رواية قطة في وادي الذئاب بقلم إسراء عبد القادر

أزاحت بأنملها الصغير عبرة خرجت من عينها و هى متسطحة على بطنها ترمق شطر صورته بألم بعدما توالت إليها ذكرى اليوم الأخير للقائهما قبل الفراق ، و الذى اتضح فيما بعد انه فراق لمدى الحياة ، لتصيبها لوعة الاشتياق الكاوية و تحرقها نيران الرثاء من الداخل ، بينما تكون الابنة المطيعة الصامدة من الخارج ، تحدثت من بين نحيبها الصامت قائلة بمرارة:
_ اتوحشتك جوى جوى يا فارس
_ زينة ، زينة ، يا زينة
نادت بالأخيرة بصوت أعلى قليلا لتجفل زينة ثم تضع شطر الصورة تحت وسادتها و تنهض ملتفتة إلى زوجة أخيها قائلة بفزع:
_ فى اى يا نجاة؟ ، هتجيبيلى جلطة يا شيخة!
اقتربت نجاة و أخذت تزيح الستائر الى الجوانب و تفتح النوافذ كى تعطى بعض الهواء النقى تأشيرة الدخول ، و هى تقول باستنكار:
_ انتى اللى فى اى؟! ، عمالة انادى عليكى من الصبح و انتى….
تلعثمت الكلمات بلسانها ما أن لحظت طرفا من ظهر الصورة الفوتوغرافية أسفل الوسادة ذات اللون الزهرى لتقترب و الشك وجد طريقه الى عقلها بينما يدب الخوف بأوصال زينة التى قالت بقلق:
_ اى فى اى؟
لم تجبها و إنما سحبت الصورة سريعا قبل ان تردعها يد زينة ، لتصك صدرها ما ان تتأكد بما يوجد بحوزة هذه الصورة و هى تقول بغضب مختلط بالتوجس:
_ واه يا منيلة على عينك! ، لسة معاكى الصورة؟! ، مش جلتى هتخلصى منها؟!
امسكتها زينة من بين أنامل نجاة ثم وضعتها بمكانها أسفل وسادتها مجددا و هى تقول بقلة حيلة:
_ مش جادرة يا نجاة ، صدجينى مش جادرة
أمسكت نجاة بساعدى زينة ثم جعلتها تجلس و جلست بجانبها ثم بدأت فى الحديث منتقية كلمات المعاتبة بعناية لئلا تنهار زينة كما فى السابق ، فقالت بحكمة:
_ يا حبيبتى افهمى ، الميت مالوش غير الدعا بالرحمة ، لكن اكده انتى بتعذبى نفسك ، و اخوكى ممكن يجطع خبرك لو لجى الصورة دى معاكى ، فكرى فينا مش ف نفسك يا زينة
عضت على شفتها السفلى بتعب مضنى لتقول بصوت دامع متحشرج:
_ فارس مات جدامكوا كلكوا ، لكن لسة عايش جوايا ، ماجدرش انساه و ماجدرش ارمى صورته كمان ، حتى بعد ما شفتوا الجثة و جلتوا انه مات ، الا انه لسة عايش ف جلبى ، انا بشوف صورته و هو بيشوف صورتى
همت ان تثنيها و لكن سبقتها زينة عندما امسكت كفها بين كلتا راحتيها و سلطت عيناها بخاصتيها قائلة برجاء:
_ ابوس يدك يا نجاة ، ماتجوليش لاخوى ان معايا صورة لفارس ، مش عايزة الحاجة الوحيدة اللى فضلت من ريحته تضيع منى
تنهدت نجاة لتجيبها بايماءة من رأسها و قد بدت على وجهها معالم الشفقة و الحسرة لأجل صغيرتها التى تذوقت العذاب باكرا و قلبها أصبح عجوزا فى سن السادسة عشر!
حاولت نجاة تغيير مجرى الحديث قائلة بابتسامة اغت,صب,تها:
_ يالا بجى غيرى هدومك و انزلى افطرى ، عشان اخوكى هيجيب نتيجتك النهاردة و ان شاء الله ناجحة
بادلتها الابتسامة المجاملة متمتمة:
_ ان شاء الله




