانسيك كل حاجه ابتسمت نيفين بسخرية: حلة ولاقت غطاها .. ولا إيه رأيك ؟ نظرت إليها حياه ممتنة: شكراً إنك دافعتي عني ثم أضافت بشك وتردد: بس إنتي ليه بتعملي معايا كدا ؟ لوت شفتيها فيما يشبه الإبتسامة: يمكن لإني لما كنت مكانك كنت بأتمنى حد يقف جنبي يساعدني .. يدافع عني - طب ليه ما حاولتيش تهربي وتخرجي من هنا ؟ نهضت تنفض يديها مجيبة بسخرية: هأروح فين يا حسرة، عند خالي اللي أصلاً هو اللي رماني هنا ؟ بتفكير: تقدري تبني حياتك من جديد لوحدك من غير حد ملست على رأسها المغطى بالحجاب قائلة بشفقة: إنتي يا طيبة أوي وبريئة لدرجة السذاجة يا إما غبية أوووي .. وفي الحالتين ماكانش ينفع يبقى اسمك حياه لإنه الحياة لا هي تعرف معنى الطيبة ولا هي تعرف معنى السذاجة أردفت: هنا زيه زي السجن بالظبط يا حياه .. اللي يخرج من هنا دا لو قدر يعني .. بتفضل نقطة سوده ف حياته .. لا هو بيقدر ينساها ولا اللي حاوليه أصلاً بيسمحوا له ينساها .. نقطة سوده معاكي لحد ما تموتي .. لو اللي قدامك ما ذلكيش بيها هتشوفيها ف عيونه من غير كلام تمتمت حياه بحزن: بس دا ظلم - وإيه ف حياتنا ما بقاش فيه ظلم ؟ تمتمت: إنتي فعلاً طيبة أوي يا حياه وساذجة ف نفس الوقت، كأنك اتولدتي على هنا على طول .. قولتي عندك كام سنة ؟ - 23 سنة ضحكت: 23 سنة مرة واحدة، دا اللي عنده 3 سنين دلوقتي بيعرف أكتر منك استفسرت حياه محتارة: هي الطيبة بقت عيب ؟ - لا مش عيب، بس زيها زي الوردة الملونة اللي بتجذب النحل عليها عشان ياخد رحيقها، إنتي بقى بتجذبي مش النحل .. بتجذبي الدبابير اللي هتفضل وراكي تمص دمك لحد ما تخلص على براءتك دي تركتها لحيرتها وتساؤلتها، لقد كانت تظن أن الطيبة ميزة ولكن بعد حديث نيفين شعرت أنها أكبر جريمة. *** دخل إلى منزله متعب من طول طريق السفر، وجد شقيقته مرتمية في أحضان والدتهما تبكي وتنوح، تنهد بتعب محدثاً نفسه: هو يوم باين من أوله .. مافيش راحه إنهارده أنا عارف لمحه والده فاتجه إليه يستقبله: أهلاً يا ابني .. حمدالله ع السلامة - الله يسلمك يا بابا، أومال فين مي مي ؟ - بتلعب ف أوضتها - طب أنا هأدخل أشوفها هبت شقيقته صارخة: يعني جاي من برا وشايفني مفحوطه من العياط وما كلفتش نفسك تقولي مالك ؟! رفع جانب شفته قائلاً بملل: هيكون في إيه جديد يعني؟ .. كالعادة خناقة تافهة من تفاهاتك وفادي مالوش ذنب ضربت بقدمها الأرض كالأطفال: شايفة يا ماما ابنك بيكلمني إزاي؟؟ .. وبيقول عليا تافهة كمان ! نهرته سمية بهدوء: مش كدا يا حمزه، براحه على أختك أشاح بيده متجهاً إلى غرفته: أنا هأروح أغير وأشوف مي مي أحسن، بس يا ريت يا ماما تواجهيها بعيوبها .. أنا أصلاً مش عارف فادي مستحملها دا كله إزاي ؟ غادر تاركاً شقيقته كالبركان الذي على وشك الإنفجار بل كان يدفع الحمم بالفعل من بواطنه، حاولت والدتها تهدئة انفعالها ملتمسة لولدها العذر: معلش يا بنتي هو من ساعة اللي ما تتسمى دي ما عملت اللي عملته وهو بقى بيقول كلام دبش من غير ما يوزنه ويعقله نسيت نجلاء حزنها على نفسها وتحولت إلى الحسرة على شقيقها: فين حمزه اللي هزاره كان بيخليني هأموت على نفسي من الضحك ولا نصيحته اللي بتبقى بهدوء وتخليني أعملها غصب عني لأنه بيقنعني بيها مش بيرمي كلام ملوش طعم تنهد أحمد: ربنا يصلح الأحوال ليه وليكي *** "لا مُنجي منه إلا إليه" .. لقد رددتها والدتها دائماً تبعتها شقيقتها الكبرى لتخطو خطوات والدتها، هي التي حقاً لم تهتم، كانت المدللة التي تفعل ما يحلو لها، تجد دائماً من يحل لها مشكلاتها، اعتادت على رعاية ودلال الجميع لها .. رغم مقدرتها على الإعتماد على نفسها لكن صدق المثل القائل "اللي يلاقي دلع ومايدلعش يبقى حرام عليه". لم تكن تدري أن كل من دللها كان يخاف على تلك البراءة التي تملكها من الضياع بسبب أُناس لا ترحم، قلوب كالصخر وضمائر من زئبق تتغير بتغير المصالح والرغبات. سلمى ... تلك الصديقة الصالحة ، كم من مرة نصحتها بأن تخفف من تصرفاتها اللا مسئولة حتى لا تزيد العاتق على أهلها عن الحد. لقد كانت سلمى جارتها وصديقتها، لعبا سوياً منذ كانوا صغاراً .. أقاما سوياً في القاهرة لدى عمة سلمى رغم أنها التحقت بكلية ألسن في حين إرتادت سلمى كلية اقتصاد وعلوم سياسية .. لم يكن ذلك الإختلاف اليتيم بينهما بل كان هناك الكثير من التناقضات الأخرى .. سلمى تتحمل المسئولية منذ الصغر فوالدتها لم تسمح لها بالدلال الزائد خوفاً عليها من الفساد، مقتنعة أنها ذات يوم ستصبح ربة منزل وقتها لن يتقبل أي زوج كان دلالها، دائماً ما كانت قريبة من ربها تناجيه باستمرار تتلمس رضاه في كل عمل تقوم به .. أما هي فكانت علاقتها به وقوفها بين يديه خمس مرات يومياً وصوم شهر رمضان ولا تعرف للمسئولية معنى في قاموسها الخاص وأغلب معرفته بالدين لا تتعدى ما أخذته في الإبتدائي خلال حصص التربية الدينية. فهمت منطق والدة سلمى في عدم الدلال؛ فلولا دلالها لما تعشمت في حب عائلتها لها معتقدة أنها إذا هربت وتزوجت من أرادت ثم عادت إليهم سيستقبلونها بأذرع مفتوحة واسعة لا تحمل إلا التراحب. انتحبت حتى جفت دموعها ولا يحمل قلبها الآن إلا شعور بالمرارة والحرمان، لقد حرمت نفسها من حضن شقيقتها الدافئ وعطف والدها عليها، مزاح أشقاءها معها. مرت بذاكرتها جملة قالتها لها زهرة سابقاً لكن في حينها لم تُلقِ لها بالاً أما الآن فقد تأكدت صدقها .. " ماتنسيش اللي بيحب بجد مش بيفكر حتى يأذي اللي بيحبه ... واقتراحه دا لو عملتي بيه هيدمرك مش هيأذيكي بس! .. خلي الكلام دا حلقة ف ودنك" .. لكنها أسقطته من أذنها. سجدت تناجي ربها: يا رب، أنا عارفه إني قصرت معاك كتير وبعدت عنك أكتر بس أنت ارحم الراحمين ارحمني واغفرلي، أنا كنت ضالة والمحنه دي هي اللي هدتني، مش معترضة على حكمتك مادام ف الأخر قدرت أرجع لطريق الصح ولطريقك .. لكن يا رب ساعدني .. أنا لو فضلت في المكان دا هأضيع بجد، هيخلوني بنت ليل واعمل حاجات من الكبائر .. يا رب انقذني من هنا، أنا خلاص مش هأضيع طريقي في الوصول ليك من إيدي بعد ما لاقيته .. بس أرجوك خرجني من محنتي وفك كربي دخلت نيفين بعد أن طرقت الباب بخفة حاملة صينية عليها عدة أطباق، هذه وجبة غداءها، وضعت الصينية على الطاولة التي تحتل مكاناً أمام الأريكة المقابلة للنافذة. نهضت واتجهت إلى نيفين: اقعدي يا نيفين، عايزه أتكلم معاكي جلست نيفين وقد ضيقت بين عينيها منتظرة هذا الحديث المهم، تنحنحت حياه ثم قالت بجدية: أنا عايزه أهرب من هنا أسندت نيفين ظهرها إلى الخلف وعقدت ذراعيها، سألتها بهدوء: وهتهربي إزاي ؟ - هو أكيد هيسافر تاني مش كدا ؟ - حتى ولو .. هتعملي إيه يعني؟ - هأهرب وهو مش هنا أو حتى يوم مايكونش فيه موجود هنا - إنتي فاكره الهروب بالسهولة دي ؟؟؟ - مادام مش موجود هتبقى سهلة، لا جميلة ولا فتون هيقدروا يمنعوني خصوصاً جميلة اللي مش طايقاني أصلاً دي مش بعيد تطير م الفرحة استقامت نيفين وقد شدت ظهرها: إنها ما تطقكيش حاجه وإنها تسيبك تهربي حاجه تانية أردفت عندما رأت علامات التعجب تعلو وجهها: إنتي تعرفي إيه عن شغل شادي ؟؟ هزت كتفيها مشيرة إلى قلة معلوماتها: إنه بيشتغل مع باحثين أثار وبيلفوا البلد يبحثوا ف تاريخ الفراعنة .. أه ونسيت أقولك إنه شغال قواد أضافت الجملة الأخيرة ساخرة، أعطتها نيفين إبتسامة ساخرة: بقى تهربي مع واحد ودا كل اللي تعرفيه عنه؟ أسرعت مضيفة: على العموم أحب أقولك بعيداً عن الشغلانه الأولى اللي أنا ما اعرفش عنها حاجه .. إنه يبقى قواد مش بالسهولة دي .. مش أي واحد يجيب كام بنت ويشغلهم يبقى قواد - أومال إيه ؟؟ - الشغلانه دي ليها أصول، زيها زي أي مؤسسه أو شركه أكيد بإختلاف الهدف، القواد دا لازم يبقى له بوص، رئيس أكبر منه يأمنله الحماية من الباقيين عشان ما يتغدوش بيه قبل ما يتعشى بيهم - وإنتي تعرفيه ؟ - لا، ماحدش يعرفه غير شادي وبس .. حتى مش بيقابله كتير، أوقات الضرورة وبس - زي إيه الضرورة دي ؟ أشارت إليها: زي إنه يوريه الوجه الجديد اللي هينضم للمجموعة .. أومال فاكرة كل الصور اللي اتصورناها قبل ما يسافر دي كانت ليه ؟؟ - يعني مش هاعرف أهرب؟ وقفت على قدميها ثم سحبت حياه من يدها، أزاحت جزء من الستائر وأشارت إلى نقطة ما في الخارج. تطلعت حياه متمعنة لتجد شخصاً مفتول العضلات كأنه يحيا على اللحم فقط وليس أي لحم بل لحم نيئ مما يجعله قادراً على إلتهام شخص كامل. عادت تنظر إلى نيفين التي أشارت إلى نقطة أخرى لتجد نسخة طبق الأصل من الرجل الأول ولكن بإختلافات طفيفة. - إزاي ما شوفتهومش قبل كدا ؟؟ - لما جيتي كنتي نايمة وبعدين مراية الحب كانت عمياكي يعني لو واحد فيهم قالك أنا أهو مش هتشوفيه بردو جلست مجدداً قبل أن تضيف: كمان كانوا مستخبيين لحد ما شادي ... قطعت جملتها متأكدة من وصول مقصدها، انهارت حياه إلى جوارها: يعني مافيش أمل ؟؟ - مش عارفه ، أنا ما حاولتش عشان أقولك كأنها تذكرت شيئاً أردفت: على فكرة شادي كان عايز ينزلك معانا إنهارده الشغل أصله شايف إنك بتتدلعي وأخدتي فترة راحة كافية بس جاتله مأموريه فأجلها لحد ما يرجع .. ماينفعش واحدة جديدة تطلع أول مرة ليها ف عدم وجوده .. قوانين بقى حاولت إحجام ارتجاف جسدها متجاهلة إحساسها الداخلي بالتقزز: مأموريه إيه ؟ - هههههههههه يا بنتي ركزي ف حالك .. ع العموم دي كلمة بيقولها على كل حاجه بيعملها مش عايزنا نعرف عنها حاجه سألتها: هو أنتوا بس اللي بيـ ... علقت جملتها لا تدري كيف تصوغها، فهمت نيفين قصدها: من القوانين بردو إنه أكتر من خمس بنات ف نفس البيت خطر .. عشان ما يوزوش بعض على الثورة .. هاهاها سلامات يا ثورة .. شادي مسئول عن كذا فيلا زي دي فيها من 3 لخمس بنات .. بس مش عارفه عددهم ولا مكانهم فين .. لكن بيبقى سايب مكان لوحدة جديدة تنضم ف أي وقت .. ما ينفعش يبقى أكتر من واحدة جديدة ف نفس المكان لإنه بيخلي البت تعصلج والدماغها تنشف أكتر .. همت تغادر الغرفة قائلة دون أن تستدير إلى حياه: ما تفكريش تهربي إنهارده وإحنا مش هنا، الحراسه هتتشدد بره يعني بدل الإتنين اللي شوفتيهم هيبقوا عشرة فريحي نفسك عشان ساعتها مش هتنولي إلا الــ ... لم تكمل الجملة التي ترددت أصداءها في جميع أنحاء الغرفة كأن الجدران أيضاً تحذرها من عدم اقتراف مثل ذلك الفعل الذي لن يعود عليها إلا بالمزيد من الضرر. لكن السؤال الفعلي الآن، كيف عرفت نيفين برغبة حياه في المحاولة تلك الليلة ؟؟... الفصل السابع استعد حمزه متأنقاً للذهاب إلى مشواره مع صديقه مُسعد غير شاعر بأي تأنيب ضمير على طريقة حديثه هكذا أمام والديه مع شقيقته الصغرى، لقد كف عن شعور بأي شيء منذ أمد ليس ببعيد. خرج من غرفته متجهاً إلى غرفة المعيشة، وجد مي مي تتسلى بمشاهدة التلفاز بينما والده يتحدث مع فادي عما سبب سوء التفاهم بينه وبين زوجته، تتابع والدته الموقف بإهتمام بينما نجلاء تدير وجهها للناحية المعاكسة مظهرة غضبها. ابتسم بسخرية: أنت لسه فيك حيل يا ابني تيجي ترجعها ؟؟؟، دا أنا لو مكانك كنت زهقت وطلقتها من زمان صرخت به والدته سمية: إيه اللي أنت بتقوله دا يا حمزه ؟؟؟ هتفت نجلاء بحنق: أنت عايز تخرب عليا يا حمزه ! اتسعت ابتسامته رغم أنها لم تصل إلى أذنيه: وأما إنتي عايزه ترجعيله وتتصالحوا سيباه بقاله ساعة بيتكلم مع بابا وهو ف نص هدومه ومش راضية تروحي معاه ليه؟؟! ارتبكت نجلاء وبدأت في فرك يديها بشدة بينما تهز قدمها بتوتر جليّ، تنهد الأب متحدثاً بهدوء رزين: مالوش داعي الكلام دا يا ابني، هو جوزها وعارفها أكتر مننا وعارف طريقتها وراضي فادي مبتسماً بسماحة: أعمل إيه يا حمزه .. بأحبها بقى حمزه بضيق: يبقى استحمل يا كبير الذل فادي بهدوء: الحب عمره ما كان ذل يا حمزه، الحب يعني اغفرلها لما تغلط ف حقي عشان هي تغفرلي لو غلطت ف حقها .. لو ما سامحتش مش هأقدر استنى إنها تسامحني وهنفضل على طول ف شد وحياتنا متعلقة بشعرة. حمزه متحسراً: دا لو فيه حاجه اسمها حب أصلاً وضع أحمد يده على كتف ابنه: فيه يا حمزه بس كل الموضوع إنه ربنا لسه ما أذنش إنك تقابله لحد دلوقتي أومأ حمزه معتذراً بضرورة ذهابه فوراً لمقابلة صديقه، رحل مسرعاً فهو لم يعد يطيق كلمة حب في أي حوار يخوضه .. الحمدلله أنه سيقابل مُسعد ويلهيه بفكاهات التي لا تنقطع فهو يمتاز بخفة الدم لكنه يتحول إلى الجدية الشديدة أيضاً وقت الحاجه. تم اللقاء واتفقا على الذهاب للعشاء سوياً، قال مُسعد متفاخراً: بما إنه الواحد لسه قابض بقى فأنا قررت أعزمك ومش ف أي مكان، لاااا ف أجدع مطعم فيكي أمصر - ومن إمتى البزخ دا ياخويا ؟ - يلا، على الله يطمر - يا شيخ إتنيل، أنت هتذلني على حتة عشوه لا راحت ولا جت ؟؟ خلاص مش لاعب - يا عم تعالى بس، مين دا اللي يقدر يذلك يا باشمهندس - واحد كدا يا باشمهندس قهقه مُسعد: طب خلاص حقك عليا ويلا بقى لأحسن أخوك هفتان خااالص جلسا على الطاولة يتابعان حديثهما الذي لا يخلو من المزاح، هدأ تفكير حمزه حتى أنه بادل مُسعد مزاحه بالمثل حتى ... لاحظ انقلاب ملامح صديقه على حين غرة، حاول سؤاله عما جرى لكنه ظل ينظر لنقطة ما من فوق كتفه دون أي تعبير، إلتفت ليرى ما سبب هذا الضيق والغضب المكتوم داخل صديقه. امرأة بحجاب لكنه لا يحمل أي صفات الحجاب بالمرة حتى إنه لا يخفي خصلات شعرها التي تناثر بعضها من الأمام هذا دون الحديث عن الملابس التي تشف أكثر مما تخفي، تنهد عائداً لصديقه: هي دي ؟ أفاق حمزه مزيحاً نظراته عنها وقال كأنه لم يفهم: قصدك مين ؟ أجابه بسخرية: اللي كانت عينك هتطلع عليها دلوقتي بضيق: ما تتلم يا مُسعد - معلش مش قصدي تنهد: أنا اتصدمت بس لما شوفتها مش أكتر عشان كدا ما أقدرتش أحرك عيني من عليها تحدث مشيراً إلى الرجل الذي برفقتها ويبدو عليه الثراء الفاحش: دا اللي فضلته عليك؟ أشار إلى النادل مغيراً مجرى الحديث: ممكن نطلب الأكل وبلاش نتكلم ف الموضوع دا أراد مُسعد أن يخرج صديقه مما يشعر به الآن فمهما كان شعوره لن يكون جيداً عندما يرى من هواها قلبه ترافق رجلاً أخر، قال متصنعاً الحزن: بقى كدا يا صديقي الصدوق استغرب حزنه: مالك قلبت ليه ؟ - مش عايزني أقلب وأنت مستعجل على أنك تدفعني فلوس!، إهئ إهئ ماكنش العشم يا صاحبي ابتسم حمزه ولكنها ابتسامة صغيرة برغم ذلك شعر مُسعد بالتحسن فقد خفف عن صديقه ولو القليل. *** دقت الساعة معلنة أنها الرابعة فجراً .. ليس هناك من أحد غيرها في المنزل منذ العاشرة مساءاً، لقد ذهبن إلى عملهن كما أطلعتها نيفين سابقاً بينما سافر شادي في "مأمورية" كما يسميها تاركاً العديد مع الحراس أمام الباب. نظرت من النافذة لتجدهم ازدادوا، لقد أصابت نيفين في نصيحتها .. اتجهت تصلي الفجر لكن ما كادت تنتهي حتى سمعت أصوات في الخارج فتأكدت من عودتهن أخيراً. ذهبت لتراهن فهذه المرة الأولى التي يذهبن في عمل منذ قدمت إلى هنا، كانت تشعر بالقلق والإشمئزاز مما يحدث ولا تستطيع منعه .. بل إنه إذا حدث معها لن تستطيع منعه فكيف الحال مع غيرها ؟؟ وجدت نيفين تدلف برفقة فتون، ارتمت فتون على الأريكة بإنهاك بينما اتجهت نيفين إلى غرفتها متعبة قائلة أنها ستنام ولا تريد أي إزعاج. لم تعرف حياه ماذا تفعل فجلست أمام فتون تراقبها وهي تنزع حذاءها عالي الكعبين في تعب حقيقي. تساءلت: هو حصل حاجه ؟ هزت كتفيها: لا العادي بس أشارت إلى الباب الذي يخفي خلفه نيفين: أومال مالها ؟ نظرت إلى حيث أشارت: قصدك نيفين؟؟ .. لا دا الطبيعي بتاعها .. أول ما ترجع مش بتبقى طايقه نفسها .. بتبقى قرفانه من كل حاجه ساد الصمت، قامت حياه بإتجاه الغرفة لكن تحذير فتون أوقفها: سيبيها أحسن دلوقتي عشان أي حد بيكلمها ف الحالة دي بتشوط فيه .. أصلاً مافيش حاجه مهمة .. كلها تسيب نفسها تحت الدش ساعتين وبعدها تاخد حبتين منوم عشان تعرف تنام وتصحى الصبح ولا أكن حاجه حصلت علمت حياه عدم جدوى دخولها فعادت تجلس وهي تسأل بتردد: إنتي إيه اللي جابك هنا ؟ رفعت نظرها لتسألها عن مقصدها ولكنها فهمت ما تشير إليه، تنهدت بألم تتطلع إلى السقف بشرود: أمي ماتت وهي بتولدني .. وأبويا ماصدق ماتت قام متجوز ف اليوم الواحد وأربعين من موتها على طول هههههه، بس واحدة عقربة .. فضلت تذل فيا وتطلع عيني من وأنا صغيرة .. حتى كنت أول سنتين عايشه مع جارتنا وصاحبة أمي ف نفس الوقت بس بعد ما اتفطمت أبويا خدني من حضنها وحنانها عشان يرميني في جحيم مراته .. هو يهمه إيه غير مزاجه ؟؟ .. يشتغل طول اليوم وهي تبهدل فيا طول اليوم ولو اشتكيت تلسعني بالمكوه .. ولما كنت بأشكيها لبابا تقوله دي كانت بتلعب وأنا بأكوي وقولتلها تقعد لكن ما سمعتش الكلام قامت المكواه وقعت عليها وأخد أنا التهزيء والزعيق كله وشوفي من دا كتــيـر أوي .. لحد ما قابلت شادي ف مرة، ما أعرفش ليه حكيتله كل حاجه من أول مرة قعدت أتكلم معاه، كنت ماشية وعربيته كانت هتخبطني بس ربنا ستر، بعدها أخدني عشان أشرب حاجه ف كافيتريا يكون اعتذاره ليا .. ما أعرفش ليه بس أنا روحت معاه ويارتني لا عرفته ولا حكيتله .. عذاب مرات أبويا أهون م القرف اللي عايشاه دا - ما حاولتيش تهربي ؟ - حاولت مرة واحدة وبعدين قولت يا حسرة كله شبه بعضه .. ما بقتش فارقه كتير - وإيه اللي حصل ؟ عرفوا يمسكوكي ؟ - أه، بعد ما قدرت أنفد من البيت واللي واقفين حواليه، فضلت ماشيه والمنطقة مافيهاش حد، ولا عربية مرت مش عارفه أنا اللي مشيت غلط ولا الحظ، المهم تاني يوم الصبح كانوا مرجعني تاني - عملولك حاجه؟ رفعت تنورتها القصيرة بالأساس لتريها تشوهاً يعلو فخذها الأيسر ثم قالت بسخرية: ختم صغنون عشان أفتكر إنه كل ما أهرب هيحصل فيا كدا انكمشت حياه، أليس لديهم أي رحمة، كيف يفعلون ذلك، أين القانون وإلى أين ذهبت العدالة .. تأملت فتون الغرفة حولها بما تحويه من أثاث عصري يتفاوت لونه بين الأحمر والأسود كذلك الأبيض والرمادي، قالت: اللي إحنا فيه دا أكبر دليل على إنه المظاهر خداعه - طب وجميلة ؟ - عايزه تعرفي حكايتها هي كمان ؟ - لو مافيهاش إزعاج ابتسمت فتون ساخرة: مالك مؤدبه كدا ؟ أردفت تحاول تجميع كل التفاصيل التي تعرفها: جميلة دي الوحيدة اللي جت بمزاجها، كانت متجوزة واحد بس أكبر منها بكتير، طبعاً ماكانش موفرلها حاجه غير الفلوس عشان تدلع بيهم وكان بيديها زيادة عشان تفضل معاه وتستحمل سنه الكبير وإنه مجرد جواز على ورق مش أكتر، لكن ما يعرفش أو كان عارف ومطنش الله أعلم إنها بتقابل شبان من وراه عشان يعوضوها عن اللي راجل عنده سبعين سنة مش قادر يقدمهولها ... طبعاً فاهمة قصدي أومأت متفهمة وقد شاب وجهها حمرة شديدة، تابعت: وف الأخر وقعت ف إيد شادي كالعادة وفضلت معاه لحد ما جوزها مات لكن بعد موته اكتشفت إنه ما سابلهاش ولا قرش كله راح لولاده من مراته الأولانيه وهي طلعت من المولد بلا حمص، وقتها بقى استلقاها شادي وفضل وراها لحد ما أقنعها تيجي تشتغل هنا معاه فغرت فاهها بعدم تصديق: يعني بمزاجها ؟؟؟ إزاي ؟! ضحكت بسخرية: يا بنتي ما هي كدا كدا كان ليها علاقات أيام ما كانت متجوزة ومش بعيد قبل كمان .. يعني هي هي الفرق الوحيد إنه المرة دي هتضمن فلوس مش هتطلع حتى من غير حمص - هو بيدوكوا فلوس على دا ؟ - أيوه، أومال هنعمل كدا ببلاش؟؟ دا اللي ناقص كمان ! - وبتعملوا إيه بالفلوس مادام محبوسين بين أربع حيطان أشاحت بلا مبالاة: عادي، بنجيب فساتين .. مكياچ .. نفسي ف حاجه بردو أجيبها - بتنزلي تجيبيها لنفسك ؟ - لا بأبعت حد من اللي برا يجبلي نهضت فتون من مقعدها وجلست على ذراع الأريكة التي تحتلها حياه، مالت تهمس في أذنها بتحذير: ما تحاوليش تهربي عشان مش هينوبك غير واحدة زي دي أشارت إلى الحرق في فخذها ثم عادت تتحدث بصوت يحثها على الإنتباه: وبلاش تثقي ف أي حد مهما بينلك قد إيه هو واقف ف صفك وبيحميكي نظرت لها حياه وسألتها بتردد: قصدك مين ؟ ربتت على كتفها: لاحظت قرب نيفين منك فحبيت أحذرك بس حركت سببتها بوجهها: ما تثقيش بحد غير نفسك وبس، هنا كل واحد بيعمل لمصلحته، زي ما حد استغله هيحاول يستغل غيره .. حتى أنا .. ما تثقيش فيا .. لو قررتي ف يوم تهربي متحملة كل المخاطرة اهربي .. بس ماحدش يعرف إنك هتعملي كدا .. وقتها هتظهر الأنانية فعلاً وقفت متثأبه: أنا هأدخل أنام بقى لأحسن مش قادرة قالت حياه بلا تفكير: مش هتصلي الفجر قبل ما تنامي ؟؟ نظرت إليها فتون مصدومة وبعد أن تمالكت نفسها قالت بحزن: واللي زيي تتقبله صلاة إزاي ؟ ابتسمت حياه بحنان وربتت على ذراعها: استحمي وبعدين أتوضي وصلي .. ربنا عمره ما بيقفل بابه ف وش حد قالت بتقزز: بعد القرف اللي أنا فيه دا .. أظن كل الأبواب اتقفلت ف وشي، إزاي أعمل كدا وأخر اليوم أروح أصلي وأقف قدام ربنا كأني ما عملتش حاجه - طب وليه تقطعي كل الطرق اللي رابطه بينك وبينه ؟؟ .. مش يمكن الطريق دا اللي هتفضلي موصله نفسك بيه بربنا هو يكون سبب نجاتك من اللي إنتي فيه دا واللي عشتيه غصب عنك ! أو سبب غفران ربنا لأفعالك دي ؟ استمرت فتون تنظر لها وتفكر فيما قالت، بعد دقائق ابتسمت وضمتها قائلة: بجد إنتي طيبة أوي .. ما تستاهليش اللي إحنا فيه دا أدارت يدها لترى حياه العلامة الموجودة بباطن معصمها، حدقت بها مصدومة فيما ابتسمت لها فتون: أيوه مسيحية .. بس هأصلي بردو زي ما قولتيلي تركتها وانصرفت إلى حجرتها، سخرت من تفكيرها فما الفرق لدى هؤلاء بين مسلم ومسيحي أو حتى بلا ديانة .. المهم أن تتكيف مع الوضع وتحضر لهم الأموال. *** سلم من صلاة الفجر ثم جلس يردد أذكار بعد الصلاة، تذكر رؤيته لها في المطعم وكيف كانت تضحك بسعادة مع من فضلته عليه. ابتسم لنفسه بسخرية، لقد أحبها أشد الحب ولكنها قابلت هذا الحب بالخيانة والغدر، لم يخطئ بحقها ولم يفكر بأذيتها فلما تفعل ذلك به ؟ اتجه إلى المطبخ ليروي عطشه، وجد مي مي تحاول الوصول لزجاجة العصير دون جدوى، ابتسم وناولها الزجاجة: إنتي هتفضلي قصيرة كدا على طول ؟؟ .. هتطولي إمتى يا أوزعه قطبت حاجبيها بغيظ وتحدثت إليه بلغة الإشارة فعاد يقول: يعني إنتي مش أوزعه ؟ هزت رأسها مؤيدة، أكمل: أومال ما عرفتيش توصلي للإزازه ليه يا طويلة هانم ؟ أشارت له بما تريد قوله مما أدخله في نوبة ضحك: بقى الإزازه هي اللي عالية عليكي رأى غيظها أشتد إلى درجه قد تجعلها تنفجر، انخفض لمستواها كاتماً ضحكاته: خلاص الإزازه هي اللي طويلة ولا تزعل نفسك يا قمر أنت ابتسمت مي مي بسعادة وسألته لما لم ينم حتى الآن، أخبرها أنه كان يصلي الفجر وشعر بالعطش فأتى ليشرب. قدمت له زجاجة العصير ليشرب منها، رفض لكنها أصرت. حمزه: خلاص إنتي شويه وأنا شويه ماشي ؟؟ أومأت موافقة، سكب كوبين من العصير لكل منهما .. تحدثا سوياً؛ تتلو عليه ما يفعله رفاقها في المدرسة معها وأنهم يسخرون منها لعجزها عن الكلام مثلهم. رأى الدموع تترقرق في عينيها فشعر بغيظه يشتد، لما تصمت والدته عن الذي يحدث، سيحادثها في هذا الموضوع عندما يراها في أقرب فرصة إنما ما يجب فعله الآن هو أن يأخذ قسطاً من الراحة قبل التوجه إلى فرع الشركة التي يعمل بها لاستلام مشروعه الجديد. *** عاد شادي بعد يومين من سفره الذي لا يعلم أحد عن تفاصيله شئ، سأل عن حياه وسلوكها أثناء غيابه، كانت تسمع صوته من غرفتها كلما سمعته اقشعر بدنها، تتذكر كل ما فعله بها تغضب وتبكي حسرة على ما وصلت إليه. دخل عليها الغرفة دون أن يطرق الباب كالعادة، اعتادت هي على ذلك فلم تعد تبالي فقد أصبحت ترتدي حجابها باستمرار حتى أثناء نومها. وضع لفافتين على السرير أمامها قائلاً بلهجة أمره: إنهارده الساعة تسعة تكوني جاهزة عشان هتيجي معانا .. إنهارده أول يوم ليكي ولو فكرتي تعملي حاجه كدا ولا كدا ما تلوميش إلا نفسك على اللي هيحصلك صفع الباب بشدة خلفه زيادة في الخوف الذي يحاول زرعه بداخلها، أحرقت الدموع عينيها وهي تفتح اللفافه الأولى لتجد بها فستان قصير بدون أكمام واللفافة الأخرى تحتوي على حذاء عالي الكعبين يناسب الفستان. دفعتهم بعيداً إلى أخر الغرفة ولكن إلى متى ستستطيع دفعهم .. *** وقفت في الاستراحة برفقة سمر داخل فناء المدرسة تطمئن على أحوالها، لقد انتظمت كثيراً في مواعيدها وأصبحت الإبتسامة لا تفارق وجهها على الأقل بينما تكون برفقة حنان. لقد وجدت الطفلة الحنان الذي تتمناه فائضاً لدى معلمتها الحبيبة، عوضتها عن وفاة والدتها وقسوة زوجة والدها. انطلقت سمر تلعب مع صديقاتها بعد أن توطدت علاقتها مع أغلبهن فصارت إجتماعية جدا. - صباح الخير إلتفتت إلى الصوت القادم من خلفها متعجبة: خليل ؟ .. صباح النور نظر إلى سمر وهي تلعب وتضحك: لسه حنينه زي ما إنتي تنهدت بقوة: عايز إيه يا خليل؟، إيه اللي جابك؟ اتخذ موقف الهجوم عندما وجدها لا تبالي أو كأنها تختنق من كلماته فأراد المحافظة على ماء وجهه: جاي عشان أقدم لبنتي هدى في المدرسة هنا كزت على أضراسها غيظاً فليس من الممكن أن يكون بلا مشاعر إلى هذه الدرجة: وإشمعنه المدرسة دي بالذات ؟ هز كتفيها كأن الأمر ليس مهماً: عشان دي أحسن مدرسة ف المنطقة سألته ساخرة: والمدام وافقت على الموضوع دا بسهولة كدا ؟ تذكر رد فعل زوجته عندما علمت باسم المدرسة التي يريد تقديم ابنتهما للإلتحاق بها، لقد صرخت بوجهه وكادت أن تدق عنقه على تفكيره فهي تعتقد أنه يفعل ذلك ليكون هناك رابط ولو بسيط بينه وبين حنان، نفى ذلك بشدة أمامها ولكن قلبه كان مؤكداً عليه، لكن الحوار أنتهى بأنه الأعلم بما في مصلحة هدى. تجاهل سؤاله بسؤال أخر: أخبارك إيه وأخبار ست الكل إيه ؟ أومأت: الحمدلله اعتذرت منه منصرفة: عن إذنك عندي شغل تركها تغادر فليس لديه ما يتحدث به ليستبقيها برفقته لمدة أطول، تنهد مغادراً المدرسة وعيونها المتألمة تشيعه من نافذة غرفة المعلمات. *** ارتدت فستانها الأسود الذي ناسب مزاجها فهي تشعر حقاً أنها ليست ذاهبة إلى حفلة بل إلى عزاء لكن هذا العزاء لن يكون إلا .. فيها. حررت شعرها كما أمرها وإلا عقابها سيكون عسيراً، لا تخلو جملة أو أمر يوجهه إليها من تهديد ووعيد، يعلم أنها لن تطيعه بإرادتها. أتت نيفين تضع لها لمسات المكياچ في صمت، تتأكد أن كل شيء على خير ما يرام لتوصل ذلك إلى شادي. نهضت خائفة ركبتيها تكادان تتخبطان سوياً من شدة فزعها، نظر إليها نظرة رضى عن مظهرها الأنيق الذي سيجعل عنقه تشرئب أمام الجمع في الحفل، هو يعلم دون مبالغة أنها أجملهن وأكثرهن جاذبية، فهي رغم ملامحها المصرية العادية إلا أن عيونها تمتلك سحراً خاصاً، لمعاناً سحرياً ولكنه مطفئ الآن، واسى نفسه بأنها سرعان ما ستعتاد الأجواء ويعود لمعان عيونها لسابق عهده. كانت تشد على أضراسها وتكبح جماح دموعها، قلبها يتمزق إرباً، لم تتحمل نظراته إليها وهي ترتدي فستانها الواصل إلى ركبتيها، تمنت أن تنشق الأرض وتبتلعها، إذا كانت نظراته هكذا فما بال من سيحضرون الحفل؟ بعد أن عبر عن رضاه عن مظهرهن جميعاً طلب منهن أن يتبعوه، سارت مترددة تحاول التفكير في حل لما هي فيه وما هي مقدمة عليه، قبل أن يصعدوا إلى السيارة هتفت قائلة: أنا عطشانة شادي بملل: لما نوصل هتلاقي حاجات كتير تشربيها - لا، أصلي لما بأعطش بأتعب وجسمي بيترعش نظر لها بشك: غريبة دي فتون تنجدها: خليها تشرب يا شادي، كان زمانها شربت وجت كمان - طب روحي بس بسرعة أضاف محذراً: وأوعي تفكري ف حاجه كدا ولا كدا أحسنلك تجاهلت الرد وعادت إلى الداخل، اتجهت إلى غرفة نيفين وفتحت أحد الأدارج تناولت منه شريط دواء، ارتعشت يديها فوضعته مكانه وهمت بالمغادرة لكنها عادت مسرعة وتناولت حبتين منه ووضعت باقي الشريط مكانه وهرولت مسرعة قبل أن تعود في قرارها. *** انتهوا من العشاء سوياً كما لم يفعلا منذ فترة، كانت نجلاء سعيدة بهذا التغيير رغم علمها إنه ليوم واحد بناء على إصرارها المتواصل. حملت الأطباق إلى المطبخ وبدأت في إعداد القهوة التي يعشقها فادي بعد وجبة دسمة كالتي تناولها منذ برهة. سبقها إلى غرفة المعيشة يبحث عن فيلم مسلي يشاهداه معاً، وضعت الفشار على النار لتجهز طبقاً ضخماً للتسالي أمام الفيلم، قررت إنهاء غسيل الأطباق في انتظار نضج القهوة والفشار. كانت تغسل الأطباق سعيدة بيومها هذا، إنه كما تتمناه دائماً عودة الزوج للعشاء برفقة زوجته مساءً ثم يتابعان فيلماً رومانسياً أمام شاشة التلفاز وهي متقوقعة بين أحضانه تنعم بدفئه وحنانه، لم تشعر إلا بصرخة فادي وهو يغلق صنبور المياه فزعاً. استدارت إليه متفاجأة: في إيه؟ - هو إيه اللي في إيه ؟؟ إنتي مش واخده بالك إن المايه كأنها مغلية وممكن تسلخ إيدك! نظرت إلى يدها لتجدها شديدة الأحمرار من أثر المياه، تركها تنظر ليدها ببلاهة واتجه يطفئ النار بعد أن فارت القهوة وحُرق الفشار. تمتم متأففاً: أنا مش عارف إيه اللي حصلك وخلاكي مش دريانه بأي حاجه كدا، لا بإيديك اللي كانت هتتحرق ولا بالقهوة اللي فارت ولا بالفشار اللي اتحرق همهمت منصرفة: هأروح أحط مرهم على إيدي هرولت مسرعة هي نفسها لا تدري ماذا حدث، لماذا لا تشعر بأي ألم رغم أن يدها أوشكت على الإحتراق. *** وقفت تضرب قدميها في الأرضية بعصبية شديدة، إنها ليست حفلة عادية إنما حفلة للعربدة والمجون، تذكرت الوصايا العشر التي أوصاها شادي بها، الإبتسامة الدائمة، الكلمة اللطيفة، الرقة الشديدة، عدم العصبية، الدلال الزائد .. إلخ. شعرت أنها سلعة معروضة أمام الحشد لينتقيها من يستطيع تأجيرها لفترة وجيزة لكن بأعلى سعر، احتقرت نفسها والمكان والناس حتى الأموال، الأموال التي تجعل البشر سلعة سهلة الشراء يتقاذفها الأثرياء كأنهم لعبة ملك أيديهم. رجل بدين أشيب الشعر يبدو أنه يفوق عمر والدها عقداً كاملاً، مال ذلك الرجل على شادي يهمس له بشئ ما ويبدو أنه أعجبه لأن ابتسامة كريهة ظهرت على شفتيه، لمحت بصر شادي يتوجه صوبها، ارتفعت دقات قلبها أكثر من الفزع. اقترب شادي يسحبها من ذراعها عائداً بها إلى ذلك الرجل متمتامً من بين ضروسه حتى لا يظهر أنه يحدثها خلف ابتسامته المتجمدة فوق شفتيه: هتروحي معاه وهتعملي اللي يقولك عليه من غير ولا كلمة اعتراض .. هيبقى فيه واحد تبعي واقف على الباب لما تخلصي هيرجعك البيت .. بس لازم الزبون يتبسط وإلا ليلتك هتبقى أسود من قرن الخروب يا حياه قرص على ذراعها بشدة لكنها كتمت صرختها، أصبحت مشاعرها دائماً مكبوتة لا تستطيع تحريرها، هذه ليست عادتها لكن يبدو أنها أصبحت كذلك. تناول الرجل ذراعها من شادي مصطحباً إياها إلى منزله كما أخبرها، ظل يثرثر طوال الطريق معرفاً نفسه ولكن أذنيها لم تلتقط أي حرف مما تفوه به. قادهم السائق إلى منزل الرجل ولم يكن السائق سوى أحد أتباع شادي الذي أرسله في صحبتها ليعيدها مرة أخرى بعد قضاء ليلتها برفقة الرجل. دلفت إلى الغرفة ترطب شفتيها بلسانها، جف حلقها من التوتر وصارت تبلع ريقها بصعوبة احتارت ماذا تفعل وكيف تتصرف، لا تطيق أن يلمسها رجل مرة أخرى رغماً عن إرادتها. لمحته بطرف عينها ينزع سترته وربطة عنقه ثم يصب كأساً من الخمور، لم تعرف كيف فعلت ذلك كأنها مسيرة، نزعت الكأس من يده ثم قالت بدلال مصطنع: أدخل خد دش حاول الإقتراب منها لكنها ابتعدت محاولة إخفاء ذعرها الداخلي: لا لا خد دش الأول قال بنفاذ صبر: ولزومه إيه بس دلوقتي .. هأبقى أخده بعدين بس تعالي دلوقتي .. قربي احتمت خلف كرسي: لا، أنت كلك عرق وأنا بأقرف، استحمى الأول - شكلك هتتعبيني، أنا هأقول لشادي على فكرة اقشعر بدنها لذكر اسمه فقررت الخضوع قليلاً: خلاص أغسل وشك بس وتعالى انصاع لها عندما رأى التصميم في عيونها، فور دخوله إلى الحمام أسرعت تُخرج الحبوب التي أخفتها في جيب صغير في أحد أجناب الفستان. وضعته في الكأس وبدأت تحركه بسرعة حتى يذوب الدواء بالكامل، خرج من الحمام قائلاً بإنتعاش: كان معاكي حق، الواحد كان محتاج يفوق دفعت إليه بالكأس راسمة إبتسامة وهمية على شفتيها: طب أشرب دا يلا بقى شرب الكأس على دفعة واحدة وعينيه لا تتزحزح عنها، بعد انتهاؤه من الشرب اقترب منها مسرعاً ولكنها تفادته متجهة إلى الحمام: مش هاتأخر دخلت مغلقة الباب خلفها، تأكدت من تناوله للكأس كاملاً لا ينقصها إلا إنتظار مفعول الدواء في الظهور. ظلت حبيسة حتى مر حوالي عشر دقائق، وضعت أذنها على الباب تتلمس أي صوت يتصدر من الغرفة، عندما لم تسمع أي ضجيج فتحت الباب بهدوء لتجده ملقى على السرير. اقتربت منه بهدوء متسللة، سمعت شخيره .. إنه يغط في نوم عميق، لقد تبعهم السائق حتى دخلوا الغرفة وأخبر الرجل أنه سيقف على الباب في الإنتظار كما هو معتاد. إذا فالخروج من الباب دون جدوى، اقتربت من الشرفة الموجودة في الحجرة، كانت الفيلا مكونة من طابقين لكن الإرتفاع من الطابق الثاني للأرض ليس بهذا العلو. ترددت ولكنها حسمت أمرها أخيراً ليس لديها ما تخسر فقد خسرت الكثير بالفعل، وجدت عموداً إلى جوار الشرفة تمسكت بها زاحفة إلى الأسفل. لم تصدق أنها وصلت أخيراً إلى الأرض، سارت متمهلة حتى غادرت البوابة الرئيسية للفيلا، ثم لم تشعر بنفسها إلا أنها تركض وتركض بلا توقف حتى تقطعت أنفاسها وأوشك قلبها على منع ضخ الدماء إلى باقي أجزاء جسدها. الفصل الثامن دلفت إلى غرفة جدتها، وجدتها تقرأ في كتاب الله بصوت هامس، ابتسمت وناولتها دواءها: يلا يا ست الكل، اشربي دواكي عشان تخفي وتبقي مية فل وعشرة صدقت مغلقة المصحف وهي ترسم بسمة على شفتيها: يا بنتي أنا عندي حاجة وسبعين سنة مش سبع سنين - ولو يا ست الكل، دا ما يمنعش إني أدلعك، الدلع من حق الصغير والكبير تناولت الجدة دواءها ثم ربتت على مكان عند قدميها، جلست حنان منصاعة متنهدة؛ هذه علامة جدتها بأنها تعرف أن هناك ما يزعجها وتحاول إخفاؤه خلف بسمتها ومزاحها. أقرت: خليل عايز يقدم لبنته في المدرسة اللي أنا شغاله فيها فغرت فاهها دهشة: مش معقول، إيه البجاحه دي ! تنهدت: مش عارفه يا تيته، أنا تعبت بجد أجهشت في البكاء، ضمتها جدتها إلى صدرها الحاني تواسيها وتدعمها صامتة، تحدثت حنان بما يجيش بصدرها: هو ليه مش حاسس بالحرقه اللي ف قلبي، ليه بيفكرني دايماً بغلطة أنا عمري ما نستها وبأندم عليها لحد دلوقتي، أيوه قصرت ف حق بنتي بس مش يجيب سكينة تلمه ويفضل كل شوية يشق قلبي بيها ... أنا تعبت بجد والله أنا إنسانه من لحم ودم .. بتجيلي أوقات بأحس فيها إنه الموت أرحملي من الحياه دي بس بعدين بأرجع استغفر ربنا. ربتت على شعرها: دا اختبار من ربنا ولازم نصبر، ادعي وربنا هيستجيب إن شاء الله بس ف الوقت المناسب ليكي ولبنتك، ما تخليش عندك شك ف كدا أبداً، ربنا هو الأعلم بالأنفع والأصلح لينا من نفسنا حتى هدأت حنان وقل نحيبها حتى غطت في نوم عميق، ظلت تدعو لها جدتها بالخير وراحة البال، تلك الدعوة التي تتكرر كثيراً دون أن نعرف أهميتها حتى نفقدها. *** لا تعلم كم مضى عليها تركض جلَّ ما تعلمه أن قلبها يكاد يتوقف من كثرة دقاته وأنفاسها توشك أن تذهب بلا رجعة دون القدرة على التقاطها. توقفت أخيراً أسفل عمود إنارة في الطريق، نظرت حولها هناك قلة من الناس تسير، بعض المحلات ماتزال ساهرة في إنتظار ساهراً أخر يرغب بشراء شئ ما. إن المحروسة تختلف تماماً عن بلدتها، مهما كان الوقت متأخراً أو مبكراً توجد أقدام تروح وأقدام أخرى تجيء، تأملت كل مكان تسقط عينيها فوقه ولكنها لم تجد مكان تلجئ إليه، خائفة أنها إذا لجأت إلى أحدهم يستغلها، فقد استغلها من رسم عليها الحب بكلماته فما بال من لا يعرفونها بالأساس؟ احتارت ماذا تفعل، لا تعرف أين هي ولا إلى أين تذهب، هل اكتشفوا غيابها ؟، يبحثون عنها الآن، اقتربوا من مكانها ؟؟.. تساؤلات تساؤلات بلا انتهاء. ارتفعت الإقامة من مسجد قريب من محل وقوفها، اتجهت إليه حيث وجدت قلة قليلة تدلف إلى المسجد لتأدية صلاة الفجر، دق قلبها بسعادة عندما وجدت باب مصلى السيدات مفتوحاً. تقدمت منه مسرعة كأنها تخشى إغلاقه في وجهها إن لم تسرع، دخلت إليه ووجدت أدوات التنظيف مركونة جانب الباب من الداخل، فهمت أنه مفتوح في تلك الساعة ليتم تنظيفه قبل صلاة الجمعة. نظرت إلى نفسها، لقد اتسخ جسدها ليس من الغبار والطريق فحسب بل من المكان الذي جاءت منه، نزعت حذائها مكسور الكعب حيث كسرته لتستطيع الركض بسرعة وخفة أكبر لأطول مسافة ممكنه، لمحت مجموعة من العباءت والتنورات والأخمره موضوعة على رف جانبي. تناولت إسدالاً واتجهت به إلى الحمام، تحممت وهي تفرك جسدها بكفيها كأنها تريد سلخ جلدها عن عظامها، انتهت وإرتدت الإسدال وألقت ما نزعته عنها في سلة القمامة، وقفت في إتجاه القبلة تقيم صلاتها حامدة الله على إنقاذها شاكرة فضله عليها. جاء الإمام ليغلق مصلى السيدات لكنه وجدها واقفة تقوم بتنظيف المسجد بهمة ولم تشعر بقدومه، تبسم ثم انصرف دون أن يزعجها عائداً إلى مصلى الرجال ليتلو بعض آياته حتى الشروق. *** جمعت أغراضها في عدة حقائب، صرخت تخبر جدتها: أنا نازله يا تيته .. مش عايزه حاجه؟ جاءت جدتها على مهل تدعو لها بالتوفيق وحسن المأب .. انطلقت هي في طريقها إلى المسجد فاليوم هو الجمعة؛ حيث تحمل العديد من الكتب الدينية والمصاحف اللائي جمعتهن من زميلاتها في المدرسة، فمن يفيض لديه أي شيء تقوم بتجمعيه وإرساله إلى مكانه المناسب فالكتب الدراسية إلى الجمعيات الخيرية كذلك الملابس وكتب الثقافة العامة بينما الكتب الدينية بعضها للجمعيات الخيرية ولكن الأغلب تذهب إلى أحد المساجد واليوم الدور على أكبر مسجد في منطقتها. ذهبت مبكرة عن موعد أذان الظهر بأكثر من ساعة كاملة لترتب الكتب في المكتبة التي تحتل حائطاً بأكمله في مسجد النساء وتعطي بعضاً منها إلى إمام المسجد ليرتبهم في مسجد الرجال من ثم تشعل البخور ليملئ المسجد برائحة فواحة تعطيه انتعاشاً فوق إنتعاش تواجد المرء به. صعدت إلى مصلى السيدات لكنها وقفت متسمرة مكانها، من تلك التي تتوسد كفيها وتضم ركبتيها إلى صدرها ؟؟ وضعت الحقائب متناولة إحداها وعادت تنزل الدرجات من جديد، كان الإمام على وشك الدلوف إلى مصلى الرجال عندما نادته، توقف باسماً وبدأ الإقتراب منها يسألها عن حالها وحال جدتها، طمأنته ثم سألته بالمثل عن حال زوجته وأولاده. عادت تسأله متعجبة: هي مين اللي نايمه في المسجد فوق دي ؟ هز كتفيه حيرة قائلاً: مش عارف يا بنتي، أنا جيت أقفل المسجد بعد صلاة الفجر لكن لاقيتها بتمسح مصلى السيدات فسيبتها ورجعت اقرأ قرآن لحد ما تخلص بعد الشروق طلعت تاني لاقيتها بتقرأ في كتاب الله، ما قدرتش أقولها أخرجي عشان هأقفل، دا بيت الله وما أقدرش أقفله ف وش أي حد ممكن يكون محتاج .. واللي لاحظته عليها إنها محتاجاه دلوقتي جداً أومأت متفهمة وسلمته نصيب مصلى الرجل من الكتب والمصاحف ثم عادت تصعد إلى مصلى السيدات وتبدأ في رص الكتب داخل المكتبة بنظام وترتيب معين. *** اصطحب أحمد زوجته بعد أن تطيب بأفضل العطور واغتسل كما أوصى الرسول –عليه الصلاة والسلام- وانطلق برفقة سمية إلى المسجد، هذه عادتهما أن يذهبا كل جمعة سوياً إلى المسجد للصلاة وفي طريق العودة يشتريان مستلزمات البيت وبعض الحلوى والفاكهة لأهل الدار. استيقظ حمزه ولم يجد غيره هو ومي مي في المنزل تساءل في نفسه عن مكانهما حتى تذكر عادة والديه، استحم وتطيب ثم تناول سواكه بعد أن ألبس مي مي إسدالها فلم يكن بيده حيلة أخرى فقلبه لن يطاوعه بتركها وحيدة في المنزل، كانت البراءة تشع من عينيها متناغمة مع ما ترتديه ووجهتهما. كان قلقاً أن تشعر بالحرج داخل مسجد قد لا يكون به سوى الرجال والصبيان الصغار فقط، لكن لحسن الحظ كانت توجد فتاتان صغيرتان برفقة والدهما انسجمت معهما مي مي بشدة، كذلك عندما علم عدد من المصلين أنها لا تستطيع التحدث أشفقوا على حالها وبدأوا في مداعبتها. اتسعت إبتسامته عندما رأى إبتسامتها، لقد نسي تماماً أمر مدرستها ولم يخبر والدته بشأنها، دعى أن يتذكر في أقرب وقت ممكن. *** فجأة سمعت صرخات تصدر من خلفها، استدارت لتجد الفتاة نائمة تهزي في سباتها، تركت ما بيدها وإتجهت إليها لا تدري ماذا تفعل ثم وجدت أنه يجب إيقاظها لا مفر. هزتها من كتفيها مطمئنة: اصحي اصحي، ما تخافيش إنتي هنا ف بيت ربنا مش هيحصلك حاجه ما تقلقيش انتفضت جالسة وهي تنظر حولها بذعر لم تره حنان من قبل على وجه بشر، ابتسمت لتبث بداخلها الإحساس بالأمان: مافيش حاجه، دا كان مجرد كابوس ناولتها زجاجة مياه من حقيبتها لتروي ظمأها، تجرعت الزجاجة بأكملها من ثم بدأت في الإسترخاء رويداً رويداً، عند ذلك الحد نهضت حنان وتركتها عائدة إلى مهمتها في ترتيب الكتب مرة أخرى. راقبتها حياه لدقيقتين ثم نهضت تتناول الكتب من الحقيبة في صمت وترصهم بنفس ترتيب حنان بالضبط، لما رأتها حنان تفعل ذلك ابتسمت وانشغلت بما بين يديها. مع ارتفاع أذان الظهر في الأجواء كانتا قد انهيتا مهمتهما، أشارت لها حنان بأن تذهب لتتوضأ. ارتفعت الخطبة تصل إلى أذان الجالسين في المسجد، كانت حياه منزوية في أحد الأركان وحيدة أما حنان فكانت تداعب الأطفال الذين حضروا مع أمهاتهم وتوزع عليهم بعض الحلوى التي لا تخلو حقيبتها منها. كانت تقيم سداً بين جفنيها لتمنع شلال الدموع من التدفق لكن عندما عبر الإمام عن موضوع الخطبة وقبل أن يبدأ في التحدث عنه كان السد قد إنهار وتحررت المياه دفاقة من حبسه وانهمرت بلا توقف أو حساب. إن الخطبة كانت عن "التوبة" .. شعرت أنها رسالة إليها من الله –عز وجل- يساندها على ما أقدمت عليه ويؤكد لها حسن تصرفها. بعد انتهاء الخطبة وإقامة الصلاة .. اتجهت حنان إليها تعاونها على النهوض لتقف في صف الصلاة. همت حنان بالمغادرة ولكنها تذكرت تلك الفتاة التي لا تعلم عنها شيئاً فعادت إليها تجلس إلى جوارها متسائلة: إنتي مش ناويه تروحي ؟؟ أجابتها بحزن: ماعنديش مكان أروح له علت الدهشة وجهها: إزاي يعني ؟؟ كادت حياه تروي لها قصتها عندما تذكرت كلمات فتون بأن لا تثق بأحد غير نفسها، لاحظت حنان ترددها فابتسمت: طب إيه رأيك تيجي تتغدي معايا أنا وجدتي ؟، بعد كدا اعملي اللي يريحك لم تجبها فأكملت: الشيخ حسين إمام المسجد ما روحش بيته من الفجر عشان خاطر إنتي موجودة ومش متعود يخرج حد من بيت ربنا، والراجل عنده بيت وعيال زفرت بحدة ثم نهضت معها مشيرة بموافقتها، رأت الحذاء مكسور الكعبين وكذلك عدم نزعها للإسدال الخاص بالمسجد لكنها لم تعقب على شيء فقط اكتفت بمرافقتها لها. *** تسير ولكن دون أن تلمس قدميها الأرض بسبب قفزها المستمر من السعادة تمسك بإحدى يديها بلونة منتفخة على شكل وجه ميكي ماوس والأخر تتعلق بكف حمزه والذي أجبرته على حمل الحلوى التي منحها إياها من بالمسجد. شعر بسعادة كبيرة لسعادتها بل إنه ضحك من كل قلبه كما لم يفعل منذ زمن، إن عالم الأطفال ملئ بالحب والضحك كما السعادة لا مكان للحزن أو الخيانة كأنهم في عالم يتنزه عن النواقص .. عالم تحميه الملائكة من قذارة البشر. وصل إلى المنزل وسلم مي مي إلى والديه متجهاً إلى غرفته، استغرقه التفكير في كل ما تعرض له من غدر وغيره من نواقص، عاد الحنق والغضب إليه مرة أخرى. هب من مكانه وإرتدى ملابسه الرياضية وخرج إلى حيث عائلته تتابع حلقة ما على التلفاز. رأته والدتها فتساءلت: رايح فين يا حمزه؟ - هأروح الچيم شوية - هو إحنا بنشوفك غير الجمعة وياريت كل جمعة دي كل فترة والتانية بس - ما أنا أصلاً كنت قاعد ف أوضتي هتفرق حاجه أوضتي عن الچيم ؟ قالت بحنق: ما أنت اللي حابس نفسك لوحدك ومش عايز تقعد معانا أمسك والده بيد سمية: خلاص يا سمية سيبيه يعمل اللي يريحه وأدينا قاعدين مع بعض لحد ما يرجع أشار برأسه إلى حمزه حتى يذهب، ابتسم له ممتناً لإنقاذه من بين براثن لوم والدته. بعد أن أغلق باب الشقة خلفه زفرت بضيق: أنا مش عارفه هتفضل تقف ضدي وف صف الواد دا لحد أمتى يا أحمد ! - مش ضدك ولا حاجه، بس هو شكله مضايق والچيم لما يلعبله فيه كام لعبه على كام حركة هيخليه يهدا شوية تنهدت: وياترى إيه اللي ضايقه ؟ إلتفت إلى التفاز من جديد متمتماً: لو حابب يتكلم هيجي يقول من غير ضغط يا سمية ! نظرت له بحنق وهي تعض شفتيها من الغيظ، هكذا هو زوجها لا يعطيها رداً شافياً. *** نسيت ترددها في الدخول إلى منزل امرأة لم تعرف عنها سوى اسمها الذي أطلعتها عليه في طريقهما ليست حتى متأكدة من صدقها. انسجمت مع مزاح الحفيدة مع جدتها وجو الطيبة الذي يكسو المكان، بعد الغداء انصرفت الجدة لترتاح في غرفتها قليلاً معللة ذلك بأن الدواء الذي تتناوله يجعل جسدها يصل إلى أعلى حالات استرخاءه. لا تعرف ما سبب فتح الحديث ولكن النتيجة كانت رواية حنان لفقدانها ابنتها وبعد ذلك طلاقها وزواجه من أخرى حتى وصلت إلى إطلاعها عن رغبته في الحاق ابنته بالمدرسة التي تعمل بها. أشفقت على حالها مدركة أنها ليست الوحيدة التي تعاني في هذه الدنيا، لعبت بها الحياة أخذة سعادتها في لحظة وبدلتها شقاء لكن الدنيا لا تكتفي بشخص دون سواه. لم تجد بُداً أمام صراحة مضيفتها سوى أن تقابلها بصراحة وصدق مماثلين، روت لها حكايتها منذ تعرفت عليه وكيف هربت من بين يديه. - لسه فيه ناس بالشر دا ؟ - أنا كنت فاكره الدنيا لسه بخير طلعت أنا اللي بعافيه هههههه تبسمت: طب وناوية تعملي إيه ؟ - مش عارفه - لما فكرتي في الهروب ما فكرتيش ترجعي لأهلك ؟ ملأت الحسرة عينيها: ارجعلهم إزاي وأنا كدا بعد اللي عمله فيا ؟؟ أنا اللي فضلته عليهم ولازم أتحمل نتيجة أعمالي - بمعنى؟ - هأدور على شغل وأشوفلي شقة أعيش فيها وأسس حياتي وقتها لما أقف على رجليا أبقى أفكر أرجعلهم بس أكيد مش وأنا مكسورة - وإنتي فاكره اللي بتقوليه دا بالساهل ؟ استندت للخلف وهي تزفر: مش عارفه بقى خطرت على بالها فكرة: وإيه رأيك تعيشي معايا هنا ؟؟، أديكي شايفه مافيش غيري أنا وجدتي - بس أنا كدا هأتقل عليكوا .. كمان أنتوا - تتقلي إيه بس، دا إنتي أدتي حس للمكان والله وأهو ألاقي حد سنه قريب من سني أعرف أخد وأدي معاه ف الكلام .. بعدين الناس بتبان من أول مرة ياما عاشرنا ناس وباعونا - يعني مش هأزعجكوا ؟ - بس يا شيخة اسكتي، أنا بأقول إيه وهي تقول إيه .. المهم المدرسة اللي شغاله فيها طالبة مدرسين، إيه رأيك تقدمي فيها؟ - طب وهما يقبلوا بيا ؟؟ - إنتي خريجة إيه؟ - ألسن إيطالي - طب حلو جداً، مش الإنجليزي بتاعك كويس؟ - أه - خلاص تمام أوي كدا، هما عايزين مدرسة إنجليزي، أنا هأكلم المديرة وأشوفها بس ما أعتقدش هيرفضوا أقل حاجه هتقبلك مؤقت لحد ما تلاقي حد متخصص أكتر تبسمت حياه فلقد شعرت برضا الله عليها منذ عاونها على الهروب وصولاً إلى لقاءها بحنان التي حنت عليها كأختها زهرة التي تفتقدها بشدة. *** دخل إلى النادي الرياضي يتلفت حوله بحثاً عن صديقه، وقعت عينيه عليه أخيراً فاقترب منه حانقاً، كان يتصبب عرقاً يكاد يُغرق النادي بأكمله، وقف يتطلع إليه صامتاً حتى ينتهى. ألقى الأثقال التي يرفعها بعد أن استبد به التعب وارتمى أرضاً بجوارها يلتقط أنفاسه، لوى مُسعد شفتيه: إيه اللي جرا ؟ من بين أنفاسه أجاب: مفيش، طاقة زيادة وحبيت أخرجها - طب قوم خلينا نروح نقعد ف كافيتريا ولا حاجه - أنت مش ناوي تلعب - لا أنا ماعنديش طاقة أصلاً عشان أخرجها ضحك حمزه: ماشي خليك معصعص كدا مافكش حتت عضل واحدة عقد ذراعيه معدلاً نظارته فوق أنفه: سيبنالك أنت العضلات يا عم المجانص - طب استنى هاستحمى وأغير هدومي وأجي معاك انطلقا إلى أحد المطاعم ليتغديا سوياً ويتحدثا قليلاً، دار الحوار بين العمل والمواضيع العامة وحاول مُسعد عدم الإحتكاك بأي شيء خاص فهو رغم مزاحه الشبه دائم إلا أنه يفرق بين وقت الدعابة ووقت الصمت، ظل حمزه شاكراً له إشغاله بعيداً عن التفكير الذي يفتك برأسه فتكاً كلما شرد لحظات قصيرة. *** بعد يومين بدأت حياه العمل مع حنان بنفس المدرسة، زاد احترامها لحنان أكثر عندما علمت بقصة الفتاة التي تذهبان لاصطحابها معهم يومياً، لقد تعلمت بسبب حنان أن الطيبة ليست عيباً عندما تصدر من أهل الطيبة ولكنها تتحول ريبة عندما تصدر من دونهم. تأقلمت مع الأطفال بسرعة ونالت حبهم واحترامهم، كانت دائماً ما تحب الأطفال وتتمنى أن يرزقها الله بالكثير والكثير منهم لتشبع غريزة الأمومة الطاغية لديها كما هو الحال مع حنان، حنان تلك الأخت من دم مختلف تذكرها بزهرة وببعض الأمور المنسية داخل أعماقها، تفهمت رغبة حنان في حصول التلاميذ على علم لائق يفيدهم في حياتهم الخارجية قبل الإمتحان فهذا ما سيتبقى لهم حقاً. ذاع صيتها في المدرسة وبدأت الضحكة تعود إلى وجهها، هذه الضحكة التي أختفت منذ غادرت منزل أهلها وجاءت إلى القاهرة التي قهرتها حقاً هي اسم على مسمى بعكسها، البسمة التي لا تفارق شفتي حنان في أي لحظة أو موقف أصابت حياه بالعدوى ولكنها عدوى مرحب بها. اعتقد الجميع أن هناك صلة قرب بينهما، لما تملكانه من بسمة تُنسي من يراها حزنه وهمه كذلك ملابسهما المتشابهة حيث الإحتشام والأناقة معاً فلم يعرف أحد أنها ترتدي ملابس حنان حتى تحصل على أول مرتب لها وتقدر على شراء ملابسها الخاصة، رغم ذلك لم تحاول أي واحدة منهما تصحيح ذلك الإعتقاد فهن في النهاية أخوات في الله وليس رابط الدم هو ما سيربطهما فعلياً. كانت تنام في غرفة حنان تشعر بها عندما تستيقظ في الثلث الأخير من الليل تبتهل وتدعو أن يحمي الله طفلتها ويردها إليها سالمة في أقرب وقت، توضأت وانضمت إليها في صلاتها تشاركها الدعاء في عودة ابنتها التي تشتاق هي نفسها لرؤيتها من حديث الأم عنها ثم تدعو لنفسها بصلاح الأمور وهدايتها إلى طريق الصواب. لقد كانت ترتدي الملابس الفضفاضة في بلدتها لكن لإنها العادات على عكس سلمى صديقتها التي كانت ترتديه إقتناعاً، بعدما رأت حنان وحياتها وملابسها تيقنت أن هذا حقاً الأفضل وأصبحت ترتديه عن قناعة لذلك بأول راتب لها اشترت ثلاثة أطقم تبدل بينهم في أولى خطواتها للإستقلال. *** تعجبت حنان من استدعاء المديرة لها في هذا الوقت من النهار على عجلة دون إخبارها عن السبب، دعت ربها أن لا تكون هناك مشكلة. طرقت الباب في إنتظار الأذن بالدخول حتى أتاها فدلفت ملقية السلام: السلام عليكم ردت رافعة رأسها بإنتباه: وعليكم السلام .. اتفضلي اقعدي يا حنان جلست حنان مطيعة وعينيها تسأل مالم ينطقه لسانها، اعتدلت المديرة سناء: هأدخل ف الموضوع على طول عشان زي ما إنتي عارفه ما بأحبش اللف والدوران أومأت بتفهم فعادت تكمل الحديث: واحدة صحبتي كانت مديرة مدرسة بردو بس قدمت على معاش مبكر بعد ما جوزها اتحال ع المعاش عشان تقعد معاه تونسه، طلبت مني أشوفلها مدرسة أثق فيها عشان تدرس لبنتها حنان متعجبة: طب ما تقدملها في المدرسة ردت بأسف: البنت عندها حالة نفسية منعتها من الكلام فلما بتروح المدرسة مش بتقدر تتفاعل مع زملاءها وبتبقى محل للسخرية منهم لعدم وجود التوعية المناسبة زي ما إنتي عارفه، كمان مجرد إنها تشوف اللي حواليها ف حالة تواصل ماعدا هي هيسببلها أزمة أكتر .. ومن ساعة ما عرفوا إنها بتضايق ومش بتتكلم وهما سحبوا أوراقها من المدرسة وقرروا يجيبولها مُدرسة تهتم بيها ف البيت حنان بعدم فهم: وأنا المطلوب مني أشوف لحضرتك مُدرسة مناسبة يعني ؟ هزت سناء رأسها نفياً: لا أنا عايزاكي إنتي اللي تبقي المُدرسة دي، أنا عارفه قد إيه إنتي حنينه وهتقدري تتوصلي معاها بسرعة، خصوصاً إنه البنت مش إجتماعية أوي ومش أي حد بتقدر تاخد عليه بسهولة، أعتقد بتحس باللي بيحبها ويحن عليها بجد وبين اللي بيمثل أو يشفق على حالها. أومأت متفهمة لكنها علقت: بس أنا مش هأقدر، حضرتك عارفه إنه بعد المدرسة بأروح أشوف جدتي وأقعد معاها كمان عندي نشاطات تانية مش هأقدر أسيبها - إممممم طب والحل ؟؟ بعد تفكير: أنا هأشوفلك واحدة وأتمنى إنها توافق - إن شاء الله توافق، وأنا واثقة فيها مادام من طرفك *** وقفت أمام الشقة تتأكد من الرقم المدون على الورقة التي تحملها بين أصابعها وتطابقها مع الرقم الموجود على باب الشقة. لقد أقنعتها حنان بقبول هذه الوظيفة لتقضي يومها فيما يفيد وذكرتها كذلك بثواب مساعدة طفلة صغيرة، كما سيساعدها الراتب الذي ستتقاضاه في تأسيس الحياة المستقلة التي ترغب بالحصول عليها. دقت الجرس ولم تمر لحظات حتى وقفت أمامها سيدة رغم كبر سنها إلا أنه يبدو عليها الإهتمام بنفسها، حجابها وقور لكنه في نفس الوقت أنيق، ابتسمت عندما رأتها: إنتي ميس حياه مش كدا ؟ أومأت مؤكدة صدق حدسها، سمحت لها بالدخول تتحدث إليها عن طباع مي مي وأن اسمها الحقيقي هو ميّ لكن لا تحبه ولا تجيب عن ما يلقبها به. أرشدت بالنهاية إلى غرفة مي مي وتركتها بعد إلحاحها فهي تريد التعرف عليها بطريقتها الخاصة حتى تنزع من قلبها أي أثر للرهبة بينهما. كان الباب شبه مفتوح رأت من خلاله طفلة ذات شعر بني حريري ينسدل بحرية مغطياً نصف ظهرها، ترتدي بنطالاً من الجينز وتي شيرت أزرق اللون، تلعب بألعابها صامتة. اقتربت منها بهدوء: على فكرة إنتي بتعمليها صح .. ما شاء الله عليكي ألقت عليها نظرة عابرة ثم عادت إلى ما كانت تفعله غير مبالية، جلست على الوسادة المجاورة لها وأضافت بجدية: بس إنتي ممكن تعمليها بطريقة تانية أسهل وأسرع نظرت إليها الطفلة بترقب فاستغلت الفرصة وأمسكت باللعبة تريها الطريقة الأخرى لحلها، أعجبت مي مي بذكاءها وانقضى الوقت والإنسجام هو المسيطر. أغلقت الأم الباب مبتسمة فقد اطمأنت أن صديقتها قد اختارت بالفعل الشخص المناسب، دخلت إلى غرفة المعيشة حيث يقرأ زوجها كتاباً كعادته. سألها بعدما جلست: ها .. اطمنتي؟ تنهدت: الحمدلله .. شكلهم متفاهمين جداً مع بعض - طب كويس .. ما تنسيش تبقي تتصلي بسناء تشكريها - لا ما تقلقش بعد ما حياه تمشي من عند مي مي هأبقى أكلمها، الست عملت فينا جميل - ما تنسيش بردو إنكوا درستوا سوا وكمان أول مدرسة اتعينتوا فيها كنتوا مع بعض ولولا الظروف اللي فرقتكوا كنتوا فضلتوا سوا ... وإنتي بقيتي مديرة مدرسة والسنة اللي بعدها هي مديرة مدرسة تانية - أه سبحان الله انتهى الوقت المخصص لدروس مي مي، اكتفت حياه بالتعرف واللعب معها في المرة الأولى فقط حتى تعتاد عليها. الفصل التاسع ذهبت حياه يوم السبت بعد مرور شهر ونصف على إعطاءها الدروس وزيارتها يومياً ما عدا يوم الجمعة فهو يوم العطلة. تفاجأت لأن المكان أصبح مهمل والمنزل مقلوباً رأساً على عقب، نظرت إلى مي مي التي فتحت لها الباب: هو إيه اللي حصل ؟ ترقرقت الدموع بين جفنيها وقبل أن تشير لها بما حدث فقد تعلمت حياه لغة الإشارة خصيصاً لتستطيع التواصل معها بسهولة أكثر وتصبح أقرب إليها، ظهرت نجلاء تنظر لها متسائلة وقدمت نفسها: أنا نجلاء أومأت حياه: أهلاً وسهلاً .. حضرتك بنت مدام سمية مش كدا ؟ - بالظبط، إنتي المُدرسة بتاعت مي مي ؟ - أيوه، أنا حياه دعتها للجلوس: ماما أول إمبارح بعد ما مشيتي بالليل ماما رجلها اتكسرت لما اتزحلقت على السيراميك ونايمه في السرير دلوقتي ظهر الحزن جلياً على وجهها ولاحظت حبها لوالدتها، قدم الأب مرحباً بها: أهلاً يا بنتي، أعذرينا على حالة البيت بس اتلهينا ف سمية وماحدش فيه دماغ للترويق ابتسمت متفهمة: ولا يهمك المهم سلامتها - الله يسلمك - ممكن أشوفها ؟ - طبعاً طبعاً رافقها إلى غرفة سمية وتركهما بمفردهما. اطمئنت على صحتها لكنها تفاجأت من طلبها: حياه، ممكن أطلب منك طلب بس أتمنى ما تكسفنيش أسرعت حياه: طبعاً يا مدام سمية، لو أقدر أكيد مش هاتأخر - اعتقد إنك شوفتي شكل البيت بره وإنتي داخله هزت رأسها فتابعت: أنا متوقعة حالته، كل دا من يومين بس ما أخدتش بالي من البيت وفوق دا كله هأفضل في الجبس 21 يوم متخيلة حجم الكارثة اللي هأبقى فيها ؟ .. وما ينفعش أجرب خدامين في الوقت دا، الله أعلم ممكن يستغلوا الظرف دا ويسرقوا حاجه أو يعملوا فينا إيه وإحنا نايمين .. عشان كدا أنا بأطلب منك تيجي تقعدي معانا هنا تاخدي بالك من مي مي والبيت لحد ما أفك الجبس وبعد كدا اللي يريحك هيحصل تفاجأت حياه من عرض السيدة التي أكملت: أوعي تفتكري إنه دا تقليل من قيمتك، أبداً والله أنا كان نفسي أطلب من نجلاء بنتي كدا بس هي مش قريبة من مي مي زيك كدا ولا ليها ف شغل البيت أخرها طبقين تغسلهم، كمان حياتها مع جوزها مش ناقصة لخبطه .. ومافيش واحدة أقدر اسيبلها بيتي وبنتي وأعيشها معايا زيك .. شوفي اعتبريه طلب إنساني وبردو هأدفعلك اللي تطلبيه رفعت رأسها بشموخ وقالت بحدة حاولت تخفيفها لكن عرق الصعيد الذي يسري في جسدها يأبى الإهانة التي سمعها: أنا لو قبلت يا مدام سمية بكدا فهيبقى عشان أساعدكوا وقت حاجتكوا ليا بس مش عشان فلوس ولا حاجه تانية تنحنحت السيدة بحرج: مش قصدي حاجه والله يا حياه أنا بـ... أوقفتها عن تقديم أي عذر: خلاص اللي حصل حصل، أنا هأجي كل يوم أظبط أمور البيت بس هأروح بعد كدا .. مش هأقدر أبات ثم أردفت بكبرياء: ومش عايزه فلوس .. أنا بأحس مي مي أختي الصغيرة أو بنتي كمان ابتسمت سمية ابتسامة صدقة هي أيضاً اعتبرت حياه كابنة لها لم تنجبها، أحبتها وشعرت بأن الحياة جارت عليها دون أن تروي لها قصتها، رغبت بمساعدتها دون أن تعرف حتى مشكلتها. *** ثار وطاح بكل من حوله، أصبح كالأسد المسعور يريد قتل من يأتي تحت براثنه فقط رغبة في تفجير غضبه المكبوت، هكذا صار حاله منذ علم بهروب حياه. توعد لها وأطلق رجاله في جميع الإتجاهات بحثاً عنها متيقناً عدم عودتها إلى أهلها فهو يعرف كبرياءها .. ذلك الكبرياء اللعين الذي سيقف في طريقة عودتها مكسورة الخاطر مطأطأة الرأس .. ليس ذلك النوع من البشر الذي يقبل أن يعيش في هوان، رغم حبها لعائلتها ستختار العيشة وحيدة مرفوعة الرأس على العيش تحت جناحهم دون ماء وجه. لقد تلقى التقريع واللوم من رئيسه الذي علم بهروبها كذلك، موجهاً إليه تهمة الإهمال والتسيب، كيف يثق بفتاة هو على علم بأنها ستنتهز أول فرصة في الهروب خصوصاً أنها أول مرة تخرج في عمل، لكن ما لم يعرفه رئيسه والذي احتفظ به لنفسه أنه حتى لو مر عليها ألف ليلة تعمل وجاءتها فرصة للهرب لن تتغاضى عنها وتدعها تمر دون استغلال؛ هذا لمعرفته بها. تمتمت جميلة حانقة: هو مافيش غيرها يعني على وش الأرض يا شادي ولا إيه ؟؟ ما تسيبها نجيب عشرة أحسن منها أسند يداً جوار رأسها على ظهر المقعد ورفع سبابة الأخرى في وجهها، كز على أضراسه كزاً: كله إلا حياه! حياه دي بالذات لازم ألاقيها فتون متعجبة إصراره عليها: وإشمعنه يعني ؟؟ اعتدل شارداً: عشان مافيش واحدة تقدر تستغفل شادي، فاهمة ولا لا ؟؟ ضحكت نيفين ساخرة: ولا عشان البيج بوص هزأك عشانها ؟ أمسك فكها في كفه: تعرفي تخرسي خالص؟؟ دفعها بعيداً عنه لتسقط على أقرب مقعد وقد ملأ الحقد عينيها، سألته جميلة: صحيح أنت مش ناوي تقولنا هو مين البيج بوص ؟ - هيفرق معاكي يعني ؟؟ - عادي، فضول تنهد: طب اتهدي بقى، لأنه أنا نفسي ما أعرفش شكله انتبهت حواس الجميع خصوصاً نيفين، تساءلت فتون: إزاي؟ كل دا وما تعرفش شكله؟ - لا ، لما بيقابلني مش بيخليني أشوف وشه .. الأوضة نورها كله بيبقى عليا لوحدي وساعات بيكلمني ف التليفون بس تمتمت جميلة بتعجب: غريبة استغرق هو في تفكيره، يحاول الوصول إلى طريقة يعرف بها مكانها، يضع نفسه مكانها لعله يعلم إلى أين يمكنها الذهاب والإختفاء هكذا، مهما طال الزمن سيأتي اليوم الذي يصل فيه إليها ويجعلها تدفع ثمن هروبها من تحت يديه. *** انتهت من العادة التي عودت جميع أهل المنزل عليها، والتي كانت تفعلها في منزل عائلتها، وهي وضع الزهور بكل غرفة وكل ركن، كذلك إشعال أعواد البخور يوم الجمعة معطياً رائحة أخاذه في الجو تبعث الحيوية والنشاط. دق جرس الباب فذهبت تفتحه، تفاجأت بذلك الشاب صاحب البنيان القوي، يُرجع خصلات شعره للخلف بنظارته الشمسية ذات الماركة الشهيرة، لم تعجبها نظرته المدققة مما جعلها تتمتم بعصبية: خير ؟؟ حضرتك عايز حاجه ؟؟ احتلت السخرية ملامحه: أول مرة أشوف خدامة بجحه بالشكل دا أزاحها جانباً بذراعه غير مبالي بالدهشة التي ملأت كل ملامح وجهها، أغلقت الباب بعنف وتبعته تريد أن تلقي فوق رأسه صخرة لتحطم بها سخريته وتهكمه. أمرها بغرور: روحي اعمليلي كباية عصير برتقان وهتيهالي على أوضة ماما رحل دون إضافة كلمة أخرى بينما وقفت هي تضم ثلاثة أصابعها الأولى وتهز كتفيها، من يرها يظنها ترقص ولكن عندما يلقي نظرة على ملامح وجهها المنكمشة يعلم كم تشعر بالضيق: ماما .. جاتك مو .. بقى شحط زيك بيقول ماما !، أما أنت تقول ماما أومال أنا أقول إيه ..! أفاقت عندما رأت مي مي تقف أمامها ولا تستطيع تمالك نفسها من الضحك على مظهرها، نظرت لها بحنق: بتضحكي على إيه ؟؟ أشارت إليها دون أن تتوقف عن الضحك، وضعت يدها على فم الصغيرة: هش اسكتي خالص بدل ما أطلع اللي قالوه أخوكي عليكي أديني بأحذرك أهو بعد أن تمالكت الطفلة نفسها من الضحك صحبتها حياه معها إلى المطبخ لتعد العصير، تركتها تلعب في غرفتها بينما دلفت إلى حجرة سمية حاملة الصينية. دخلت تعض شفتيها حتى تمنع لسانها من الإنفلات، تناول العصير منها دون كلمة شكر واحدة بل الأدهى أنه أمرها أن تعد له الغداء لأنه يشعر بجوع شديد. فهمت سمية نظرت الغضب المشتعلة في عيني حياه فهتفت تلوم ابنها بعد أن غادرت: مش كدا يا حمزه، مالك بتعاملها كدا ليه ؟؟ تناول رشفة من الكوب قائلاً بلا مبالاة: وهي دي أشكال خدامين يا ماما بردو ؟؟ سألته باستنكار: خدامين إيه يا حمزه؟! .. دي حياه مُدرسة مي مي ! لم يتهنى برشفة العصير فقد رشها بالهواء من هول الصدمة، قالت والدتها باشمئزاز: إيه القرف دا !، أنت مش كبرت على الحركات دي اعتذر من والدتها وهم بالمغادرة، استوقفته محذرة: ما تنساش تعتذرلها يا حمزه.. بلاش الطريقة دي مع حياه بالذات .. البنت كتر خيرها يعني بتساعدني وأنت مشغول في شغلك وأختك بتجيلي مرة ولا إتنين في الأسبوع زيارة صد رد كدا لوى شفتيه، من هي ليعتذر منها بالأساس، إنها واحدة من جنس حواء، الجنس الذي يتفنن في الإيذاء، مصاصي الدماء يتلذذون بدم الضحايا أما النساء فيتلذذون باستنزاف مشاعر الرجال ثم يلقونهم ليشبعوا رغبة أخرى أهمها الأموال. شرب من العصير متلذذاً بطعمه، مال برأسه جانباً: هي أي نعم شكل لسانها متبري منها بس عليها عصير أول مرة أشرب عصير حلو بالشكل دا .. هاهاها بس بعينها تسمع الكلام دا *** رغم الحزن الطاغي في المنزل لكن تناسى الجميع هذا الحزن وبدأوا بإعداد وليمة ضخمة للضيوف القادمين. أمسكت المعلقة من يد زهرة لائمه: معقول يا زهرة لحد دلوقتي ما جهزتيش؟؟ - أخلص بس الفصوليا وبعدين أطلع - بلا فصوليا بلا بسلة، اطلعي اجهزي وأنا هأشوف اللي ناقص .. يا بنتي العريس دا جايلك إنتي مش جايلي أنا زفرت بحدة: أنا لو عليا مش عايزه جواز خالص - ليه كدا بس يا زهرة؟ - يعني مش شايفه اللي إحنا فيه؟ .. أتجوز إزاي وأختي مش جنبي ؟؟ أتاهم صوت من على باب المطبخ يهدر بقوة: انسي إن ليكي أخت، إحنا أربع أخوات بس!، ما تفكريش فيها أحسنلك. ربتت عائشة على كتفها متنهدة: يلا اطلعي إنتي دلوقتي انصرفت زهرة صامتة، بينما تابعت عائشة حديثها وهي توجهه إلى زوجها: براحه يا محمود مش كدا، زهرة كانت معتبرة حياه بنتها مش مجرد أخت .. كأنك بتقول لأم انسي بنتك بالظبط أشاح بيده منصرفاً: ما تجبيش اسمها تاني على لسانك فاهمة ؟؟ تنهدت عائشة بحيرة، كل من بهذه العائلة يمتاز بعناد موروث منذ سابع جد فكيف لها أن تتغير تلك الصفة بين ليلة وضحاها .. ليس بيدها إلا الدعاء. اجتمعت عائلة العريس مع عائلة زهرة، جلسة للرجال فقط يتحدثون بهدوء وانسجام حتى فُتح موضوع حياه. تحدث والد العريس: مافيش أخبار عن حياه؟ أجابه فاروق بوجه جامد كالصخر: إحنا ماعندناش بنت بالاسم دا شقيق العريس الأكبر ملمحاً بلكنة صعيدية: ليكوا حَچ، بس الخوف إنها تكون صفة ف العيلة محمود وقد تملكه الغيظ: جصدك إيه يعني؟ عم العريس موضحاً: اللي وصلك بالظبط يا محمود، مش يمكن أختها زييها، دا مش بعيد تكون ألعن منيها .. مين عارف ؟؟ نهض فاروق: ومادام فيه أفكار زي دي ف دماغكوا إيه اللي چابكوا إنهاردِه ؟ محمود مؤيداً والده: والله أختي ألف مين يتمناها وإحنا ما ضربنكوش على إيديكوا عشان تيچوا تطلبوها انتفض العريس من مجلسه: وأنتوا تطولوا تناسبوا عيله زيينا ؟؟ محمود بفخر: وأحسن منيكوا كمان ! كانت عائلة فاروق تتحدث في أغلب الوقت باللهجة القاهريه وذلك نتيجة تربيتهم عليها من قبل فاروق وزوجته –رحمها الله- لكن وقت الحاجه يتحدثون باللكنة الصعيدية حتى لا يظن الأخرون أنهم عجينة لينه. والد العريس ساخراً: أوعاك تكون فاكر أنه في حد هيفكر يتچوز أختك يا محمود .. تبجى بتحلم يا وَلدي محمود: ومالها أختي يا حاچ ؟ .. دي ست البنات .. والبلد كِلاتها عارفه إكده - أيوه لكن بعد اللي حُصُل من أختك الصغيرة كِله انجلب فاروق بحزم: دا عنديكوم أنتوا وبس، لكن فيه ناس كَتار مش بياخدوا حد بذنب حد نهض عم العريس وأشار للبقية بالمغادرة: يبجى خليك مستنيه بجى لما ياجي غادر العريس مع رجال عائلته ولحق بهم النساء فقد كن يجلسن برفقة زهرة وعائشة بالحجرة المجاورة. نظرت عائشة إلى زهرة هامسة: يظهر إنها مكتوبالك يا زوزا، مش هتتخطبي أهو من غير ما تكون حياه هنا .. تحسي إنها عامله سحر طول ما هي مش هنا مش هنفرح هههه ابتسمت زهرة ابتسامة باهتة، لقد اشتاقت لشقيقتها كثيراً ولكن إلى متى سيدوم الإشتياق ويتحمله القلب قبل أن يرتوي؟ *** اختفت خلف في ستارة بركن من أركان غرفة مي مي مخصصة لمسرح العرائس ولاعبتها من خلفها مقلدة الأصوات بطريقة رائعة وفي الأغلب مضحكة إلى درجة البكاء. كانت مي مي تجلس ضاحكة وقد أوشكت على السقوط على ظهرها من كثرة الضحك، وكان هو على وشك المغادرة عندما استوقفته ضحكاتها التي لأول مرة يسمع لها صوتاً، راقبها من الباب المفتوح على مصرعيه وقد عقد ذراعيه مستنداً إلى إطار الباب. - وبعدين بقى يا لوزة ! .. إنتي هتتعبيني معاكي ليه ؟؟ جاء الدور على الدمية الفتاة: إمشي يا فلفل بدل ما افتح دماغك بالأوله دي ! المهرج: أولة إيه يا بت إنتي .. وبعدين هو حد قالك إنه دماغي عطشانه ؟؟ الفتاة: أنت فاكر موضوع لما تفتكرني خدامه عندكوا هأعديه بالساهل دا يبقى بعدك ! لم يستطع لجم نفسه أكثر من ذلك وسحب شكل المهرج من يدها وارتداه هو وبدأ يتقمص دوره: ويا ريت ما تنسيش يا لوزة أني خليتك تعمليلي عصير وبعدها غدا .. اتفقنا ؟؟ كانت تشعر بالحرج عندما علمت بسماعه لكلاماتها الأخيرة، لكن بعد جملته تلك عاد الحنق يملأها وردت قائلة بينما تنظر داخل عينيه بقوة: مطرح ما يسري يهري أمسك معدته مصدوماً وقال بفزع مصطنع: بعد الشر لم تستطع تمالك ضحكاتها فغرقت في عاصفة من الضحك لم يسحبها منها إلا صوته الحاني عندما قال: تصدقي ضحكتك حلوه أوي توقفت بهتة ونظرت إليه وعينيها تبعث شراراً فأضاف: بس عصيرك وحش أوي .. إخيه نزع الدمية من كفه وغادر الغرفة فجأة كما دخلها مخفياً ابتسامة ماكرة شقت شفتيه، نظرت إلى الطفلة فوجدتها تنظر لها بعدم فهم هي الأخرى، أيعقل أنها لا تفهم تصرفاته مثلها ؟ *** شعرت نجلاء بالغرفة تدور من حولها، تناولت الهاتف تدق على الهاتف المحمول الخاص بوالدتها لكنه مغلق، سيطرت على نفسها بقسوه وهي تدق على تليفون المنزل الأرضي لعلها تصل إليها لكن حياه هي من أجابت: السلام عليكم تحدثت نجلاء بصوت متقطع: حياه .. إلحقيني أقلقها صوتها الهامس المتوجع: مالك يا نجلاء ؟؟ - تعبانه أوي .. دايخه ومش قادرة أقف - طب إنتي فين دلوقتي ؟؟ - أنا في البيت - هاتي العنوان طيب وأنا هأجيلك أملتها العنوان وبعدها فقدت السيطرة لتذهب في عالم أخر لا تدري فيه شيئاً. نادت عليها حياه عدة مرات لكن لا حياة لمن تنادي، فكرت ماذا تفعل لا أحد بالمنزل غيرها هي والطفلة، سمية ذهبت برفقة زوجها إلى الطبيب وحمزه ذهب إلى عمله، ليس هناك من حل غير أن تأخذ مي مي معها. وصلت إلى العنوان وصعدت لكن الباب مغلق وليس هناك من مجيب، طلبت من حارس البناية أن يكسر الباب بعد تردد فعل ما أمرت به خشية مصيبة أكبر. اتصلت بالإسعاف عندما وجدتها ملقاه أرضاً ونقلتها إلى المستشفى، أجرى الطبيب العديد من الفحوصات والتحاليل كذلك مسحاً ذرياً مما أقلقها وأنساها أن تهاتف أهل نجلاء أو منزل حنان .. كما أنها لا تملك هاتفاً محمولاً ليتصلوا بها حتى يطمئنوا. *** - أن مش عارفه إيه اللي بتعملوه دا ؟؟ .. هو أي واحدة كدا تأمنوها ع البيت وعيله صغيرة ؟ أخفت سمية وجهها خلف كفيها: يا حمزه حياه عمرها ما تعمل كدا هتف غاضباً: أومال تفسري بإيه حضرتك أنه الساعة دلوقتي 10 وهي لسه ماجاتش وأصلاً خرجت مع البنت من غير استأذن أحمد بصرامه: أتكلم كويس يا حمزه وما تنساش إني أبوك ودي أمك قطع التوتر صوت الجرس، فتح أحمد الباب ووجد حياه تحمل مي مي النائمة على كتفها، ادخلها بعد أن تناول الفتاة منها. استقبلها حمزه هاتفاً: وأخيراً الهانم شرفت نهرته سمية وهي تكفكف دموعها بعد أن اطمئنت على عودة الطفلة سالمة: استنى يا حمزه نفهم إيه اللي حصل قال أحمد بعد أن وضع الصغيرة بغرفتها: اهدى بقى .. إيه اللي حصل يا بنتي خلاكي تخرجي وتتأخري بالشكل دا من غير ما تقولي لحد ؟ تداخلت أصابعها بين بعضها من فرط التوتر وصارت تلويهم في قلق لا تدري ماذا تقول، حثتها سمية على الحديث دون خوف فقالت: أصل فيه واحده صحبتي تعبت فجأة وروحت أساعدها سألها أحمد: طب ما اتصلتيش بينا ليه ؟ - مش حافظه أرقامكوا وماكانش معايا تليفون وكنت خارجه بسرعة، خوفت أسيب مي مي لوحدها لتخاف فأخدتها معايا حمزه ساخراً: وإحنا عبط بقى عشان نصدق البؤين دول مش كدا ؟ ظهر العرق الصعيدي كعادته فقالت بعصبية: والله أنا مش بأقول الكلام دا عشان تصدقوا أو لا .. أنا قولت كدا عشان أبرر موقفي وأقول اللي حصل عشان من حقكوا مش أكتر .. لكن غير كدا ما عنديش حاجه تانية .. وأتمنى أنك تاخد بالك من طريقة كلامك معايا يا باشمهندس هتف: مالها طريقة كلامي يا أستاذة، لأكون باكلمك من وداني والكلام طالع من مناخيري .. إنتي اللي ما تنسيش نفسك وإنك مجرد واحدة إحنا مشغلينها عندنا نهرته سمية لكن أحداً لم يستمع إليها، هجمت عليه تدافع عن نفسها: والله أنا مش شغاله عند جنابك عشان تكلمني كدا .. مش عشان قبلت أقف جنب والدتك واستحملت إهانتك ليا يبقى أنا شغاله عندك !، وإذا كان ع القرشين اللي باخدهم من تدريسي لمي مي الله الغني عنهم يا شيخ ! انصرفت دون أن تستمع لنداء أحمد أو سمية، فيما فقد إحساسه بالعالم لدقائق ثم ركض مغادراً تاركاً الدهشة تعلو وجه والديه. قاد سيارته وسار على مهل متلفتاً حوله، وجدها تسير بخطوات حازمة تحمل الكثير من الغضب، هدأ السرعة بشكل أكبر وأنزل الزجاج: تعالي اركبي لم تعيره أي اهتمام وأكملت طريقها، عاد يطلب منها محاولاً كتمان غضبه: يا بنتي اطلعي هأوصلك بيتك وبعدين اعملي اللي إنتي عايزاه .. الجو ليل وما ينفعش تمشي لوحدك بعد لحظات عندما فقد الأمل في إجابتها قالت بهدوء لا يتناسب مع حركاتها الغاضبة: ماينفعش أركب معاك العربية لوحدي تنهد بحنق ثم دلف إلى الشارع الذي يليها، نظرت حولها لتجد أن هذا الشارع لا يسير فيه سواها تغلبت على خوفها وأكملت الطريق تدعو أن تصل سالمة. لمحت مجموعة من الشبان يبدو من مشيتهم أنهم غير طبيعيين، من فزعها توقفت في مكانها بينما اقتربوا منها حالما رأوها. انكمشت في مكانها مغمضة عينيها، سمعت صوت لكمات يتلوها تأوهت، فتحت عينيها ببطء عندما سمعت صوتاً لاهثاً يقول: مشيوا خلاص تنهدت براحه، أردف: مش كنتي سمعتي الكلام وركبتي معايا أحسن تحدثت إليه بعصبية حانقة تقذفه بنظرات اللوم: أنت اللي سبتني ومشيت نظر إليها متعجباً من ردها: أنا روحت أركن العربية عشان أجي اتمشاها معاكي مادام مش راضية إنتي تركبي معايا شعرت بالخجل يلفها فنظرت أرضاً، بدأوا بالسير صامتين حتى وصلوا أسفل المنزل دون أن يشعرا بمرور ساعة من الزمن. تأكد من دلوفها إلى منزلها .. لم يقدم اعتذاراً عما قاله .. حدثت نفسها أنها ليست بأخر معلمة في الدنيا وأي معلمة أخرى تستطيع تأدية دورها إن لم يكن أفضل .. لكن نسي أن الأمر ليس بيده وأنه إذا اقتنع بما قال .. لن تقتنع هي ! الفصل العاشر حثتها حنان العديد من المرات على الحديث مع أهلها لكن لا تعلم لما هذه المرة بالذات التي أرادت حقاً فعلها. استعارت هاتف حنان وخرجت إلى الشرفة تدق رقم المنزل الذي تحفظه عن ظهر قلب لتجد شقيقتها تجيب: السلام عليكم صمتت لم تعرف ماذا تقول، هربت منها الكلمات كما لم تفعل من قبل، دائماً كان يوجد رداً حاضراً على طرف لسانها في أي ظرف لكن هذه المرة ... أعادت: السلام عليكم لم تملك سوى زفرة حارة اخترقت السماعة لتصل إلى أذن أختها ثم قلبها تُنبأها بهوية المتحدث الصامت: حياه ؟ بكت بعد أن ظنت أنه لم يعد هناك سبباً للبكاء، وأي سبب أقوى من الإشتياق، الإشتياق لحضنٍ دافئ وصدرِ حنون يستوعب جميع مشاكلك وتنهداتك المتألمة. في اللحظة التي نطقت أختها باسمها علمت مقدار شوقها لهم، تريد التحليق الآن والذهاب إليهم حتى ولو سجنوها أو حتى قتلوها .. يكفيها رؤيتهم ولو للمرة الأخيرة. - إزيك يا حيـ.. فجأة اختفى صوت أختها الباكي من الشوق واستُبدل بصوت شقيقها الأكبر محمود الهادر: إنتي ليكي عين تتكلمي تاني ؟؟ .. انسي إن ليكي عيلة إنتي فاهمة ؟؟ .. إحنا اعتبرناكي موتي وياريت تعتبرينا كدا بردو .. كفايه اللي عملتيه فينا بقى .. أبوكي وبقى عيان يخرج من أزمة يدخل ف التانية وأختك وقفتي حالها .. مافيش حد هيرضى بواحدة أختها هربت مع عشيقها .. شوفي حياتك بعيد عننا بقى .. إنتي خلاص فجرتي ومابقاش منك أمل. اغلق الخط مانعاً توسلات شقيقتها من الوصول إلى أذنيها: ليه كدا يا محمود حرام عليك أشفق على منظر شقيقته المتعلقة بذراعه والراكعة أسفل قدميه لكن الكبرياء في عائلة فاروق دائماً هو الغالب حتى أمام قلب يتمزق شوقاً وعطفاً. على الطرف الأخر زاد تدفق الدموع فوق وجنتيها لكنها هذه المرة حسمت أمرها، لم يعد في بيت عائلتها من مكان، يجب أن تستمر في طريقها كما خططت، أكثر ما حزنت عليه وضع والدها ووقوفها في طريق سعادة شقيقتها لكن لم يعد بيدها حل ... *** لم يتوقف اعتراض مي مي على عدم حضور حياه لتدريسها مجدداً عند تحطيم بعض الأغراض والإنقطاع عن الطعام إنما وصل إلى حالة إنهيار عصبي حاد. تحدث إليهم الطبيب بحزم: إيه اللي حصل ضايقها لدرجة إنها دخلت ف حالة إنهيار بالشكل دا ؟؟ .. سنها ما ينفعش فيه الكلام دا وكمان حالتها ! أجابته سمية وهي تنظر لحمزه بلوم: أصل المُدرسة بتاعتها اعتذرت إنها تكمل معاها وهي اتعلقت بيها جداً الطبيب بتفهم: بصوا يا جماعة هي انطوائية زي ما أنتوا عارفين فالنسبه لأنها تلاقي حد تقدر تنسجم معاه فدا ف حد ذاته انجاز كبير .. أياً كان السبب اللي خلى المُدرسة دي تمشي حاولوا ترجعوها عشان خاطر البنت أومأ الجميع بتفهم، انصرف الطبيب بعد تأديته لواجبه تاركاً الجميع يفكر في حل مناسب لتلك المعضله. أحمد: مش هترضى ترجع غير لو روحت أنت تعتذرلها وتطلب منها دا نظر إليه حمزه مستنكراً فتابع: ما تبصليش كدا، أنت السبب وأنت اللي هتحلها لكن لو عاجبك حال مي مي كدا ف دا موضوع تاني جلست سمية إلى جوار الفتاة متناولة كفها الصغير بين يديها تبكي حظ الطفلة؛ فهي تفقد من تحبهم دائماً. *** فتح الضوء لينير الغرفة فور دخوله إليها، وجدها تجلس في الظلام تنظر إلى الـ لا شئ، ألقى مفاتيحه وهاتفه بالإضافة إلى محفظته على طاولة الزينة ثم اتجه يجلس جوارها، متوقعاً شجاراً جديداً كما اعتاد لكن لدهشته. سألته بعد أن إلتفتت إليه بصوت أقرب للهمس: تعمل إيه لو أنا مُت يا فادي ؟ صدمه السؤال بشدة، لو تشاجرت معه لكان أهون عليه مما يحسه الآن، لم يفكر يوماً أن الموت قد يحرمه منها، إن مجرد طرح الفكرة يسبب له ألماً لا مثيل له، تمتم: بعد الشر ليه بتقولي كدا ؟ هزت كتفيها مدعية اللامبالاة: كلنا هنموت .. السؤال جه على بالي وحبيت اسأله أضافت وعينيها لا تتزحزح عن مراقبة عينيه: طب لو شكلي بقى وحش أو شعري وقع .. رفعت أو تخنت زيادة لو الكل شافني وحشه .. هتفضل تحبني ؟ أجابها بهدوء: أنا شايفك بعيوني أنا .. بعيون قلبي ارتمت بين أحضانه تبكي كما لم تبكي قبلاً، ضمها إليه خائفاً من فقدانها فعندما يطل شبح الموت على الواجهة تتغير الأولويات وقد تتغير المفاهيم أيضاً كأن رهبة الفقد الأبدي هي ما توقظنا من غفلتنا .. ننتبه عادة لقيمة أشخاص معينين في حياتنا عندما نوشك أن نخسرهم الخسارة النهائية التي ليس منها رجعة. *** ترجل من سيارته بعدما صفها أمام المدرسة التي تعمل بها، شاهد الأطفال يتوافدون خارجين منها في سعادة لإنتهاء يوم دراسي أخر، شاهد حياه تخرج لكن تمسك بيد طفلة وتصحبها معها، شعر بالحيرة فكيف سيحادثها ومعها هذه الفتاة ؟، بعد لحظات وجد رجلاً يقترب ويتحدث إليها ابتعدت الفتاة تسلم على أصدقائها قبل ذهابهم إلى منازلهم. لم يكن يعلم أن تلك الفتاة هي سمر وأن ذلك هو والدها، لقد تحدثت إليه حنان قبلاً عن الطفلة ومعاملة زوجته الثانية لها، استمع إليها نادماً على ترك ابنته بين أبدي امرأة لا تؤتمن، كذلك اكتشف أنانيتها الشديدة وأنها لا تهتم بسواها، طلقها وقرر تكريس حياته لابنته حتى إشعار أخر. جاءت حنان حيث كانت حياه تقف بإنتظارها، ودعتا سمر وانصرفتا إلى المنزل مشياً، تبعهم حمزه من بعيد وقد أثار حديثها مع ذلك الرجل حنقه. لا يدري لما انتظر في سيارته أسفل البناية رغم تأكده من صعود حياه إلى الأعلى برفقة حنان لكنه حالما رأها تهبط من جديد محمله بعدة حقائب ثقيلة وممتلئة تتبعها مجدداً. دخلت إلى دار الأيتام المشتركة بها حنان لتنوب عنها هذه المرة لأن حنان تشعر بالإرهاق الشديد فيبدو عليها بوادر المرض. وقف خلفها مباشرة بينما توزع الهدايا على الأطفال، شعرت به فاستدارت على مهل ونظرة استغراب تتضح بشدة في عينيها لكن هذا ليس ما لفته إنما هناك شئ أخر هو الذي ذبح صدره بنصلٍ حاد. سألته بهدوء: بتعمل إيه هنا ؟ أجابها بمشاكسته المعتادة معها: هي دار الأيتام دي حجر عليكي لوحدك ولا إيه ؟ تنهدت ثم عادت تصب اهتمامها على الأطفال، لقد تغيرت نعم، لقد احتل الحزن مكاناً ليس بهين داخل عدسات عينيها، ما سببه؟، بالتأكيد ليس هو لكن إحتمالية أنه السبب بذلك زاد انغراس النصل ممزقاً أحشاءه. حان وقت الرحيل، أوقفها ليتحدث معها، أنصتت لما قصه عليها فيما يخص حالة مي مي منذ علمت بعدم عودتها مرة أخرى، ترقرقت دمعة في عيونها ولكنها أبت لها الهبوط في حضرته. تمتمت بتحفظ: أتمنى لها الشفى قريب رفع حاجبيه استنكاراً: بس كدا ؟ .. دا كل اللي عندك ؟ استفهمت منه: وأنا ممكن أقدر أعمل إيه أكتر من كدا ؟ أجابها بهدوء مصطنع: ترجعي تاني تدرسيلها رفعت رقبتها بعنفوان: أسفة، كفايه اللي حصل لحد كدا، كل اللي أقدر أقدمه لحضرتك إني هأخد بالي منها لو قدرتوا تدخلوها المدرسة .. غير كدا فأنا أسفة بدأ الإنفعال يسيطر على حديثه: بس إنتي عارفه إنها ما ينفعش تروح المدرسة، مش هتقدر تنسجم في حالتها دي، كمان لسه كانت في حالة إنهيار أي ضغط زيادة ممكن يعملها انتكاسه الله أعلم نتيجتها هتبقى إيه رغم تمزق فؤادها بسبب كلماته وتخيلها لوضع حبيبتها إلا أن كبرياءها أبى لها الخنوع فقالت ببرود ظاهري: يبقى أنا ما أقدرش أقدملك حاجه .. عن أذنك - أنا أسف أحقاً سمعت تلك الكلمات؟، اعتذر لها أخيراً كانت تعلم أنه من النوع الذي يرفض الإعتذار مهما كان مخطئاً، فأصبح وقع تلك الكلمات عليها كالصاعقة. إلتفتت إليه لتتأكد مما سمعت فتابع: كدا هينفع ترجعي ؟ رأت اليأس في عينيه كما لمعان الدمع في قاعهما، همهمت: للدرجة دي بتحبها ؟ لا تعلم لما سألت هذا السؤال فمن ذاك الذي لا يحبه أخته بالأخص إن كانت مثل مي مي، أجابها بتأني: مي مي دي رمز لكل حاجه حلوة ف الدنيا، البراءة والطيبة .. الحنية والطفولة .. الشقاوة والعقل، لما بأقعد معاها أو حتى أشوفها بأنسى الدنيا واللي فيها مش بيبقى ف دماغي إلا هي .. دي رحمة ربنا بيا تمنت وهي تنصت إلى كلماته بقلبها قبل أذنيها أن تكون هي محل مي مي لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه .. هكذا حدثت نفسها بينما كل ما تفوهت به: هأجي بكره في المعاد اللي كنت بأجي فيه قبل كدا .. مع السلامة تركته قبل أن تخونها الدموع فتهبط أمامه معبرة عن ضعفها، تمنت أن يكون هناك من يقاتل من أجل سعادتها وراحتها كما يفعل هو من أجل مي مي، لقد تخلى عنها شقيقها عند أول منعطف حاد كأنها لم تكن بحياته، لما لم يحاول أن يأتي على رغباته لأجلها كما فعل حمزه قبل لحظات بإعتذاره .. حسدتها ولكن عادت وتمنت الخير لكلتيهما. *** انتظمت في الذهاب إلى مي مي تعطيها دروسها، حامدة الرحمن على فك الجبس أخيراً من قدم سمية، بعد يومين ... جلست على كرسي صغير حول طاولة دائرية في غرفة مي مي تجاورها الصغيرة، لمحت السلسلة حول رقبتها فسألتها: إيه دا، السلسلة دي مكتوب عليها اسمك يا "ميّ" قطبت جبينها مبدية عدم رضاها عن الاسم فتابعت تسألها: إنتي ليه مش بتحبي حد يناديكي باسم مي ؟، مع إنه اسم حلو أوي ورقيق هزت رأسها بعنف، هدأتها حياه: خلاص مش مشكلة مي مي حلو بردو استرخت قليلاً فعادت حياه للحديث: إنتي ليه مش عايزه تتكلمي؟ مع إنه هيسهل عليكي حاجات كتير ويخلي عندك صحاب كتير أوووي أووي نظرت لها الفتاة بصمت لدقيقة ثم تناولت الدمية من جوارها تسلمها إليها حتى تعتل مكانها في مسرح العرائس وتروي لها بعض القصص الممتعة. تنهدت مي مي فتاة ذكية تستطيع تخليص نفسها في أشد الأوقات حرجاً لكن يا ترى متى سيجعلها ذلك الذكاء الحاد تتخلى عن قوقعة صمتها .. قبل أن تتحرك من مكانها أتاها صوت حمزه الواقف على الباب يطلب منها أن تأتي للحظات فهو يريد التحدث إليها، تعجبت فهو لم يخاطبها منذ عادت واعتقدت أن السبب هو ندمه على الإعتذار الذي قدمه. وقفت معه أمام باب الغرفة فسحبه قليلاً حتى لا يصل الصوت إلى أذني مي مي، مد لها علبة قائلاً بإبتسامة سحرتها: اتفضلي تناولتها بتردد وقد دفعها الفضول لتعلم ماذا تحوي في جعبتها، رفعت إليه نظرات مملؤه بالدهشة: دا موبايل هز رأسه مؤكداً: ليكي أعادته إليه: مش بأخد هدايا من حد من غير مناسبة رفع أحد حاجبيه: ومين قالك إنه من غير مناسبة ؟ .. دا هدية شكر عشان وقفتك جنبنا الفترة اللي فاتت أيام ما ماما كانت رجلها متجبسة وساعدتينا من غير مقابل أضاف غامزاً إياها: كمان عشان لما تنزلي مستعجلة وتاخدي مي مي معاكي تقدري تكلمينا وتقوليلنا بدل ما واحد كدا ثقيل ورخم يقولك كلمتين يزعلوكي فتسيبي المسكينة اللي جوا دي وحالتها تقطع القلب حاولت إخفاء إبتسامتها لكنه استطاع لمحها مما جعل إبتسامته تتسع أكثر، تمتمت: شكراً هم بالإنصراف عندما استدار إليها متذكراً: أه صحيح هتلاقي عليها نمرة واحدة بس متسجلة .. هتلاقيها متسجلة باسم الأرجوز .. فدي نمرتي يعني لو عوزتي حاجه عندما رأى إتساع عينيها، أضاف بمكر: وكان موبايلي تايه مش عارف بيتسرمح فين فرنيت عليه من موبايلك .. وأنا كشخص مش بأحب الأرقام الغريبة اللي مالهاش اسم دي بتبقى دخيلة كدا ودمها تقيل فسجلت النمرة باسم ... صمت قليلاً مما جعل كل حواسها تنتبه وهذا ما أراده فأكمل: الشعنونه كزت على أسنانها غيظاً، علق على حالتها: أومال أنا بس اللي يبقى اسمي عبيط ؟ .. دا بعدك انصرف وتركها في حالتها تلك لكن لم تمر لحظات حتى انفجرت ضاحكة، إنه مجنون، عادت إلى الداخل حيث مي مي التي نظرت إلى العلبة في حيرة. - تعالي نقعد نستكشف البتاع دا بيشتغل إزاي ههههههه لا وجايبهولي حديث كتر خيره قفزت الفتاة في مرح فهي تعشق اكتشاف كل جديد وجلست إلى جوار حياه .. استغرقوا في قراءة كُتيب التعليمات. لم يشعر أياً منهما بأن هناك من يتابع الحديث منذ بدايته، بوجه جامد لا تعلوه أي تعبير سواء الرضا أو السخط .. *** شعرت بأن جدران المنزل تطبق على صدرها حد الإختناق، تريد التحدث إخراج ما بداخلها، تبكي وتطلق العنان لمشاعرها حتى تعبر عن الأعاصير التي تدور دون توقف في نفسها، لم تجد غيرها حلاً فهي من رافقتها إلى المستشفى .. لا تعلم نتائج الفحوصات ولكن ما الضرر الذي سيحل إذا علمت .. ستأتمنها على السر متأكدة من حفظها له .. مستغلة إنشغال زوجها في شركته. أتت إلى منزلها فقد حفظت العنوان قلقة من صوتها الذي أتاها عبر الهاتف، قبل أن تنبس بحرف ارتمت نجلاء بين ذراعيها تبكي بكل ما يجيش داخل قلبها من قلق. مر وقت لا بأس به حتى هدأت وبدأت تقص عليها ما ظهر بالتحاليل والنتائج التي أطلعها عليها الطبيب المختص. أنهت قصتها باكية: طلع كانسر ف المخ .. أنا لحد دلوقتي مش قادرة أصدق حزنت على حالها ولكنها تماسكت فهي ليس بحاجه إلى إنهيار أخر بل إلى دعم: طب الدكتور قالك إيه عن الحاله .. مرحلته إيه ؟ - هو قال إنه لسه في مرحلته الأولى وإنه العلاج الكيماوي ممكن يجيب نتيجة وما نضطرش نستخدم التدخل الجراحي شجعته بأمل: طيب الحمدلله .. احمدي ربنا إنك اكتشفتيه ف الأول وهنلحقه إن شاء الله - بس الكيماوي هيوقع شعري .. هيخليني دبلانه نظرت إليها متعجبة: وإيه المشكلة ؟؟ .. دي فترة وهتعدي صوبت بصرها إليها غاضبة: وجوزي؟؟ ... هيبصلي إزاي لما أبقى بالشكل دا ؟؟ ربتت على ظهرها: أكيد مادام بيحبك هيقف جنبك وهيصبر معاكي انتفضت واقفة تتحدث بعصبية: يصبر على إيه ولا إيه .. على إني مش بأخلف ولا على واحدة ممكن تموت ف أي لحظة ولا على شكلي اللي هيبوظ أكتر وقفت حياه أمامها بصرامة: الموت دا حقيقة موجودة ف أي لحظة بتحصل، مش من ساعة ما عرفتي بالمرض وبس!، شاب ماشي بصحته ف الشارع فجأة وقع مات .. واحدة فجأة جات لها سكتة قلبية ماتت .. طفل صغير بيعدي الطريق ظهرت عربية الله أعلم منين خبطته فمات .. أنا نفسي ممكن أموت قبلك .. إيش عرفك؟؟ .. إنتي بس أخدتي بالك من الموت لما خبط على بابك لكن هو موجود في كل مكان حولينا بس إحنا اللي مش بنحب نشوفه غير لما يجبرنا نبص عليه. أما بالنسبة بقى لموضوع الخلفه فمن اللي شوفته فادي مش فارق معاه مادام إنتي معاه، هو أصلاً طول اليوم ف الشغل ولما بيجي بيبقى عايز يريح دماغه وينام، لكن طفل في البيت وصداع وعياط وجيبله كذا والطلبات اللي ما بتخلصش، هو لسه في بداية الطريق أكيد هيبقى حمل زيادة عليه شكلك بقى .. ماله شكلك؟ .. دي فترة بس العلاج الكيماوي وبعدين هترجعي زي الأول وأحسن .. أصلاً لو أهتم بشكلك على حساب صحتك فدا مش هيبقى دليل إلا على حاجه واحدة بس .. إنه ماكانش بيحبك أساساً ! ... وبعدين خليكي واثقة ف نفسك وف أنوثتك ضمتها نجلاء قائلة بضعف: ما تسبنيش يا حياه، أنا محتجاكي معايا، إنتي اللي هتفوقيني، الكل بيجاملني .. حتى ماما لكن إنتي اللي بتكلميني بصراحة ودي أكتر حاجه محتاجها الفترة اللي جايه تحسنت حالتها أكثر وحاولت حياه أن تصرف إنتباهها عن الموضوع فأخذتها إلى المطبخ تعلمها طبخات جديدة تقضي بها بعض الوقت قبل أن يعود فادي وكذلك تشغل عقلها بشئ مختلف. أثناء إنشغالهما في المطبخ دق جرس الباب، ذهبت نجلاء تفتحه لتتفاجئ بقدوم زوجها مبكراً وأيضاً برفقة شقيقها. خرجت حياه ضاحكة لا تعلم بقدوم أخرين: تعالي بصي يا نوجه على الأشكال الهبلة اللي عملتها .. تبخر ما كانت تريد إضافته لجملتها السابقة عندما ألتقت عيونها بنظرات حمزه الضاحكة الذي علق بمكر: هو لازم نوجه يعني هي اللي تيجي تشوف؟ .. ماينفعش أنا مثلاً ؟ استدارت تواري خجلها: أنا داخله المطبخ أكمل أبقي تعالي يا نجلاء ما تتأخريش عقب حمزه مشاكساً: بقت نجلاء دلوقتي ؟؟ مش كانت من شوية نوجه ؟؟ قرص فادي ذراعه فإلتفت إليه حانقاً: في إيه ؟ غمزه: خف ع البت شوية، هي مش قدك وأنت رايق يا دونجوان نجلاء باسمة: أه يا ريت فعلاً تخف يا حزومه أمسك بذراعيهما ودفعهما بعيداً عنه: ما تتلهوا أنتوا الإتنين ف بعض وتفككوا مني ! سامح: خلاص خلاص ما تزؤش أنا رايح أغير هدومي حمزه مشيراً إلى نجلاء: وإنتي روحي مع جوزك مش ناقص زن تركاه وضحكاتهما تتعالى، عدل من وضعية ملابسه وجذب ياقة قميص: استعنا ع الشقى بالله دلف إلى المطبخ حيث وجدها منخرطة فيما تفعله لإعداد الطعام، تحدثت ظناً منها أن القادم هي نجلاء: مش كنتي تقولي أنه جوزك وحمزه جُم ولا تسبيني أطلع على عمايا كدا ؟؟ - صدقيني أحلى ما فيكي البراءة والعفوية .. الحمدلله إن نجلاء ما حذرتكيش لمح اشتداد عودها متصلباً، كانت على وشك البكاء؛ لما يأتي دائماً في اللحظات غير المناسبة عندما تكون على راحتها في الكلام سيظنها طفلة هكذا كما أنها لا تتذكر موقفاً واحداً رأها فيه تتصرف بعقل وتتحدث برزانة. أضاف ليزيد إرتباكها: دي أول مرة اسمعك تنطقي فيها اسمي .. مش بيعض مش كدا ؟؟ أرادت أن تصحح له فكرته تلك فهي تردده دائماً لكن بينها وبين نفسها ليس أكثر، فهو بالنسبة لها كالحلم الجميل إذا سردته طار مبتعداً بين الأفق. سحبته نجلاء إلى خارج المطبخ: روح أقعد مع فادي قدام التي ڨي عقبال ما نخلص الأكل ونناديكوا انصرف صامتاً فليس هناك من جدوى في بقاءه مادامت نجلاء ستبقى واقفة بينهما، جلس بجوار فادي شارداً، تغير تفكيره كثيراً، لقد كان يتجنب أي إحتكاك مع النساء لكن منذ ظهرت هي في حياته أصبح يبحث عن كلمات كي يناكفها بها. *** أجاب الرنين المتواصل لهاتفه بملل: خير؟ هب واقفاً عندما سمع الخبر الذي نُقل إليها حالاً، أغلق الخط وخرج مسرعاً نظرت له جميلة متسائلة: هو حصل إيه؟ - عرفوا مكانها ! تركهم منصرفاً بسرعة والسعادة تشع من عينيه كما لم تفعل منذ فترة، زفرت جميلة بحدة واتجهت إلى غرفتها غاضبة، استرخت نيفين أكثر في جلستها وشردت عينيها بعيداً أما فتون فظهر الحزن بعينيها وعضت شفتيها قلقاً. *** تبادلوا الضحكات والمزاح أثناء تناولهم الطعام .. شعرت بتأقلمها معهم كأنها تعرفهم منذ زمن، هي معتادة على الإنسجام مع الناس بسرعة فقد كانت تتعامل يومياً مع أناس مختلفين بحكم أتخاذها للخبرة الكافية في مجال دراستها ولممارسة اللغة كما أن تخصص سلمى صديقتها في كلية إقتصاد وعلوم سياسية جعلها تشاركها الكثير من التعامل مع الناس لكن لكل منهما هناك هدفاً مختلف. كانت أغلب نظراته تقع عليها ولا تتحرك، تتابع حركاتها ورموش أجفانها رد فعلها ضحكتها العفوية .. كل شئ .. رغم عمرها شعر أنها ما تزال تحتفظ ببراءتها .. طفلة في جسد امرأة .. هز رأسه مقتلعاً عينيه من فوق وجهها. رن هاتفها فانسحبت تجيب، شعر برغبة جامحة في معرفة من الذي نهضت لتتحدث إليه بعيداً عنهم مما جعله يلحق بها بينما تبادل فادي وزوجته النظرات .. تدل على تفاهم متبادل بين الزوجين. - حاضر يا حنان .. يا بنتي اللي يشوف كدا يقول إنك مامتي .. هههههه عاجبني يا ستي ولا تزعلي نفسك .. خلاص والله هأعتذر منهم وأجي .. ماشي مع السلامة استدارت لتعود إليهم لكن جسد حمزه منعها من المرور .. ابتسم: هتمشي؟ أومأت مجيبة بصوت هامس: أيوه عقد ذراعيه: طبعاً مش هترضي إني أوصلك مع إن الليل داخل خلاص هزت كتفيها: زي ما قولتلك ما يصحش .. ممكن أعدي بقى ؟ تنحى جانباً في صمت سامحاً لها بالمرور .. اقترح على شقيقته وزوجها أن يأخذهما إلى إفتتاح معرض لوحات لأحد الفنانين الذين يحبهم فادي بشدة، فرحب بالفكرة كذلك نجلاء. أضاف حمزه ناظراً إلى نجلاء بتحدي: ونوصل الأنسة ف طريقنا بالمرة راجع الجملة التي قالها فلم يجد بها سبباً للألم الذي ظهر في عينيها فجأة .. أوقف السيارة أسفل البناية التي تقطنها وانتظر حتى تأكد من صعودها قبل أن ينطلق بسيارته مع شقيقته وفادي إلى حيث أتفق معهما. ارتفعت الأعين المليئة بالشر والوعيد إلى الشرفة التي وقفت بها تطل على السيارة تتبع انصرافها بقلب مشتاق ثم تدلف إلى الداخل بهدوء مغلقة باب الشرفة خلفها وتشد الستار الشفاف عليها. *** - أنا مش عارف إيه الاجتماع السري دا ؟؟ - مش عايزه حد يعرف الموضوع اللي عايزاك فيه ؟ - حد مين يعني؟ .. البيت مافيهوش غير بابا ومي مي .. من إمتى بتخبي حاجه يعني؟ علقت مركزه نظراتها على عينيه: وحياه حاول إخفاء توتره ناسياً أن والدته كانت ناظرة مدرسة للمراهقين وتعرف علامات الإعجاب والحب من نظرة عين: مالها ؟ تنهدت: بتحبها ؟ كان تقريراً أكثر منه سؤالاً .. تنهد: بتسألي ليه ؟ - من ساعة ما شوفتها لما رجعت وأنت كل شغل يجيلك فيه سفر ترفضه مش بتقبل غير الشغل اللي مش محتاج سفر .. جبتلها موبايل هدية .. بتوصلها لبيتها .. حاجات كتير يا حمزه نظرة جليدية طغت على عيونه: والمطلوب ؟ - بص يا ابني إحنا مش نوعية الناس اللي تلعب بالأعراض .. عايزها أتجوزها وأنا مش هأقف قدامك لكن طريقة الحرمية دي مش أسلوبنا ولا أنا ربيتك على كدا شرد بعيداً قبل أن يردد: بس أنا مش مستعد للجواز دلوقتي أجابته بحزم: يبقى تبعد عن طريقها وتسيبها تشوف حالها .. ما تلعبش بقلوب البنات يا حمزه عشان أنت مش قد نتايجه تناولت حقيبتها مضيفة: فكر كويس ف اللي قولتهولك يا تمشي صح يا تبعد عن طريقها نهائي هما حلين مالهومش تالت .. هأروح لأختك أطمن عليها .. سلام تركته يتخبط في أفكاره لا يدري ماذا يفعل، لم يفكر في الخطوة القادمة وبالتأكيد لن تكون الزواج، هناك شكوك تعتمل بقلبه تجاه الجنس الناعم .. فقد يكون ناعماً من كثرة الاستخدام ! *** تعجبت من طلب أحمد بأن تبقى مع مي مي حتى عودته فقد نُقل أحد أصدقائه إلى المشفى على عجل ويجب أن يذهب ليطمئن عليه .. وسمية خرجت برفقة حمزه لا تدري إلى أين. استسلمت بالنهاية للحدث الراهن، شاركت الفتاة لعبها بعد أن أنهت شرح دروسه وتأكدت من استيعابها الكامل له، نظرت إلى ساعتها معلنة تمام السابعة .. إذاً لقد حل الظلام. رحبت بدق الباب واتجهت تفتحه فهي مشتاقة للعودة إلى المنزل لتستحم وتغط في نوم عميق .. لقد كان يوماً متعباً فالمدرسة ويليها دروس مي مي ثم اللعب معها استهلك طاقتها كلها. دفعها الطارق إلى الداخل مغلقاً الباب بسرعة .. شهقت فزعاً عندما تعرفت عليه لكنه لم يسمح لها بأكثر من ذلك فقد أطبق على فمها يخرسه .. حاولت دفعه ومقاومته بلا جدوى. همس بشراسة وأنفاسه تخترق حجابها وصولاً لأذنها: كنتي فاكره إنك هتقدري تهربي مني؟ ولا فاكره إني هأسيبك تفلتي من بين إيدايا؟ .. في الحالتين دا بُعدك! توسلت إلى ربها بدموعها التي لا تملك سواها .. فتح الرجل الأخر الذي يصحبه الباب ليتأكد من خلوه لكن لحسن حظها و سوء حظهم كانت هناك مشكلة في الدور السفلي بين جارين لسبب ما .. فقررا الإنتظار قليلاً. لمحت حياه الطفلة تقف مذعورة على باب الغرفة فأشارت لها بعينيها لتختبئ بالغرفة خوفاً من أن يصيباها بمكروه .. تبادلاتا حديثاً صامتاً من خلال الأعين لم يشعر بهما أحد فالأول يراقب الشارع من النافذة وهو يمسكها في قبضته والأخر يتابع تطور المشكلة بين الجيران. ارتعشت الطفلة خائفة، لقد رأت لأول مرة مسدساً حقيقياً معلق في حزام كلا الرجلين .. تناولت الهاتف الخاص بحياه الذي أهداه إليها حمزه من قبل، تذكرت حياه عندما أخبرتها ضاحكة أن أخاها مجنون لدرجة أنه كتب اسمها على هاتفها "الأرجوز" .. بحثت عن الاسم حتى وجدته وانتظرت تسمع الرنين. الفصل الحادي عشر جلس مُسعد في الكرسي المقابل لصديقه أمام النيل .. طلبه حمزه قائلاً أنه بحاجه إليه فترك ما بيده وأتى إليه راكضاً فليس من عادته استخدام تلك الكلمة كما أن صوته لا يشي بالخير لكن منذ ذلك الحين وهما يجلسان أمام بعضهما. زفر مُسعد: يا ابني أنت جايبني هنا عشان نلعب تماثيل إسكندرية ؟ .. ما تنطق في إيه ؟ لم يرد ومرت دقائق أخرى من الصمت فقد فيهم الأمل بأن يتلقى جواباً على سؤاله لكن حمزه تحدث قائلاً بشرود: مش عارف أخد قرار ضرب ظهر يده بكفه الأخر ثم مسح على وجهه طالباً الصبر من الله: فهمت إيه أنا كدا بالصلاة ع النبي ؟؟ هم حمزه أن يفرغ ما في جعبته لكن قطعهما رنين الهاتف المتواصل .. لمح مُسعد بطرف عينه اسم المتصل بهتف مندهشاً: الشعنونه ؟؟ ظل حمزه ينظر إلى الهاتف متردداً في الإجابة، حثه مُسعد على الرد كاتماً ضحكته فمن تردد صديقه توقع أن تكون تلك الـ "شعنونه" هي سبب حيرته وشروده. أول ما التقطته أذنه كان صوت نحيب مما أشعل القلق في قلبه، همس: حياه ؟ جاءته همهمت أحد يريد الحديث لكن الكلمات لا تطاوعه، أحباله الصوتية تلجم الكلمات وتمنعها من النفاذ عبر الحنجرة، سمع صرخة وشخص يتحدث بصوت عالي مهدداً، تساءل بعصبية: حياه !! أته صوت طفلة يقول بحروف متقطعة: ألحـ قــ نا يا .. أبيــه حمزه .. في ناس .. اتنين رجاله .. ماسكين ميس .. حياه وبيضــ ربوها ! لم ينتظر حتى يسمع أكثر من هذا، أمسك مُسعد من ذراعه يُنهضه معه دون أن يفهم الأخر أي شيء كل ما فعله هو التشبث بمقعده المجاور لحمزه الذي يقود بسرعة جنونية تكاد ترسلهما إلى حتفهما. *** حاولت الفكاك من بين قبضته لكنه صفعها حتى سمع صراخها قائلاً بتلذذ شيطاني: أيوه سمعيني صريخك .. إنتي لسه ما شوفتيش حاجه من اللي هأعمله فيكي ! سألته متحاملة على ألمها: أنت عايز مني إيه ؟؟ .. شادي أنا ما بلغتش عنك ولا قولت حاجه أنا عايزه أعيش حياتي وبس ! أمسك شعرها عبر حجابها صارخاً في وجهها: إنتي مالكيش حياة بعيد عني إنتي فاهمة ؟؟ حياتك معايا وبين إيدي أنا وبس ردت بتحدي لا يتناسب مع وضعها: لا .. حياتي وحياتك ف إيد ربنا .. أنت ما بتخافش من ربنا ؟! يبدو أن عقلها توقف عن العمل فكيف يهاب الله وهو يفعل ذلك في الفتيات ممزقاً أعراض النساء .. ليس من المعقول أن يكون قواداً وفي ذات الوقت يخشى سخط الله. ضحك ضحكة أفزعتها: ربنا ؟؟ .. سبنالك إنتي الخوف منه يا ستنا الشيخة لمح مرافقه الطفلة وهي تحاول الإختباء وفي ذات الوقت لا تحرك عينيها عن حياه فهي التي تهبها القوة والإحساس بالأمان. أمسك بها وهي تصرخ محاولة التسلل من قبضته لكن هيهات أن يفلت الأرنب من براثن الذئاب. أنفض الإشتباك بين الجيران وساد الهدوء العمارة؛ فقرر شادي الإسراع بالرحيل قبل أن يأتي ما يعطلهم من جديد، اقترب منها وهمس بوحشية: عارفه لو عملتي حاجه كدا ولا كدا تلفت الأنظار .. اقري على البت دي الفاتحة وإنتي اللي هتشيلي ذنبها .. لأنه إحنا خلاص من كتر اللي ماتوا تحت إيدينا مابقاش عندنا إحساس تمتمت متوسلة: طب هتعمل بيها إيه ؟ .. سيبها وأنا هأمشي معاك لوحدي بكت الطفلة بشدة: لا ما تسبينيش يا ميس حياه هول الموقف منعها من التركيز على عودة قدرة مي مي على الكلام، قالت مهدئة مي مي: حبيبتي إنتي هتفضلي هنا لحد ما ماما وبابا يجوا ماشي ؟ ضغط على ذراعها لتنهض: إنتي تسكتي خالص .. هي هتيجي معانا عشان ما تصرخش وعشان جنابك ما تعمليش حركة جنان كدا ولا كدا مسحت وجهها كما أمرها وطلبت من الفتاة إلتزام الصمت حتى لا يصيبها مكروه، هبطت معهم باستسلام صامت، في الوقت الذي احتاجت فيه أن تكون وحيدة حتى تستطيع التصرف فحياتها ملك لها وحدها وجدت من يتشبث بها ولا يرغب في الإبتعاد عنها على عكس الأوقات التي كانت تتمنى أن تجد من يتعلق بها ويثبت أهميتها في حياته ولم تجد .. إنها سخرية الحياة. أمام باب السيارة وقبل أن يصعدوا إليها، وصل حمزه وكان يهم بالترجل من سيارته، لمحته مي مي فصرخت باكية تطلب منه المساعدة: أبيه حمزه ! رفعت حياه نظرها ولمحته لكن شادي ومرافقه كانا أسرع منهم فقد قذفوا بهما داخل السيارة وانطلق سائقها الذي كان بانتظارهم يقود بسرعة قبل أن يصل إليهم حمزه. *** تذهب وتعود إياباً، لقد استبد بها القلق، لأول مرة تتأخر إلى هذه الساعة، أيضاً لا تجيب على هاتفها، هل أصابها مكروه أم ماذا ؟؟؟ حاولت الجدة أن تهدأها لكن كيف لها أن تنجح وهي نفسها تشعر بالتوتر قد تمكن من كل خلاياها، هناك شيء ما في قلبها ينبؤها بحدوث أمر سئ لتلك الفتاة منعها من العودة. قررت أن تكرر الإتصال لعلها تصيب هذه المرة. *** التوتر والبكاء يسود المنزل، سمية تبكي الصغيرة التي لا تعلم من أخذها وأين ذهبت، تواسيها نجلاء ودموعها تهبط على وجنتيها معلنة ألمها هي الأخرى. أنهى أحمد حديثه مع ضابط الشرطة بعد أن طلبوه عند علمهم بما حدث وحادثة إختطاف الطفلة ومعلمتها ومُسعد يقف إلى جواره يدعمه كذلك فادي. أما حمزه فمنذ فشل في تتبع أثرهما وهو صامت لا يتكلم رأسه تدور من هؤلاء وماذا يريدون .. لقد كانوا مهره إلى درجة قدرتهم على إضاعته بسهولة شديدة .. وكان من الغباء وقلة التركيز بأن فشل في اللحاق بهم. بعد رحيل الضابط حل الصمت على المنزل، صمت يشوبه التفكير والتساؤلات لكن قطعهم إرتفاع رنين الهاتف الذي لم يكن يخص أياً منهم .. تبادلوا نظرات الاستفهام، كان حمزه أسرعهم فتتبع الصوت وأمسك بالهاتف مكتشفاً هوية صاحبه .. كان الهاتف يضئ باسم "حنان" .. أجاب خائفاً من فقدان الإتصال ليسمع الطرف الأخر يتنهد براحة نسبية: حرام عليكي يا حياه وقعتي قلبي فينك إنتي لحد دلوقتي كنت هأموت من القلق يا بنتي لم يتفوه بكلمة فعاد القلق يسطو على نبرتها: حياه ؟؟ تنهد مجيباً بتماسك: حياه اتخطفت .. أعطاها العنوان على وعد بالقدوم بأسرع وقت .. طمأنت جدتها وهبطت تتسابق مع نفسها لتصل في زمن قياسي، أخبر هو أهل المنزل بقدوم حنان التي تقطن برفقة حياه. بعد أن حضرت وقصوا عليها ما حدث بالإضافة لقلقهم من هوية هؤلاء المجرمين، ترددت حنان في البداية لكنها أخبرتهم بقصة حياه حتى قابلتها لعل ذلك يكون بداية الخيط للوصول إلى الجاني. أسرع أحمد يتحدث إلى ضابط الشرطة يخبره بالتطورات وحمزه في عالم أخر يفكر بأنها ليست ذلك الملاك الذي ظنه، لم تكن بريئة .. اتضح أنه أكثر براءة منها. لفتت تلك النظرة التي لمعت في عيني حمزه إنتباه حنان فلحقت به إلى الشرفة حيث خرج يشتم بعض الهواء العليل، انضمت إليه تخبره أكثر منها تسأله: هتتخلى عنها بعد ما عرفت الحقيقة مش كدا ؟ راقبت لمعان النجوم وإختباء القمر خلف عدة سحابات متلونة بلون الليل مضيفة بتوسل: أتمنى إنه دا ما يمنعكش إنك تدور عليها وتلاقيها .. مش عشانها قد ما هو عشانك .. صدقني التعايش مع إحساس بالذنب دا أسوء أنواع العقاب والتعذيب النفسي .. وقتها هتتمنى تموت والإحساس دا يبعد عنك لإنه بيخليك تموت 100 مرة ف الدقيقة. تركته يتخبط في أفكاره، أخلاقه كما دينه لن يسمحا له بفعل عكس ذلك معها رغم أنها كسرت بداخله شيئاً لا يتوقع إصلاحه في وقتٍ قريب .. ما جعله يدخل في تلك الحالة هو أنه قد استقر على طلبها للزواج فور فزعه وقلقه أن تكون ف خطر لكن المفاجأة التي سمعها من حنان الآن ألقت بأحلامه إلى البحر تلتهمها الأسماك دون الإبقاء على شيء منها. *** ألقاها أرضاً بغرفتها التي خصصت لها منذ حضرت إلى هذا المكان في المرة الأولى، تشبثت بالطفلة لتحميها من بطش هذا الكائن الذي لا يرقى ليصبح إنساناً. رفع سبابته في وجهها محذراً: فكري تهربي مرة تانية وقتها مش هيطلع عليكي صبح ثم أضاف ناظراً للفتاة: ولا ع الأمورة يا حياه .. فاهمة ؟؟ تركها صافعاً الباب خلفه، ضمت مي مي إلى حضنها تبكي الحال الذي وصلت إليه كذلك جرت معها طفلة ليس ذنبها شيء إلا أنها تعلقت بها وأحبتها من كل قلبها. رفعت مي مي كفها الصغير تكفكف دموع حياه قائلة: ما تعيطيش يا ميس حياه .. أبيه حمزه مش هيسبنا وهيخرجنا من هنا ويخلي عمو اللي برا دا يبعد عننا خالص لأول مرة تنتبه حياه إلى أن مي مي لا تستخدم الإشارات لتوصل ما ترغبه بل تتحدث بلسانها دون أخطاء، سألتها مصدومة: إنتي بتتكلمي ؟؟ أومأت باسمة: أيوه، لما طلبت أبيه حمزه في التليفون الكلام طلع أمسكت رأسها تجذبها إلى صدرها تبكي لكن هذه المرة دموع الفرحة: الحمدلله .. الحمدلله ظلت تضمها حتى أتى سلطان النوم ليأخذها إلى عالمه بعيداً عن هذا العالم الذي بكل أسف هو الواقع .. أهذا هو الحب الذي طالما بحثت عنه .. تفتقده في حياتها فعاشته بين دفتي الكتب، تلتهم الروايات والحكايا علّها تجد فارسها بين السطور، لكنها اصطدمت بواقع الحياة فليس الحب في دنيانا كالحب بين صفحات الروايات، تمنت في كثير من المرات أن يخرج فارسها من بين دفتي إحدى الروايات ليكون زائر أحلامها الدائم ورفيق دربها الأبدي، لقد كان يجذبها إلى فارسها مظهره قبل ما بداخله، هنا بدأت غلطتها وهنا أنتهت أحلامها، فقد رزقها الله بالمظهر كما تمنت لتدرك أن هناك ما هو أهم منه ويفوقه حُلماً ألا وهي الأخلاق الحميدة والعقيدة المتينة، فلو كان شادي يملك ديناً قوياً متيناً ما ألت إليه نفسه إلى ما يفعله الآن، لأول مرة تمنت عدم معرفتها بالحب .. عند ذلك الحد تذكرت حمزه، لِمَا ذكرته في هذه اللحظة بالذات، لقد أنكرت كثيراً حبها له وتعلقها به ولكنها لم تعد تستطيع بعد الآن. *** مر يومان على ما حدث حينما دخلت عليها نيفين متسللة حتى لا يعلم شادي بدخولها أو حديثها إلى حياه، اقتربت منها توقظها. انتفضت مجفلة وتبادلت مع نيفين نظرات الإستغراب: في إيه ؟ استقامت نيفين في وقفتها: إيه مش عايزه تخرجي من هنا ولا إيه ؟ انتبهت جميع خلاياها منصتة فتابعت: جهزي نفسك بكره زي دلوقتي هتكوني بعيد عن هنا إنتي والبت اللي معاكي كمان تركتها وغادرت دون أن توضح كيف ولماذا تفعل ذلك ؟؟؟ *** انشغل بالبحث عن الأماكن التي يمكن أن يلجأ إليها شخص كشادي ليخبأ مي مي وحياه، لم يتخلى عنه صديقه مُسعد .. قررا أخذ قسطاً من الراحة في إحدى الكافيهات يتشاوران في الخطوة التالية التي يجب عليهما أتخاذها. دق هاتفه مُعلناً اتصالاً من رقم غريب، أجاب مسرعاً على أمل أن يكون الخاطف أو أحد أتباعه، فإذا خطفوا حياه فما ذنب الصغيرة؟ تفاجئ بصوت أنثوي ناعم يقول بدلال: حمزه .. إزيك ؟ لم ينسى صوتها الذي كان يسهر معه الليل، يسمعه يصب في أذنيه أبهى كلمات العشق والوله، لكن للغرابة أصبح يشعر الآن بأنه يشبه حفيف الأفعى عوضاً عن زقزقة العصافير. أجابها بملل: عايزه إيه ؟ - أشوفك - ليه؟ - لما أشوفك هتعرف تنهد بقوة فاقداً صبره ثم أخبرها باسم الكافيه فعرفته، تعجب مُسعد من قبوله لرؤيتها لقد توقع أن تكون السبب في لوعة صاحبه من طريقة حديثه إليها .. لا يمكن أن يكون أصابه الضعف تجاهها عندما سمع صوتها حتى أن طريقة كلامه لا تشي بذلك. - تحب أقوم أمشي عشان تاخدوا راحتكوا - راحتنا إيه بس .. أنا عايز أشوفها عايزه إيه، عشان أخلص من زنها .. أنا لو ماكنتش وافقت أقابلها كانت كل دقيقتين تتصل بيا وتشتغل بقى عليَّا .. وأنا بصراحة مش ناقص وجع دماغ هي صفحة ولازم تتقفل بأي شكل أطمئن مُسعد على صديقه، أتت بعد حوالي الربع ساعة بأبهى حلتها لكن لم تثر به أي شيء فمن اعتاد على رؤية الملابس الواسعة المحتشمة والوجه الخالي من الكيماويات لن يلقي بالاً إلى ما هو أقل شأناً .. فمن ترقى لا ينظر إلى ما هو أدنى. انسحب مُسعد يجلس على طاولة مجاورة تاركاً لهما حرية الحديث، يجب على صديقه تمزيق صفحته معها ليستطيع البدأ من جديد. فتحت الحديث: عامل إيه ؟ أجابها بجفاء: ما اعتقدش إنك اتصلتي بيا وطلبتي تقابليني عشان خاطر تسأليني السؤال دا ابتسمت: معاك حق .. هأدخل في الموضوع على طول .. أنا قررت أطلق - هو إنتي اتجوزتي كمان ؟؟ .. ما شاء الله .. أنا أخر مرة شوفتك كانت خطوبة بس أضاف ببرود: وهتطلقي عشان لاقيتي واحد أغنى ولا عشان جوازك كان غلطة ؟ تجاهلت تلميحاته: عشان كان غلطة .. حمزه أنا كنت فاكره إن أهم حاجه ف الدنيا هي الفلوس، لكن بعد ما أتجوزته وعشت معاه في بيت واحد اكتشفت إن الفلوس لوحدها ما تنفعش .. أنا كرهت نفسي وحياتي معاه .. مش متخيل حياتي معاه جحيم إزاي ! - ما يخصنيش كل اللي بتقوليه عليه دا .. تتجوزيه تسيبيه إنتي حرة .. ما عادش يفرق معايا أمسكت يده عبر الطاولة: بس أنا لسه بأحبك يا حمزه سحب يده حانقاً من جرأتها: وأنا مش بأحبك يا هاجر .. وياريت ما تحاوليش تتواصلي معايا تاني لإن اللي بينا أنتهى .. أنتهى من ساعة ما سبتيني عشان تروحي للأغنى نهض مشيراً لمُسعد حتى يلحق به بينما جلست والغيظ يفتك بأعصابها، لقد ظنته أحبها لدرجة أنها مهما دارت سيقبلها، بمجرد أشارة منها إليه سيأتي راكعاً ملبياً نداءها، لا تعلم أن الرجل ينسى الحب بمجرد تفكير الحبيبة في المساس بكرامة رجولته، هي لم تمسها فحسب بل داست عليها بكعب حذاءها .. فضلت عليه رجلاً أخر ليس لأنها أحبته بل لأنه يملك مالاً وأكثر استعداداً منه مادياً. *** بقيت ساهرة في إنتظار نيفين كي تفي بوعدها، تأملت مي مي وهي نائمة لم ترد إقلاقها لشئ قد يكون مجرد وهم، سلمتها لسلطان النوم حتى تعلم موضع قدميها. ترقبت قدوم نيفين على أمل في النجاة من جبروت شادي، تذكرت فتون التي نصحتها بألا تثق بنيفين فلقد استمعت لحديثها أمس من خلف الأبواب، قالت لها بقلق تسرب إلى قلبها لكن ليس بيدها حيلة: نيفين مش هتعمل كدا لله ف لله يا حياه، أكيد ليها مصلحة فدا - وهي هتأذيني ليه؟ .. أنا عمري ما عملتلها حاجه - ممكن يكون صح وهتهربك بجد .. أنا ما قولتش حاجه .. كل اللي بأقولهولك إنه أكيد ليها مصلحة ف كدا مش هتعملها شفقة وإحسان .. أما بقى تأذيكي ليه ف فيه ناس كتير م الظلم اللي بتشوفه ف حياتها بتحب تطلعه على غيرها مادام ف مصلحتها .. الأحسن لما تخرجي من هنا تقطعي علاقتك بيها نهائي .. حياه أبوس إيدك بلاش الثقة الزيادة دي .. العميان الشديد دا مش هينفع ف دنيتنا ! غيرت مجرى الحديث: طب وإنتي ؟ .. مش هتهربي معانا ؟ ابتسمت ساخرة: عشان تتأكدي إن ليها مصلحة بهروبك عشان كدا قالتلك إنتي بس وما جبتش سيرة قدامي مع إنها عارفه كويس أوي إني كرهت هنا وقرفه بشفقة: طب ما تيجي معانا ربتت على كتفها: لا بلاش، كل ما العدد قل كل ما كان أسهل وما نجذبش النظر التقطت حياه قصاصة ورق وخطت عليها شيئاً ما ثم سلمته لفتون: دا عنوان حنان، واحدة طيبة أووي وساعدتني كتير لما تعرفي تخرجي من هنا روحيلها ولو ماكنتش معاها هي هتدلك على مكاني إتفقنا ؟؟ ابتسمت فتون فلا فائدة من نصحها، من تطبع بشئ صعب عليه تغيير طبعه، دعت لها بقلبها أن تحتفظ ببراءتها لا تعلم لما تشعر أن صفعات الحياة لحياه لن تتوقف عند ذلك الحد. أفاقت من ذكرياتها على دخول نيفين مشيرة لها بالقدوم برفقتها، حملت مي مي مسرعة فلا وقت لإيقاظها كما أن نومها سيسهل مهمة هروبهم بشكل أسلم. سارت خلف نيفين التي مشت أمامها بثقة فقد وضعت منوم في المياه المخصصة لرجال الحراسة وشادي لديه عمل ما غير معروف نوعه لكن ما هو أكيد أنه يخالف القانون، تبعت نيفين حتى وصلت إلى الطريق العام وكانت هناك سيارة في إنتظارهما، صعدت خلفها بعد أن أخبرتها أنه أحد الزبائن وقد أحبها مقرراً أخذها والإهتمام بها وليس ببعيد أن يتزوجها، قلبها يشعر بعدم الراحة لكنها تجاوزت حد التراجع، في النهاية ليس هناك ما هو أسوء من تواجدها في مكان يخص شادي. وصلت لمنطقة يظهر فيها حركة الناس ليست مهجورة بل حية بتحركات السكان والمحلات المضاءة، إلتفتت إليها نيفين قائلة: أنا كدا عملت اللي عليا .. هتنزلي هنا بقى وتشوفي طريقك، شوفي إنتي عايزه تعملي إيه مدت لها مبلغاً من المال مضيفة: دول يكفوكي تركبي تاكسي يوصلك مكان ما إنتي عايزه ترجلت من السيارة وهي تودعها لقد فعلت لها الكثير ويكفي حتى هذا الحد، أوقفت إحدى سيارات الأجرة طلبت من سائقها أن يوصلها إلى العنوان الذي أملته عليه. *** ارتفع رنين الباب، استيقظ جميع أهل الدار فزعاً من الزائر في هذه الساعة، لم تكن سمية نامت سوى ساعتين من الإجهاد النفسي بعد إلحاح أحمد عليها، وحمزه كان يحاول أخذ قسطاً من الراحة ليستطيع متابعة البحث في اليوم التالي. فتح أحمد الباب مترقباً الطارق، قفزت مي مي من بين ذراعي حياه فقد استيقظت عند توقف سيارة الأجرة أمام المنزل، ضمتها سمية بشوق وانصرف أحمد يتأكد من سلامتها. التقت نظراتها الخجلى بنظراته العاتبة، أبعد نظره فوراً لكن تلك اللمحة كانت كافيه لتعرف كيف أصبحت في نظره، لقد فقدت مكانتها لديه بالتأكيد عرف حقيقتها؛ لأن هذه النظرة ليست من فراغ. طلب منه والده أن يذهب ليحضر كأساً من الحليب من أجل مي مي فوالدته منشغلة بالإطمئنان عليها وإشباع شوقها. عاد حمزه يتلفت حوله لكنه وجدها انسحبت بهدوء، تذكر حالتها وملابسها يبدو أنها لم تغيرها منذ تم إختطافها .. أشفق على حالها لكنه أفاق على صوت والدته تدعوه أن يؤكد لها أن ما تعيشه الآن حقيقة وليس وهماً أو مجرد خيال. *** قررت بعد أكثر من أسبوع قضته في التفكير، ستقبل بعرض والدة طالبة لديها في المدرسة، تسافر إلى إيطاليا تعمل في شركة زوجها .. تتعامل مع العملاء الطليان، تترجم له ما يقولونه فرغم قضاءه خمس سنوات هناك إلا أنه لا يجيد اللغة بشكل كافِ. اعترضت حنان كثيراً لكنها كتمت اعتراضها، إذا بقيت هنا سيصل إليها شادي من جديد والله وحده يعلم كيف ستنجو منه هذه المرة، ليس لدى حياه من يُدافع عنها عائلتها اعتبرتها كأنها لم تكن، وحمزه تغيرت نظرته لها بعد علمه بقصتها كاملة .. الأفضل لها ترك البلاد وفتح صفحة جديدة في دفتر حياتها. تساءلت الجدة بحيرة: بس مش غريبة إنه الزفت دا ما حاولش يدورعليها تاني؟ خصوصاً إنها ما غيرتش المكان ؟ تمتمت حياه بخجل: أسفة والله على كل اللي سببته من مشاكل وأنا أول ما أخلص ورقي هأسافر على طول نهرتها حنان: إيه اللي بتقوليه دا يا حياه .. تيته مش قصدها كدا طبعاً الجدة بحزن: والله يا بنتي أنا باسأل من خوفي عليكي مش أكتر، دا إن ما شالتكيش الأرض أشيلك فوق دماغي حنان مؤيدة جدتها: فعلاً، غريبة إنه ما دورش عليكي .. ربنا يستر ويبعد عننا شره أو خيره حتى *** أمسك حمزه الجريدة يتفحصها أثناء تناوله الإفطار برفقة عائلته، لفتت نظره صورة شخص يعتقد أنه رأه من قبل .. تذكر إنه من خطف حياه ومي مي .. إنه نفس الوجه. أكمل قراءة الخبر، لقد أوضحت الجريدة أن الشرطة استلمت بلاغاً عن فيلا في إحدى المدن الجديدة يعمل صاحبها في الدعارة بإغواء الفتيات بكلامه المعسول ووعدهن بالزواج والعيشة الهانئة ثم إجبارهن على العمل لحسابه تحت حراسة مشددة، لقد وجدوا فتاة ميتة بداخلها بينما هرب هو لا أحد يعلم أين .. أنتهى الخبر برجاء أي أحد يراه أن يبلغ عنه مباشرة فهو يبيع أعراض الفتيات. أطلع والديه على المنشور، أمسك أحمد الجريدة يقرأ الخبر على مهل معلقاً: ومين دي اللي ماتت؟ وهو قتلها يعني ؟؟ هز حمزه كتفيه: مش كاتبين تفاصيل .. يمكن لما يوصلوا لحاجه ينشروها سمية بغيظ: يا ريت نقفل الموضوع دا .. إحنا لسه ف أول اليوم فبلاش تقفلوه من أولها تساءلت مي مي ببراءة: هي ميس حياه مش هتيجي ؟؟ سمية بعصبية: لا مش هتيجي .. وما تجبيش اسمها هنا تاني .. أنسيها خالص فاهمة ؟؟ شرعت مي مي في البكاء معبرة عن شوقها لحياه وهي تتجه لغرفته مطأطأة الرأس، وجه أحمد حديثه لزوجته: مش كدا يا سمية - مش عايزه اسمع اسم البنت دي تاني .. مفهوم ؟ أحمد مقترحاً: أنا ف رأيي نقدملها في المدرسة .. أهو الحمدلله بقت بتتكلم وتقدر تتفاعل هناك ومابقاش فيه مشكلة أومأت مؤيدة: هأشوفلها مدرسة كويسة اعتذر حمزه منهم لضرورة ذهابه إلى عمله، لا يتحمل أن تتحدث والدته بالسوء عنها، كذلك لا يملك الدفاع عنها .. نظرة الحزن والإنكسار التي رأها في عينيها أخر مرة تجرح قلبه بسكين بارد. *** خرجت حنان من المدرسة تسلم على أهالي بعض الطلاب الذين تعرفهم، رأت حمزه يقف بعيداً ترددت لكنها حسمت أمرها .. توجهت إليه في حين اعتدل في وقفته عندما أدرك أنها مقبلة عليه. ابتسمت حنان: مش بتيجي المدرسة لم يرد فعادت تسأله: مش عايز تعرف السبب ؟ اكتفت بنظرة الإهتمام التي لمعت في عينيه مجيبة لسؤال لم يسأله: حياه هتسافر إيطاليا .. بتجهز نفسها للسفر قاطعها رنين هاتفها المستمر كأنه يصر على تلقي الإجابة اعتذرت منه تجيب: أيوه يا تيته .. في إيه ؟؟ .. ليه مالها؟ .. هي إتجننت ولا إيه ؟ .. طيب طيب أنا جايه أهو أغلقت الخط والتوتر يعلم ملامحها، سألها مخفياً قلقه: حصل حاجه ؟ أجابته بينما تعيد الهاتف إلى داخل حقيبة يدها: حياه بتجهز الشنطة مصره تروح لأهلها ف سوهاج .. وأخوها كان مهددها قبل كدا لو راحت هناك هيقتلها .. لكن هي راسها وألف سيف إنها تروح دلوقتي .. معلش أنا لازم أروح أشوف حكايتها إيه لم يعرف لما قال ذلك ولكنه فعل: أنا جاي معاكي أومأت موافقة فقد ينجح هو فيما قد تفشل فيه، كان مزيجاً من الغيظ والغيرة يأكل في قلب خليل وهو يراها تسير بصحبة حمزه، لقد كان دائماً على يقين أنه ترك بها أثراً وحباً لن تستطيع إعطاءهما لغيره، غروره الذكوري صور له أنها لن تستطيع متابعة حياتها مع سواه كما فعل هو، لقد أجلت حياتها فعلاً لكن لتهبها لطفلتها المفقودة فحسب. جذبت طفلة يده تلفت إنتباهه إليها: مش هنروح يا بابا ؟ أومأ متمسكاً بأصابعها الصغيرة عائداً بها إلى المنزل حيث تنتظره زوجته الثانية. رواية رزقت الحلال. بقلم سارة محمد سيف.