رواية قلبي لمن بقلم أمل نصر بنت الجنوب

“يا رب.. يا رب اجعل لي في قلوبهم قبولاً، ولا تكسر خاطري قدام الناس دي، ولا تشمت فيّ جمال ولا غيره.” استجمعت شتات نفسها، وحاولت أن تستمد القوة من وجود عبد الرحمن خلف هذا الباب، فهو الحصن الذي اختارها أمام الجميع، ولن يخذلها اليوم وسط أهله بأذن الله
……………………….
خرجت ياسمين من المطبخ بخطواتٍ متعثرة، تحمل صينية العصير بيدين ترتجفان كغصنٍ في مهب الريح. كانت عيناها معلقتين بالكؤوس، تخشى أن تخونها قدماها أو تخذلها أعصابها فتسقط الصينية وتتحول ليلة عمرها إلى مأساة. لكن، وبمجرد أن رفعت بصرها نحو الصالون، تجمدت في مكانها؛ فقد خُطفت الأضواء منها قبل أن تبدأ.
رأت أختها سما تتمايل ببراعة أمام عائلة عبد الرحمن، بعد أن استبدلت ملابسها بفستانٍ باهر يفوق فستان ياسمين رقةً وتفصيلاً، ووضعت من مساحيق التجميل ما جعلها تبدو وكأنها هي “نجمة الليلة”. كانت الصدمة الأكبر في رد فعل والدة عبد الرحمن، التي نهضت بلهفة وانبهار، والابتسامة تملأ وجهها وهي تظن أن هذه الجميلة المندفعة هي العروس، بينما استسلمت سما للدور ببراعة شيطانية، فأطرقت رأسها بتصنعٍ للكسوف دون أن تنطق بكلمة تصحح بها سوء الفهم، تاركةً السيدة تسبغ عليها عبارات المديح والإعجاب. شعرت ياسمين بغصةٍ مريرة شقت حلقها، وببرودة الموت تسري في عروقها. كانت في تلك اللحظة تتمنى لو تبتلعها الأرض أو تعود أدراجها وتختبئ في غرفتها للأبد، لولا ذلك الصوت القوي، الرزين، والحاسم الذي شق ضجيج المجاملات. نطق عبد الرحمن بلهجةٍ واضحة، فيها من الفخر ما جعل الجميع ينتبه، ومن الحزم ما وضع كل شخص في حجمه الحقيقي:
ـ دي أختها المخطوبة يا ماما.. أما أنا عروستي القمر اللي جاية هناك أهي.
أشار بيده نحو ياسمين الواقفة بذهول، واتجهت الأنظار كلها إليها. كانت كلماته بمثابة “صفعة” رقيقة أعادت لسما صوابها، و”طوق نجاة” انتشل ياسمين من بحر انكسارها. نظر إليها عبد الرحمن بعينين تلمعان بالإعجاب والتشجيع، وكأنه يثبت لها أمام أهله وأمام “جمال” المتربص، أنها هي الوحيدة التي تملأ عينه وقلبه، مهما حاولت الأخريات سرقة الضوء. في تلك اللحظة، شعرت ياسمين أن الصينية لم تعد ثقيلة، وأن قدميها ثبتتا على الأرض؛ فقد أنصفها الرجل الذي اختارته، ووضع حداً لتجاوزات أختها بكلمة واحدة جعلت دماء الخجل والانتصار تتدفق في وجنتيها من جديد ……………………………..




