رواية قلبي لمن بقلم أمل نصر بنت الجنوب

.
…………………..
كانت “اعتدال” تجلس على ذاك الكرسي الخشبي الملازم لسرير ياسمين في المستشفى، وعيناها لا تفارقان وجه ابنتها الشاحب، بينما ينهش الندم والحزن قلبها. استرجعت بمرارة مشهد الصباح الذي زلزل كيانها؛ حين دخلت غرفتها بضيقٍ مصطنع لتوقظها، وهي تردد كلماتها المعتادة:
ـ قومي يا ياسمين.. الشغل اتأخرتي عليه، والناس هتقول إيه!”
لكن الكلمات تجمدت في حلقها حين وقع بصرها على الفاجعة. لم تكن ياسمين على سريرها، بل كانت جثة هامدة مرتمية على الأرض في مشهدٍ يمزق الروح؛ نصف جسدها الضئيل مستلقٍ على سجادة الصلاة، والنصف الآخر افترش الرخام البارد الذي امتص ما تبقى من دفء أطرافها.
ساعتها، شعرَت اعتدال وكأن قلبها قد هوى في سحيقٍ مظلم. هرعت نحوها، هزتها بجنون وهي تنادي باسمها: “ياسمين! ردي عليا يا بنتي.. ياسمين!” لكن لا مجيب، سوى صمتٍ مخيف وبرودةٍ بدأت تسري في ملامح ابنتها التي كانت بالأمس القريب تحذرها من “الغدر” تحت سقف بيتهما.
لم تجد الأم المكلومة وسيلةً إلا الصراخ، صرخةٌ شقت سكون البيت واستدعت “رشدي” و”سما” بهلع، صرخة كانت تحمل في طياتها اعترافاً متأخراً بأن “العاقلة” التي لم تكن تشتكي، قد انكسر داخلها شيءٌ لا تبرئه المحاليل ولا الأدوية.
انهمرت دموع اعتدال وهي تنظر إلى المحلول المعلق، وتهمس لنفسها: “يا ريتني سمعتلك يا بنتي.. يا ريتني ما كذبت عيني عشان أرضي الناس.” بينما كانت سما في الزاوية الأخرى، مشغولة بهاتفها، تقتنص من وجع أختها “كادراً” جديداً تنشره للعامة، غير مدركة أن الصرخة التي أطلقتها أمها في الصباح، قد وصلت أصداؤها بالفعل إلى قلب رجلٍ يقود سيارته الآن كالمجنون في شوارع المدينة، يبحث عن “ياسمين”.
,قطع سكون العنبر الرتيب إلا دويّ صوت “جمال” القادم من الممر الخارجي، صوته الذي كان يسبق خطواته المتعجرفة، حاملاً نبرة عصبية مبالغ فيها، وكأنه يمارس سلطةً مطلقة على الجميع. انتفضت “اعتدال” في مقعدها، ورمقت باب العنبر بنظرة قلقة وهي تراه يقتحم المكان بوجه محتقن، صائحاً بلهجة تقطر لوماً:
ـ “إزاي يعني محدش يرفع سماعة التليفون يبلغني؟ ياسمين تتعب وتتنقل المستشفى كدة وأنا زيي زي الغريب أعرف بالصدفة؟ دي أصول دي يا عم رشدي؟”
ارتبك “رشدي توفيق” وبدا عليه الانكسار وهو يحاول تبرير موقفهم، فمسح عرق جبينه بيده المرتجفة وقال بصوتٍ واهن:





