رواية قلبي لمن بقلم أمل نصر بنت الجنوب

وقفت على الرصيف في انتظار تاكسي، والزحام من حولها يزيد من ضيق صدرها. وفجأة، هدأت سرعة سيارة سوداء أنيقة أمامها، وانخفض الزجاج ليطل وجه “عبد الرحمن” بابتسامته المشاكسة المعتادة التي تسبق كلامه دائماً.

ـ “ايه ده دا آنسة ياسمين.. هو الجميل واقف مستني القطر ولا حاجة؟

كان ردها ابتسامة خفيفة ليواصل هو

– التاكسيات في الوقت ده عملة نادرة، اركبي أوصلك في سكتي، وفري ‘تمن’ التاكسي لعلبة خيوط جديدة أحسن.”

حاولت ياسمين أن تحافظ على وقارها المعتاد وردت بخجل:

ـ “شكراً يا أستاذ عبد الرحمن، التاكسي زمانه جاي، مش عايزة أتعب حضرتك.”

لم يستسلم عبد الرحمن، بل زاد في إلحاحه بطريقة طريفة وهو يسند ذراعه على المقود:

ـ “تعب إيه؟ ده أنا مصدق ألاقي حجة عشان أراجع معاكي ‘التقفيل’ بتاع الشنطة الأخيرة وإحنا في الطريق. يلا يا ياسمين، السواقين النهاردة خلقهم ضيق ومش هيقفوا.”

رغم الحاحه اللطيف، أصرت ياسمين على موقفها، فهي لا تريد أن تفتح باباً للقيل والقال، خاصة وهي في حالة نفسية لا تسمح بالمزاح. حين وجدها متمسكة برأيها، تنهد عبد الرحمن بعمق، ورمقها بنظرة طويلة هادئة، نظرة كانت أبلغ من كل كلمات المشاكسة، نظرة جعلت دقات قلبها تتسارع وخجلها يفيض على وجهها.

ـ “ماشي يا ياسمين.. براحتك. بس خلي بالك من نفسك، وأشوفك الصبح في الشركة.”

انطلق بسيارته، وظلت هي واقفة تسأل نفسها بذهول: “هو ليه بيعمل كدة؟ ليه أنا بالذات اللي بيشيل قدامها قناع الرسمية والجدية؟ عبد الرحمن معروف في الشركة إنه راجل ‘سيف’ ومحترم جداً وجد، اشمعنى معايا أنا بيبقى شخص تاني؟”

هل لأنه يرى تحفظها فيريد كسر هذا الجدار؟ أم أن هناك شيئاً أعمق خلف تلك المشاكسات لم تجرؤ هي بعد على الاعتراف به؟ لم تكن تدري أن هذه النظرة الطويلة كانت بداية لشيء سيغير حياتها تماماً، قبل أن تصل لبيتها وتواجه “الزلزال” الذي ينتظرها هناك.

…………………

حين وصلت عائدة من الشركة، تحمل خبراً كبيراً عن تعاقد دولي بفضل مجهودها ومساندة عبد الرحمن (الذي بدأ يحترم خصوصيتها لكن عينه لم تغفل عنها لحظة). دخلت المنزل لتجد صراخاً وعويلاً؛ سما منهارة، ووالدها رشدي توفيق يضرب كفاً بكف.

بمجرد دخول ياسمين، التفتت إليها والدتها اعتدال بلهفة غريبة وقالت:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *