رواية قلبي لمن بقلم أمل نصر بنت الجنوب

شحب وجهه، واهتز صوته وهو يسأل بلهفة مكتومة:

ـ “تعبانة إزاي يعني؟ ومنين عرفتي بالتحديد؟ هي بلغت حد فيكم؟”

أجابت هناء ببراءة وهي تخرج هاتفها لتريه الشاشة:

ـ “من ‘حالة’ الواتساب يا مستر.. أختها سما هي اللي منزلة الخبر، وبتقول ‘ادعوا لياسمين أختي’، دي اتنقلت المستشفى فجأة من كام ساعة.”

وقع الخبر على مسامعه كوقع الصاعقة؛ جمدت الدماء في عروقه وتسمرت قدماه في مكانهما، توقف به الزمن للحظة، وشعر وكأن الأرض تميد به. الكلمة وقعت على أذنيه كدويّ انفجار: “المستشفى!”. لم يعد يرى أمامه هناء ولا المكاتب ولا الأوراق، بل قفزت إلى ذهنه صورة ياسمين بملامحها الشاحبة وانكسارها الذي حاولت مداراته بالأمس. استجمع أنفاسه بصعوبة، وسأل هناء بصوتٍ مخنوق حاول قدر الإمكان أن يبدو رسمياً لكنه فشل:

ـ “مستشفى إيه يا هناء؟ متعرفيش مالها؟ واشمعنى أختها اللي منزلة الخبر؟”

ردت هناء بقلبٍ وجل:

ـ “والله يا مستر، سما كاتبة إن ياسمين تعبت فجأة بليل، والضغط وطي وشكلها جالها هبوط حاد. بس هي مكاتبتش اسم المستشفى، اكتفت بطلب الدعاء وصورة لإيد ياسمين وهي متركب لها محاليل.”

لم ينتظر عبد الرحمن سماع المزيد؛ اندفع نحو مكتبه، التقط مفاتيحه وهاتفه، وخرج بخطواتٍ شبه راكضة. كان عقله يغلي بالتفكير: “ياسمين القوية، الصبورة، المتحفظة حتى والحزن يسكن عينيها.. تلك التي لا تفصح عما يؤلمها، بل تخرج صرخاتها في إبداعٍ ينطق بالجمال؛ جمالٌ لا يدركه إلا من يملك حساً مرهفاً يرى الوجع خلف كل غرزة خيط.”

في السيارة، ظل يضرب المقود بيده من فرط القلق. لم يكن يملك عنوان منزلها، ولا يعرف أحداً من ذويها، لكن عاطفته الجارفة وخوفه عليها أنسياه كل التفاصيل. فجأة، لاحت له ذكريات ملفات الموظفين؛ استرجع بجهدٍ جهيد كل حرف قرأه في ملفها الشخصي، حتى استطاع تذكر المنطقة التي تسكن فيها.

بدأ رحلة البحث كالمجنون، يتصل بهناء كل خمس دقائق: “اسألي سما على المستشفى.. قولي لها إن الشركة عايزة تطمن عشان التأمين.. اختلقي أي حجة يا هناء!”

وبينما كان عبد الرحمن يحترق قلقاً، كانت ياسمين ترقد بالفعل في غرف المستشفى الباردة؛ جسدها استسلم أخيراً بعدما عجزت روحها عن الاحتمال. كانت “سما” تجلس بجوارها، لا لدافع الحب الخالص، بل لتمارس دور “الأخت المخلصة” أمام العامة، وتنشر صور مرض أختها استدراراً لعطف “جمال” وجذباً لانتباهه، غير مدركة أن هذه الصور ذاتها هي التي كانت تقود الرجل الذي يحب ياسمين بصدق إلى بابها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *