رواية قلبي لمن بقلم أمل نصر بنت الجنوب

شهقت اعتدال ضاربةً على صدرها بجزع من تطور الأمر، لكن ياسمين كانت في حالة من الجمود جعلتها ثابتة لا تهتز أمام تهديداته، بل صدمته بقولها:

ـ “للأسف مش هتقدر تمنعني يا بابا.. الإجراءات انتهت بالفعل، وكلها ساعات وأكون في الطيارة. وقبل ما تسأل إزاي، أنا مسافرة في طيارة خاصة تابعة للشيخة اللي هشتغل معاها، وعموماً العقد معايا وتقدر تتأكد بنفسك.”

فتحت حقيبتها أمام ذهول الاثنين، ووضعت عقد العمل أمام عينيه وهي تواصل الضغط على الجرح بكلمات حادة:

ـ “ولو لسه مصمم على منعي وضياع الفرصة دي كمان من إيدي، تقدر تقطع العقد ده بنفسك.. بس في كل الحالات أنا مش هقدر أعيش هنا تاني. الفرق الوحيد إنك لو سبتني أسافر هتفضلوا أهلي وسندي، إنما لو منعتني، هعيش غريبة في بلدي.. ومن غير أهل.”

ختمت حديثها وتحركت نحو غرفتها فوراً، تاركةً والدتها متجمدة من وقع كلماتها القاسية. لم يشعر رشدي بنفسه إلا بعد أن غابت عن عينه وهرعت زوجته لتلحق بها؛ فسقط على مقعده بقهرٍ دفين. فقد كان حتى اللحظة الأخيرة يمارس سلطته الأبوية بتجبر، رغم أن تصرفه هذه المرة نابع من عجزه عن منعها.

منعه كبرياؤه من التوسل إليها لتسامحه على مجمل أخطائه، أو حتى الوعد بإصلاح ما هو آت؛ لكن يبدو أن الفرصة قد ضاعت، وما تبقى ليس سوى “فتافيت” مودة، إن ضاعت هي الأخرى، فقد خسر ابنته للأبد

………………………….

دخلت “اعتدال” إلى غرفة ابنتها، فوجدت الحقيقة المرة تتجسد أمام عينيها؛ كانت ياسمين قد وضعت حقيبة سفرها على الفراش وبدأت تجمع ملابسها ومتعلقاتها الخاصة من الخزانة بسرعة وإصرار. انقبض قلب الأم وهي تدرك أن ابنتها تمضي فعلاً في طريق الرحيل والابتعاد عنهم، شعرت بعجزها القاتل عن منعها.

ومن غير تفكير، هرولت اعتدال نحو ابنتها وجذبتها إلى حضنها، ثم غرقت في نوبة بكاءٍ حارق. ورغم العهد الذي قطعته ياسمين على نفسها بألا تذرف دمعة أخرى، إلا أن مشهد انهيار والدتها جعل عينيها تدمعان رغماً عنها.

سرعان ما استعادت ياسمين رباطة جأشها، وحاولت التملص من حضن والدتها لتتحدث إليها بقوة وثبات، بينما كانت اعتدال تردد من بين شهقاتها بنبرة مكسورة:

ـ ـ “مش عارفة هعيش في بعادك عني إزاي؟ ولا قادرة أقولك ‘بلاش’.. لاضيع عليكي فرصة جديدة وتشيلي مني أكتر.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *