رواية قطة في وادي الذئاب بقلم إسراء عبد القادر

بين مرحلة الوعى و اللاوعي يسكن صراع كبير ، حيث يجادل العقل للاستيقاظ بينما يجهض محاولاته المخدر الذى سرى بالدم مجمدا الخلايا عن العمل ، تجاهد بقوة لفتح جفونها و محو الظلام ، و لكنها استيقظت لتجد ظلاما آخر جعل الشك يساورها بكونها لم تفتح عينيها بعد ، حركت كلتا يديها ببطء بسبب الأثر الطفيف الذى خلفه المخدر ثم فركت عينيها كى تعطى الرؤية مجالا للظهور ، فتحت عينيها مجددا لتجد الظلام الدامس لا يزال يرافقها ، الى جانب انتباهها أخيرا إلى كون جسدها يهتز مع السيارة التى _على ما يبدو_ مستلقية بها ، نهضت بجذعها العلوى و هى تضع يدها رأسها متأوهة ، ثم سرعان ما تلفتت حولها بفزع ثم نظرت إلى المقعدين الاماميين صارخة بذعر:
_ انتو ميييين؟
توقفت السيارة بغتة لترتد بجسدها إلى الأمام ثم تعود مجددا و علامات الارتياع باتت ظاهرة على وجهها ، حتى خرج أحدهم من مقعد السائق لم تتبين ملامحه إثر الظلام المخيم بهذا المكان الشاسع ، ما ان فتح باب السيارة لتدقق النظر بمعالمه حتى ارتاحت معالمها و هى تقول بنبرة مستنجدة:
_ أشرف اى اللى جايبنى اهنه؟ ، خدنى ف مكان تانى انى خايفة
لم يجبها سوى بجذبها من يدها بقوة جعلتها تخرج بجسدها من السيارة إلى أحضان الرمال القابعة بالأرض حيث توقفت السيارة بطريق صحراوى! ، رفعت رأسها عن الرمال حتى بقيت آثارها على صفحة وجنتها ، ثم التفت بوجهها إلى أشرف الذى كان يرمقها بنظرات شيطانية ، لتقول بأنفاس لاهثة إثر ذهولها من هول ما تم الآن ، فتشدقت ببهوت:
_ ليه عملت اكده يا أشرف؟ ، فى اى؟
لم يتحدث مجددا و إنما خرجت من المقعد المجاور للسيارة فتاة عشرينية ترتدى ملابس ملاصقة لجسدها حتى لا يُعلم ما تستر بالضبط ، تحدق فى زينة بنظرات خبيثة اخافتها حيث تقول بتوتر:
_ م مين انتى؟
أطلقت هيدى ضحكة سمجة صاخبة ثم التفتت الى زينة ما ان انتهت و هى تقول:
_ انا اللى هخلص على احلامك كلها يا سكر
ثم اقتربت من أشرف حتى استندت بمرفقها على كتفه قائلة بغرور:
_ أنا اللى هاخد منك كل حاجة كان نفسك فيها ، انا حبيبة أشرف
جحظت عينا زينة و قد شعرت بأنها حطَّت بعالم آخر و عقلها بات مغيبا تماما ، لم تعد تسمع ما قيل بعد ذلك من كلماتها الصلدة و إنما سمحت فقط لدموعها بالخروج من محابسهن ، إلى أن استعادت وعيها سريعا ما ان سمعت صوت اشرف بعد طول صمت منتظرة ان يريحها و يخبرها بأن كل ما يحدث مجرد كذبة أو مزحة
و لكن على العكس تماما ، اقترب منها قليلا ثم هتف بقسوة:
_ اه يا زينة كلامها صح ، هى اللى حبيبتى ، مستغربة كدة ليه؟
علت شهقاتها حتى وصلت إلى الآذان و قلبها بات ينزف دما ، و دموع القهر تنساب من مقلتيها بغزارة ، بينما يكمل أشرف معترفا بافعاله الشنيعة بكل وقاحة:
_ فى الحقيقة يا قمر ، أبويا كتب وصيته قبل ما يموت إنى هورث كل الفلوس لو حصل و اتجوزت صعيدية هوارية ماحدش لمسها قبل كدة ، يعنى لا متطلقة ولا أرملة
ثم لوح بسبابته نحوها قائلا بتهكم:
_ و طلعتى انتى الفقرية اللى هتتجوزينى ، بعد كدة خدت معاكي فترة جواز عشان الخطة تبقى ماشية تمام ، و جبت واحد صورتك معاه بقميص النوم اللى كنتى لابساهولى أنا ، عشان يبان انه ليه هو ، و بعد كدة بعتّ الصورة لاخوكى ، تحبى تشوفيها؟
صاحت بأقصى ما عندها من قوة بسخط:
_ آه يا واطى يا سافل يا حيوان ، بجى تعمل أكده ف مرتك يا شنب عالفاضى..
لم يعطها فرصة أخرى للإكمال حيث أمسك بشعرها بين قبضته لتتأوه ألما بينما يهتف بشيطانية:
_ اخرسى يا بت انتى ، و اعرفى دلوقتى ان اخوكى ف اى وقت هيوصل و هيدور عليكى ف كل حتة و لو عتر فيكى ، قولى على نفسك يا رحمن يا رحيم
ثم اعتدل بنصفه العلوى مجددا ثم بصق أمامها بتقزز قبل ان يقول و هو يحدق فيها بازدراء:
_ انتى طالق يا….. مدام
ثم ركب السيارة و تلته هيدى التى ارتسمت على شدقها ابتسامة ماكرة حيث تلتفت إلى أشرف قائلة بإعجاب:
_ برافو عليك
أدار المحرك ثم تحرك عائدا أدراجه إلى القاهرة ، تاركا زينة التى أخذت تجهش فى البكاء بغزارة حتى كادت تجف الدموع بين الجفون ، أخذت تطلق صرخات عالية تعبر عن قليل مما يجيش بصدرها ، تضم يديها أمام وجهها و هى تدمع بقهر ، تشعر بأن الصدمة شلَّت جوارحها كافة ، تتمنى و بشدة ان تنشق الارض و تبتلعها خيرا من وقوع هذه الكلمة على مسمعها حتى صمَّتها ، تتمنى لو كانت بكابوس ينتهى بعد قليل ، نيران الظلم و الخداع مضرمة بصدرها بينما يخرج دخانها مع زفراتها الساخنة ، لا تصدق ان هذا الذى سلمته روحها قبل جسدها يفعل بها ذلك ، أعطته مفاتحها بكل سرور ليسرق ما يشاء ثم يذهب تاركا إياها بالعراء ، دون حبة نخوة او ذرة حنان تركها دون ان يلتفت حتى إلى الوراء! ، دون لمسة رجولة التقط لها صورة مع أجنبى عنها دون ان تتحرك له شعرة او تردعه غيرة! ، نطق بالطلاق بكل ما للبرود من معنى حيث لم يتراجع أو يشعر بالندم او يفكر للحظات! ، فكان بالضبط كذئب دون رحمة فتك بفريسته على حين غرة! ، توقفت عن ذرفها للدموع ما ان لاحت إلى ذاكرتها جملته الحمقاء مهددا:
_ اعرفى دلوقتى ان اخوكى ف اى وقت هيوصل و هيدور عليكى ف كل حتة و لو عتر فيكى ، قولى على نفسك يا رحمن يا رحيم
ثم تلفتت نحوها يمنة و يسرة و قد وجدت نفسها بأحراش الصحراء الصارمة حيث لا تسمع همسا او ترى انسيا ، فقط صمت مطبق يقطعه شهقاتها الصاخبة ، و التى وجدت مع استمراريتها إيقاظا لأعتى حيوانات الصحارى ، كما و فى نفس الوقت لديها اخاها الذى دوما كان الظهر و السند و مصدر الحماية و الأمان يود أن يقت,لها ما أن يراها تخلصا من العار الذى سيقبع على أنفاس العائلة كلها ، شعرت بأنها مقيدة لا تعرف ما تفعل او كيف تفعل ، فقط كل ما أتى أمامها هو الهروب و التشبث بآخر قشة للأمل بهذه الحياة ، علها تستطيع النجاة!
أخذت فى السير بالطريق الذى غادرت السيارة باتجاهه ، أقدامها الحافية تنغرس بالرمال الباردة ، كما ينخر الهواء المجمد باوصالها حتى تخشبت أطرافها ، تمشى بإعياء لا تعرف سببه أهو المخدر أم البرد أم الصدمة؟ ، و لكنها تجاهد للبقاء على قيد الحياة حتى و ان كانت ستهرب من الحيوانات إلى سلاح أخيها!
و لأن السيارة لم تكن ابتعدت كثيرا عن الطريق السريع ، استطاعت زينة بعد مرور ساعة فقط ان تبلغ الأسفلت الساخن ملمسه بسبب احتكاك عجلات السيارات الذاهبة و العائدة به ، أمسكت برأسها و عينيها تجاهدان للبقاء مفتوحتان و لكن الأمر أصعب مما تتخيل ، و ما يزيد الطين بلة هو قدوم سيارة تهرع باقصى سرعتها بنفس الاتجاه و باللحظة الأخيرة يضغط صاحبها المكابح سريعا حتى تصدر صوت احتكاك قوى ، و لكن مخلفة صدمة كانت من نصيب جسدها الهذيل لتقع أرضا مكملة غشاوتها بسلام





