رواية قلبي لمن بقلم أمل نصر بنت الجنوب

وتابعت وهي تلملم حقيبتها بيد ترتجف من فرط القهر:

ـ “أنت بني آدم معندكش ريحة الدم ولا الأصول! لو كنت فاكر إن خيانة أختي هي الطريق لقلبي، تبقى متعرفش مين هي ياسمين. أنا فعلاً غلطت لما جيت أسمع لواحد زيك، مش فاهمة انا جايب الثقة والغرور دا على ايه؟ بص لنفسك في المراية يا استاذ الاول حضرتك صورة وبس، صورة تتعلق على الحيط، او تتحط فوق الكمودينو، انما راجل الواحدة تتمناه ويبقى سند…. لأ، يتزعل عليك لو سيبتني وروحت لغيري برضو….. لا، عشان انت مش….

توقفت الكلمة بحلقها، منعتها أخلاقها الكريمة انت تبصقها بوجهه الكريه، ولكنها وصلت لتشعل جذوة الحقد بداخله، يرمقها بنظرات نارية ومتوعدة وهي تتحرك لتذهب

فتركت الطاولة وخرجت تجري من امامه. فتسيل على خديها دموع تحرق عينيها، لم تكن دموع ضعف، بل دموع صدمة من بشر يبيعون ويشترون في المشاعر وكأنها بضاعة رخيصة. لم تكن تدري أن “عبد الرحمن”، الذي كان يراقب خروجها من الشركة بقلق، قد تملكته الظنون، وأن مواجهتها القادمة معه ستكون اختباراً آخر لكرامتها.

…………………….

عادت ياسمين إلى المنزل، تجر أذيال خيبةٍ لم تتوقعها وقرفاً يملأ حلقها من ذلك المتبجح. دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، وكأنها تغلقه على العالم أجمع. رمت حقيبتها بعنف، وجلست على طرف سريرها تحاول التقاط أنفاسها المتهدجة.

“كيف؟” سألت نفسها بقهر، “كيف يجرؤ أن يظن ولو للحظة أنني سأقبل به؟ أيظنني سلعة تُباع وتُشترى، أو جائزة ترضية ينتقل إليها بعدما ملّ من أختي؟” لكن العجب سرعان ما تلاشى ليحل محله إدراكٌ مرّ؛ فأهلها هم من رسموا له هذا الطريق. تساهلهم معه، وفتحهم أبواب البيت له وكأنه واحد منهم قبل الأوان، وتدليلهم لسما على حساب كرامة ياسمين.. كل ذلك غدّى داخل “جمال” هذا الإحساس البغيض بأنه “الغنيمة” التي يحق لها الاختيار والتبديل كما يشاء.

حانت ساعة الغداء، وارتفع صوت والدتها “اعتدال” من الصالة تناديها بآلية مفرطة، دون حتى أن تقترب من باب غرفتها:

ـ “ياسمين.. يلا الغدا جاهز، اطلعي كلي لقمة معانا”

ردت ياسمين بصوتٍ مخنوق، محاولةً قدر الإمكان أن تبدو طبيعية:

ـ “مليش نفس يا ماما.. سيبوني دلوقتي.”

لم تكلف الأم نفسها عناء الدخول لتسأل: “ما بكِ؟ لماذا لا تشتهين الطعام؟” بل استمرت الحياة في الصالة وكأن ياسمين مجرد قطعة أثاث في زاوية الغرفة. لم تدخل سما، “المكتئبة” التي لا تخرج من غرفتها إلا لمصلحة أو لتطلب “شغلة” من ياسمين، ولم يدخل الأب ليطمئن.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *