رواية قلبي لمن بقلم أمل نصر بنت الجنوب

استلقت ياسمين على سريرها، ونظرت إلى سقف الغرفة بمرارة. شعرت أنها منسية تماماً؛ ففي هذا البيت، يُسمح لسما بالانهيار والاكتئاب لأنها “الصغيرة المدللة”، ويُسمح للأب والأم بالحزن عليها ومواساتها. أما ياسمين، فمن حقهم أن يتركوها وحيدة ليومين أو أكثر، لا لثقتهم في “عقلها وحكمتها” كما يدّعون، بل لأنهم استسهلوا صمتها، واعتبروا صمودها فرضاً واجباً.
“إحساسي فليذهب إلى الجحيم”؛ هكذا همست لنفسها وهي تغمض عينيها بقوة. فالجميع هنا مطمئن لأن ياسمين “عاقلة”، والعاقل في شرعهم هو من يبتلع جمره ويصمت، بينما “المجنون” والأناني هو من يحصد كل الاهتمام.
وسط هذا القهر، قفزت إلى مخيلتها فجأة صورة “عبد الرحمن”.. نظرته الطويلة لها أمام الشركة، وشكوكه التي لمحتها في عينيه. شعرت بوخزة في قلبها؛ فبينما يتجاهلها أهلها تماماً، هناك من يراقب تفاصيل حركتها ويشعر بنقص فرحتها، حتى وإن كان ذلك بطريقة “مستفزة” تثير أعصابها.
…………………….
دخلت ياسمين الشركة في الصباح كمن يدخل معركة، عيناها المحتقنتان من قلة النوم أخفتهما بتركيز مبالغ فيه على أوراقها وخيوطها. انغمست في العمل لدرجة الإرهاق، كانت تعاقب جسدها حتى يتوقف عقلها عن استرجاع كلمات “جمال” المسمومة أو مشهد خذلان أهلها.
ومع ذلك، لم يكن من السهل تجاهل وجود “عبد الرحمن”. كان يمر من أمام مكتبها كغريب، معاملته أصبحت رسمية لدرجة الجليد، وجمل المشاكسة التي كانت تملأ المكان اختفت تماماً. كانت تلمح في نظراته عتاباً مكبوماً وكلاماً كثيراً يرفض الخروج، مما جعل الحيرة تنهشها. “أكيد أنا موهومة.. هو ماله ومالي؟ أنا هنا موظفة وبس”، هكذا كانت تبرر لنفسها وهي تغرس إبرتها في الجلد بقسوة.
حانت لحظة الاجتماع لمناقشة تسليم الطلبية الجديدة. جلس عبد الرحمن أمامها بوقار حاد، ودار النقاش جافاً، تقنياً، وخالياً من أي روح. بعد أن انتهيا واتفقا على كل التفاصيل، جمعت ياسمين أوراقها وهمت بالمغادرة، لكن صوته استوقفها عند الباب، كان صوتاً مخنوقاً بالفضول والقهر:
ـ “آنسة ياسمين.. واضح إن المشاوير الخارجية واللقاءات ‘المفاجئة’ بدأت تأثر على المواعيد، يا ريت نركز في الشغل الفترة الجاية أكتر.”
تسمرت ياسمين مكانها، واستدارت ببطء مستغربة من نبرته المبطنة:





